تنبيه الحكومة لحزب التّحرير: شهادة على حسن السيرة والسلوك!
July 18, 2014

تنبيه الحكومة لحزب التّحرير: شهادة على حسن السيرة والسلوك!


قد ضللتم العنوان وطرقتم الباب الخطأ. ففكرتم وقدرتم ثم فكرتم وقدرتم ونظرتم ولمّا لم تجدوا لنا كيدا ومكرا، جمعتم فتات غبائكم فاستكبرتم وأرسلتم لنا تنبيها لنراجع موقفنا من الدّستور ومن مدنية الدّولة واعتبرتم كل ذلك مخالفات في حق مبادئ الجمهورية.


فاعلم أنك - يا رئيس الحكومة ومَن وراءك - أكبر مخالفة للثورة وأهدافها وللأمة ومشروعها، نعلم أنه يغيظك حزب التحرير الذي كشفك وعمالتك من البداية حين أقامت لك بريطانيا test psycho-technique حتى تؤهلك لما أنت فيه. يا سيد جمعة أنت المخالف حتى لمنظومتك المهترئة من كونك وحكومتك لم يفرزك صندوق ديمقراطي يستجيب لمبادئ جمهوريتك ولو خداعا. إن أنتم إلا مجرّد إسقاطات على المشهد السياسي جاؤوا بك وجئت بهم على عجل وكنت انبثاقًا عن رباعي مقيت انتهازي ولّى أمره امرأة (بوشمّاوي) تلازمك في حلّك وترحالك ترشدك وتوجّهك... بل ربّما تراقبك. رباعي تتمترس وراءه أحزاب ليس لها بين الناس رصيد بل تحتقر الأمّة ودينها وتضادّ مشروع الأمة بل العقيدة بل الآية والحديث.. رباعي فيه رجال سيماهم على وجوههم من أثر العمالة والخيانة والتآمر والانتهازية... يا رئيس الحكومة أنت "مؤقّت" والحزب والمبدأ والأمة والخلافة والثورة هم "الباقون"، لست أنت من سينظر في أمر حزب التحرير فهو ذاك الحزب الذي في السياسة شيخ وهو يمارسها في أعلى درجات رشدها مستنيرا بمصابيح الوحي والوعي فهي في ذمّته أمانة ومسؤولية وأنت تمارسها في أدناها ولو بمفهومها البراغماتي المكيافيلي ولا زلت تعاني مراهقة سياسية. بل حزب التّحرير قد قضي لديه الأمر ونظر في أمرك ولم يجد لك ولا لحكومتك عزما بل نحن نعلم يقينا أنك لا تتحرك إلا بأمر ولا تسكن إلا بنهي من أسيادك..


لقد ابتلانا الله بكم - حكام ما بعد الثورة - تتعقبون كل نفس ثوري وخاصة إذا كان بالإسلام ومن أجل الانعتاق من ربقة الاستعمار ومن أجل القطع مع الماضي حقّا وحقيقة لتقتلوا هذا النفس وتكتموه، حكام ما بعد الثورة لا تعصون الغرب ما أمركم وتفعلون ما تؤمرون، إن أنتم إلا إداريون لدى السّفارات تنفّذون إرادة الاستعمار .. ولكن سل عنّا الدول الكبرى التي تحضر حفلات أعيادها الوطنية. سل عنّا تلك التي لا زالت تظنّ أنها امبراطورية لا تغيب عنها الشّمس. بل سل عنّا أمريكا ودعوة الخلافة التي تقرع آذانهم في عقر دارهم بل في أمريكا حزب التّحرير يقيم المؤتمرات ويمنع الصحافة الأمريكية من الحضور والتصوير والمواكبة لتعلم شوكة هذا الحزب وقوته وعزّته المستَمدّة من عزّة الله ورسوله والمؤمنين ..سل عنّا المخابرات العالمية التي تترقب آراءنا السياسية المتعلقة بالقضايا الدّولية وتقيم عليها المترجمين وعلى ضوئها تحسن فهم الأحداث.


