وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 59)  تطور الظاهرة الكلامية
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 59)  تطور الظاهرة الكلامية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
Speed:
August 06, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 59) تطور الظاهرة الكلامية

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 59)

 تطور الظاهرة الكلامية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام :

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا:"وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ التاسعةِ والخمسين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "تطور الظاهرة الكلامية".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -: "لأن أساس الدعوة مبني على العقيدة والأفكار المتعلقة بها. فكان حرص المسلمين على الدعوة الإسلامية، وحاجتهم للرد على خصومهم، قد حمل الكثيرين منهم على تعلم بعض الأفكار الفلسفية لتكون بيدهم سلاحًا ضد خصومهم". 

ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: إن الظواهر المختلفة لا تستقر ولا تترعرع إلا بعد أن تمر بمراحل مختلفة، وأطوار عديدة متغيرة، وأزمان متباعدة. ولقد انتقل علم الكلام بهذه المراحل، والأطوار جميعًا حتى صار ظاهرة تُحمَل العامة على مقتضاه، وتُمثل هذه المرحلة منعطفًا خطيرًا في عقيدة الأمة، وهو سبق خطير ليس له نظير قبله في تاريخ خلفاء الأمة، وكان ذلك في زمن المأمون العباسي، وهذه هي مرحلة الاستقرار الأول لعلم الكلام.

يقول الشهرستاني: "ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج علم الكلام، وأفردتها فنًا من فنون العلم، وسمَّتها علم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها، وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنًا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان".

يقول شيخ الإسلام - ملاحظًا هذا التطور-: "في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء الرأي، والكلام، والتصوف، فكان جمهور الرأي في الكوفة، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة. ومر علم الكلام بمراحل مختلفة:

المرحلة الأولى: وهي مرحلة قدامى المتكلمين، كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وغيرهم. وقد تميزت هذه المرحلة بالتأثر بالمصطلحات اليونانية، وخاصة عند المتأخرين منهم كالعلاف، حيث ترجمت كتب الفلسفة اليونانية، وقد كانت المباحث الكلامية في هذه المرحلة متناثرة حسب موضوعاتها التي يتفق الكلام فيها دون وضع قواعد صريحة لهذا العلم، كما خلت هذه المرحلة من الاستعانة بعلم المنطق الأرسطي.

المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي دخل فيها الأشاعرة معترك الكلام في مقابل المعتزلة، وتعد هذه المرحلة أكثر تطورًا، نظرًا لوضع قواعد علم الكلام ومقدماته التي يحتاج إليها الدارس مثل: إثبات الجوهر، وغيره.

المرحلة الثالثة: حيث تتميز هذه المرحلة بمناقشة كلام الفلاسفة وإدخال ذلك في علم الكلام، كما تتميز أيضًا باستعمال المنطق الأرسطي في مقدمات علم الكلام، ودراسة أدلته، وبراهينه.

المرحلة الرابعة: تتميز بالخلط بين مذاهب الفلسفة والكلام، واشتباه الأمر فيها على الكاتب والقارئ جميعًا، ثم التقليد المحض لتلك الآراء من غير نظر في أصولها. وهناك أسباب كامنة وراء تفشي الظاهرة الكلامية منها:

أولا: تسامح المسلمين: فلقد كانت شروط الفتح الإسلامي تسمح ببقاء بذور الحضارات المختلفة عند طوائف كبيرة من الأهالي الذين واصلوا التمتع بعاداتهم وقوانينهم على شريطة أن يعطوا الجزية، وكان طبيعيًا أن تتأسس الروابط والعلاقات بين الفاتحين وأهل البلاد في وقت مبكر سواء أكان ذلك بسبب الحوار أم بسبب اعتناق الإسلام، وكان قد التحق بالإسلام طوائف وفئام من كل ملة، دخلوا حاملين لما كان عندهم من فلسفات وديانات راغبين أن يصلوا بين الإسلام وبين تلك الأديان والفلسفات، فثارت الشبهات بعد ما هبت على الناس أعاصير الفتن، ولاشك أن هذا التمازج والاختلاط والتوسع في الفتوحات مع السماح ببقاء بذور ورواسب الحضارات السابقة كان له الأثر في نشأة علم الكلام ولم يستطع المصلحون أن يواجهوا تلك الفتنة وإخمادها بل على العكس من ذلك.

ما إن فتحت البلدان على المسلمين، وتوسعت الرقعة التي يظلها الإسلام بظله، حتى تأثر المسلمون بما وفد عليهم من عوامل ومؤثرات، وحتى اختلطوا بأبناء الأمم المفتوحة الذين كانوا متأثرين بسابق حضارتهم، وما تحمله ثقافتهم ودياناتهم من أفكار ومعتقدات بل ومناهج نظر وبحث، تختلف باختلاف تلك الأمم، إلى جانب أن الكثير من أبناء الأمم قد دخلوا الإسلام حاملين ذلك التراث المثقل بركام التصورات القديمة، والمناهج الضالة، فكانوا كبذور فتنة ألقيت في تربة الإسلام، فتأثر بهم من تأثر من أبناء المسلمين، وركبوا من المناهج مراكب الوافدين، فجاءت الثمار تحمل مناهج استدلال غير المنهج الذي عرفه السلف من الصحابة والتابعين، ولا يغيب عن أذهاننا أن بعض من دخل في الإسلام لم يدخل إلا لبث الشبهات، وزلزلة العقائد، ودس المناهج الضالة، والمتأمل في رؤوس الضلالة ورواد البدعة سيجد أن أغلبهم من بقايا الديانات والفلسفات التي سحقها الإسلام، مثل اليهودية، والنصرانية، والمجوسية.

ثانيًا: حركة التعريب (الترجمة): وهناك سبب آخر من أهم أسباب انتشار الظاهرة الكلامية، ذلك السبب هو حركة التعريب (الترجمة) لكتب الفلسفة والمنطق، وهي من أعظم أبواب الشر التي فتحت في زمن المأمون، فكثر تعريب كتب فلاسفة اليونان الأوائل، مما كان له أسوأ الأثر في تكدير صفو العقيدة، وبلبلة الناس، وشغلهم بالمنطق الإغريقي عن الكتاب والسنة، حيث ترجمت العديد من الكتب مثل: كتاب (الطبيعة)، وكتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو، وترجم كتاب (كليلة ودمنة)، وكثير من كتب الكيمياء، والطب والنجوم مثل كتاب (الحكم الذهبية) لفيثاغورث، ومصنفات أبقراط وجالينوس وكتاب (النواميس) لأفلاطون، و(جوامع المحاورات) له أيضًا. ولعل السر يكمن في أن أغلب المترجمين كانوا غير المسلمين، مثل يحيى البطريق، وجورجس بن جبرائيل، وتيادورس، وعبد المسيح بن ناعمة الحمصي، وقسطا ابن لوقا البعلبكي، وحنين بن إسحاق وغيرهم.

قال الإمام السفاريني: "قال العلماء إن المأمون لما هادن بعض ملوك النصارى أظنه صاحب قبرص، طلب منه خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشاروا بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد فإنه قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها، وأوقعت بين علمائها". وحدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كان يقول: "ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها".

وفي هذه الأثناء مد أهل البدعة رواق بدعتهم، وتنفذوا على البلاد والعباد، وصارت المنابر والحلق والقضاء حكرًا عليهم، وضيق على أهل السنة، ونالهم العنت الشديد. وهكذا ظل علم الكلام يترقى في مراحله المذكورة سابقًا حتى صارت مباحثه مختلطة بالمباحث الفلسفية البحتة، وصار هو الطريق المعبر عن عقيدة المسلمين على ما فيه من إغماض، وتعقيد، وتكلف يصعب على العلماء أنفسهم فَهْمُ أغلب مباحثه، ومصطلحاته، هذا عابه السلف، وإن لهم منه موقف.

موقف السلف الصالح من علم الكلام:

لقد كان موقف السلف الصالح من علم الكلام موقفًا حازمًا هو المنع من تعاطي هذا العلم والاشتغال به ومجالسة أصحابه أو حتى الرد عليهم، وذلك أنهم نظروا إلى منهج الرسالة من الكتاب والسنة، فوجدوه قد انتهج منهجًا خاصًا في تقرير العقيدة الإسلامية، فاتجه إلى العقل الإنساني والفطرة البشرية يخاطب ما جبلت عليه من حقائق تجعل الإيمان بوجود الخالق وضرورة عبادته وحده أمرًا بديهيًا، لا حاجة فيه إلى الجدل والسفسطة، وأن الإسلام مبناه على الخضوع والاستسلام.

ثم نظروا إلى الأصول والمحاضن التي نشأ فيها علم الكلام، فوجدوا أن علم الكلام ترعرع في بيئة وثنية خالية من التوحيد، أساسه الفلسفة اليونانية، وبيئة المجتمع الإغريقي الإباحي المنحل، فأطلقوا صيحات الإنذار إشفاقًا على هذه الأمة من أن تأخذ مأخذ الأمم السابقة فكثرت أقوالهم في التحذير من علم الكلام، وهذه الورقات مع ما سبق طرحه من الأمر بلزوم السنة تعطينا صورة واضحة متكاملة عن حرص السلف الصالح الكرام على هذه الأمة، وإليك نماذج من أقوالهم المحذرة من علم الكلام.

  • يقول الإمام أحمد في رسالته للخليفة المتوكل في أمر القرآن: "ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله - عز وجل - أو في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه، أو عن التابعين. فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود".
  • وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: كتب رجل إلى أبي فسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم فأملى علي جوابه: "أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل الزيغ، وإنما الأمر بالتسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله  جل وعلا".
  • وقال: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا، ولا أرى أحدًا نظر في الكلام إلا في قلبه دغل".
  • وعن الإمام الشافعي رحمه الله قال: "إياكم والنظر في الكلام فإن الرجل لو سئل عن مسألة الفقه فأخطأ فيه كان أكثر شيء أن يضحك منه عليه، ولو سئل عن مسألة في الكلام فأخطأ فيها نسب إلى البدعة، لقد رأيت أهل الكلام يكفر بعضهم بعضًا، ورأيت أهل الحديث يخطئ بعضهم بعضًا، والتخطئة أهون من الكفر".
  • وقال أيضًا: "لأن يبتلى المرء بكل ذنب نهى الله عنه ما عدا الشرك، خير له من الكلام".
  • وقال أيضًا: "لقد اطلعت من أصحاب الكلام على شيء ما ظننت أن مسلمًا يقول ذلك".
  • وقال أيضًا: "حكمي على أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، فيقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام".
  • وقال الإمام مالك: "إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله ما البدع؟، قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة وتابعيهم".
  • وقال أيضًا: "كلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله".
  • وقال أبو يوسف - من الحنفية -: "من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق".
  • وقال أبو محمد البربهاري: "واعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأهل الكلام".
  • وقال أيضًا: "وإذا أردت الاستقامة على الحق، وطريق السنة قبلك، فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام".
  • وقال الإمام الدارمي بعد ذكره لمقتل الجعد بن درهم، عن أهل الكلام: "ثم لم يزالوا بعد ذلك مقموعين، أذلة مدحورين، حتى كان الآن بأخرى، حيث قلت الفقهاء، وقبض العلماء، ودعا إلى البدع دعاة الضلال، فشد ذلك طمع كل متعوذ في الإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق، ووجدوا فرصة للكلام فحدوا في هدم الإسلام، وتعطيل ذي الجلال والإكرام، وإنكار صفاته وتكذيب رسله وإبطال وحيه، إذ وجدوا فرصتهم وأحسوا من الرعاع جهلًا، ومن العلماء قلة، فنصبوا عندها الكفر للناس إمامًا، بدعوتهم إليه وأظهروا لهم أغلوطات من المسائل، وعمايات من الكلام ليغالطوا بها أهل الإسلام".

هذا كلام أهل العلم الأساطين الأثبات، أخذنا منه قطرة من فيض عطائهم، وكلامهم في التحذير من علم الكلام والاشتغال به. فيا ترى ما هو قول أصحاب هذا الفن ممن اشتغل حياته بتحصيله، والنظر فيه، والاستدلال بموجبه، إليك بعضاً من كلامهم. يقول أبو حامد الغزالي: فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن الناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف، فمن قائل إنه بدعة وحرام، وأن العبد إن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه فرض إما على الكفاية، وإما على الأعيان، وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله، وإلى التحريم ذهب الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وسفيان، وجميع أئمة الحديث من السلف.. وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديد فيه؛ قالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لما يتولد من الشر. وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون». أي المتعمقون في البحث والاستقصاء واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على أربابه... فإن قلت فما المختار عندك؟ فأجاب: فيه منفعة وفيه مضرة، فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستقرار ومحله حرام، فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرورة في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة وتثبيتها في صدورهم. بحيث تنبعث دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، لكن هذا الضرر بواسطة التعب الذي يثور من الجدل، أما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى المعرفة في هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفعك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور.

أما كبير المتكلمين الذي يدور على مقالاته مذاهبهم، أوحد زمانه في المعقول والمنقول، أبو عبد الله الفخر الرازي، فقد أوصى عند موته كما في كتاب (عيون الأنباء) فقال: "وكنت أكتب في كل شيء شيئاً، لا أقف على كميه وكيفيه سواء كان حقاً أو باطلاً، غثاً أو سميناً.. ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقصات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشي، وتضمحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية.. وأقول ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما".

وأما الإمام الجويني، فإنه ندم على ما كان منه من تضييع عمره في تحصيل علم الكلام، ونهى أصحابه عن الخوض فيه فقال: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، ها أنا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور، وقال: اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف".

ولقد اقتصرنا في سرد أقوال بعض المتكلمين وتركنا آخرين لكفاية ما ذكرنا، فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمق فيه بما سمعت، بعد أن أفنوا فيه أعمارهم من أوضح الحجج على من دونهم، وبطلان مأخذهم، واشتغالهم بعلم الكلام، واستدلالهم بموجبه. ومن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا، تائهًا، شاكًا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

More from null

Reflections on the book: "Elements of the Islamic Psyche" - Episode Fifteen

Reflections on the book: "Elements of the Islamic Psyche"

Prepared by Professor Muhammad Ahmad Al-Nadi

Episode Fifteen

Praise be to God, Lord of the Worlds, and prayers and peace be upon the Imam of the pious, the Master of the Messengers, sent as a mercy to the worlds, our master Muhammad and all his family and companions. Make us with them, and gather us in their company, by your mercy, O Most Merciful of the merciful.

Dear listeners, listeners of the Media Office Radio of Hizb ut-Tahrir:

Peace, mercy, and blessings of God be upon you. In this episode, we continue our reflections on the book: "Elements of the Islamic Psyche." In order to build the Islamic personality, with attention to the Islamic mentality and the Islamic psyche, we say, with God's help: 

O Muslims:

We said in the last episode: It is also Sunnah for a Muslim to supplicate for his brother behind his back, just as it is Sunnah for him to ask his brother to supplicate for him. It is Sunnah for him to visit him, sit with him, keep in touch with him, and share with him for the sake of God after loving him. It is recommended for a Muslim to meet his brother with what he likes to please him with that. We add in this episode and say: It is recommended for a Muslim to give gifts to his brother, according to the hadith of Abu Hurairah, which was reported by Bukhari in Al-Adab Al-Mufrad, Abu Ya'la in his Musnad, Al-Nasa'i in Al-Kuna, and Ibn Abd Al-Barr in Al-Tamhid. Al-Iraqi said: The chain of narrators is good, and Ibn Hajar said in Al-Talkhis Al-Habir: Its chain of narrators is good, he said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Exchange gifts, you will love one another." 

It is also recommended for him to accept his gift and reward him for it, according to the hadith of Aisha in Bukhari, who said: "The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, used to accept gifts and reward for them."

And the hadith of Ibn Umar in Ahmad, Abu Dawood, and Al-Nasa'i, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever seeks refuge in God, grant him refuge, and whoever asks you in the name of God, give him, and whoever seeks protection in God, protect him, and whoever does you a favor, reward him, and if you do not find anything, then supplicate for him until you know that you have rewarded him."

This is between brothers, and it has nothing to do with the gifts of the subjects to the rulers, as they are like bribery, which is forbidden. And one of the rewards is to say: May God reward you with good. 

Al-Tirmidhi narrated from Usama bin Zaid, may God be pleased with them both, and said it is good and authentic, he said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever has a favor done to him and says to the one who did it: "May God reward you with good," then he has exaggerated in the praise." And praise is gratitude, i.e., reward, especially from someone who finds nothing else, as Ibn Hibban narrated in his Sahih from Jabir bin Abdullah, who said: I heard the Prophet, may God bless him and grant him peace, say: "Whoever is given a favor and does not find anything better than praise for it, then he has thanked him, and whoever conceals it has disbelieved, and whoever adorns himself with falsehood is like one who wears two garments of falsehood." And with a good chain of narrators, Al-Tirmidhi narrated from Jabir bin Abdullah, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever is given a gift and finds something to repay it with, let him repay it, and if he does not find anything, let him praise it, for whoever praises it has thanked him, and whoever conceals it has disbelieved, and whoever adorns himself with what he has not been given is like one who wears two garments of falsehood." And disbelieving in the gift means concealing and covering it up. 

With an authentic chain of narrators, Abu Dawood and Al-Nasa'i narrated from Anas, who said: "The Muhajirun said, "O Messenger of God, the Ansar have taken all the reward, we have not seen a people who are better at giving a lot, nor better at consoling in a little than them, and they have spared us the burden," he said: "Do you not praise them for it and supplicate for them?" They said: "Yes," he said: "That is for that." 

A Muslim should be grateful for the little as he is grateful for the much, and be grateful to the people who do him good, as Abdullah bin Ahmad narrated in his additions with a good chain of narrators from Al-Nu'man bin Bashir, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever is not grateful for the little, is not grateful for the much, and whoever is not grateful to the people, is not grateful to God, and talking about God's blessings is gratitude, and leaving it is disbelief, and the group is mercy, and division is torment."

It is Sunnah to intercede for one's brother for a benefit of righteousness or to facilitate a difficulty, as Al-Bukhari narrated from Abu Musa, who said: "The Prophet, may God bless him and grant him peace, was sitting when a man came asking, or seeking a need, he turned his face to us and said, "Intercede, so that you may be rewarded, and God will decree on the tongue of His Prophet what He wills."

And as Muslim narrated from Ibn Umar from the Prophet, may God bless him and grant him peace, who said: "Whoever is a connection for his Muslim brother to a person of authority for a benefit of righteousness or to facilitate a difficulty, will be helped to cross the Path on the day when feet slip."

It is also recommended for a Muslim to defend the honor of his brother behind his back, as Al-Tirmidhi narrated and said this is a good hadith from Abu Al-Darda' from the Prophet, may God bless him and grant him peace, who said: "Whoever defends the honor of his brother, God will ward off the fire from his face on the Day of Resurrection." This hadith of Abu Al-Darda' was narrated by Ahmad, and he said its chain of narrators is good, and Al-Haythami said the same. 

And what Ishaq bin Rahwayh narrated from Asma bint Yazid, who said: I heard the Messenger of God, may God bless him and grant him peace, say: "Whoever defends the honor of his brother behind his back, it is a right upon God to free him from the Fire." 

Al-Quda'i narrated in Musnad al-Shihab from Anas, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever supports his brother behind his back, God will support him in this world and the hereafter." Al-Quda'i also narrated it from Imran bin Hussein with the addition: "And he is able to support him." And as Abu Dawood and Al-Bukhari narrated in Al-Adab Al-Mufrad, and Al-Zain Al-Iraqi said: Its chain of narrators is good from Abu Hurairah that the Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "The believer is the mirror of the believer, and the believer is the brother of the believer, from wherever he meets him, he protects him from his loss and surrounds him from behind."

O Muslims:

You have learned from the noble Prophetic hadiths mentioned in this episode and the previous episode that it is Sunnah for whoever loves a brother for the sake of God to inform him and let him know that he loves him. It is also Sunnah for a Muslim to supplicate for his brother behind his back. It is also Sunnah for him to ask his brother to supplicate for him. It is Sunnah for him to visit him, sit with him, keep in touch with him, and share with him for the sake of God after loving him. It is recommended for a Muslim to meet his brother with what he likes to please him with that. It is recommended for a Muslim to give gifts to his brother. It is also recommended for him to accept his gift and reward him for it.

A Muslim should be grateful to the people who do him good. It is Sunnah to intercede for one's brother for a benefit of righteousness or to facilitate a difficulty. It is also recommended for him to defend the honor of his brother behind his back. So why don't we adhere to these Sharia rulings and all the rulings of Islam, so that we may be as our Lord loves and is pleased with, so that He may change what is within us, improve our conditions, and we may win the best of this world and the hereafter?! 

Dear listeners: Listeners of the Media Office Radio of Hizb ut-Tahrir: 

We will suffice with this amount in this episode, with the understanding that we will complete our reflections in the coming episodes, God willing. Until that time and until we meet you, we leave you in God's care, protection, and security. We thank you for your kind listening, and peace, mercy, and blessings of God be upon you. 

Know, O Muslims! - Episode 15
November 14, 2025

Know, O Muslims! - Episode 15

Know, O Muslims!

Episode 15

Among the assisting bodies of the Khilafah state are the ministers whom the Caliph appoints to assist him in bearing the burdens of the Khilafah and fulfilling its responsibilities. The multitude of the Khilafah's burdens, especially as the Khilafah state grows and expands, makes it difficult for the Caliph to bear them alone, so he needs someone to help him bear them to fulfill its responsibilities. However, it is not correct to call them ministers without restriction, so that the meaning of the minister in Islam, which is in the sense of an assistant, is not confused with the meaning of the minister in the current man-made systems based on democratic, capitalist, secular, or other systems that we witness in the present era.