وبالتالي ما قدّمته لنا فضلا على ما فيه من ركاكة في التّعبير وخواء في المضمون وسوء تأتّ فهو عدم توقير للكبير. فحزب التّحرير أكبر من تونس ما بعد الاستقلال المزعوم بثلاث سنوات.


أما عن العلم والخبر فنحن واقع موجود رغم أنوف الحاقدين المتواطئين الجبناء المنهزمين قبل المعركة بل الذين باعوا الذمّة والهمّة ورضوا أن يكونوا أتباعا وأذنابا وصغارا ومتآمرين ... لا بل نحن الواقع الموجود، نحن قدركم والخلافة قائمة لا محالة - شئتم أم أبيتم - فيها أرشيف جرائمكم لن تغادر صحائفها كبيرة ولا صغيرة من خياناتكم إلا أحصتها ولكنّ العلم والخبر حقّ طبيعي لنا - ليس منّة منكم حتّى تتبعوه بالأذى - ضمنه لنا سياق الأمة والوضع الثّوري ... بل نحن من يجب أن يكون لأنّنا لا نستعين بالأجنبي ولا نجلس على موائده ولا نعرض عليه قضايانا لنستنير برأيه .. حاشا وكلاّ أن نمرّغ كرامة أمّة ودينها ونمتهن شرفها في التّراب ..إذ ذاك عندنا انتحار سياسيّ وخيانة لله ورسوله والمؤمنين ويكون مثلُنا كذاك الذي يطلب من قاتل أمّه العدالة والإنصاف فيكون الجاني هو القاضي والمجرم هو رجل الإطفاء. كما أنّنا لا نتبنّى العمل المادّي والعنف في عملنا للتّغيير من أجل الوصول إلى هدفنا، وهذا وذاك ليس تملّقا للشعب ولا تزلّفا للحاكم ولا تنازلا للدّيمقراطية الدجالة الخادعة بل حكم شرعيّ في ذمّتنا متبوع بقوّة الدليل وحسن التنزيل...


ألم تر أنّ أحزابا من كلّ حدب ينسلون يأتيهم رزقهم رغدا من الغرب، تختلي بالسفراء ويختلون بها بعيدا عن أضواء الكاميرات؟ آه عفوا ذاك شأن داخليّ للأحزاب لا علاقة لك به... وكأن تلك الأحزاب دول داخل الدولة لها سياسة داخلية وأخرى خارجية وربّما هي من تقرّر الحرب والسّلم في المدن والجبال..


ألم تر أن أحزابا "ذهب ظمؤها وابتلّت عروقها" على مائدة إفطار السّفير الأمريكي دون حياء ولا خجل بل إنّ صورهم مكشوفة للرّأي العام ليزيد الاستعمار في إذلالنا وكأنّه يقول لنا ضاحكا مستهزئا بلهجة التّعالي والكبر على هذه الأمّة ودينها وثورتها: "كبراؤكم هؤلاء هم تلاميذ عندي أعلّمهم السياسة وأؤهلهم للانتقال ... وعندي في سفارتي أرسم ملامح ثورتكم بأيدي أبنائكم الذين وجدوا عندي النّعيم المقيم"! وهناك ترى أشباه السياسيين شاخصة أبصارهم في سيّدهم يسمعون له كأنّ على رؤوسهم الطّير يمتثلون أمر السيّد الغربي ونهيه.. أم أنّك تغضّ البصر عن نقابات أمنية تبرم مقابلات مع السّفير البريطاني؟ أم أنّك لا تريد أن تسمع بأحزاب جعلت من مقرّاتها ثكنات عسكرية؟ إنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور...


نعلم أنّ حزب التّحرير القائم على أمر الله وعلى قضايا الأمة المركزية التي غادرها أشباه السياسيين الذين يمّموا وجوههم قِبَل الكافر المستعمر وجعلوا من سفاراته مزارات يقتاتون فيها على موائده قد أقض مضاجع أسيادك وتجاوز الخطوط الحمراء التي وقف عندها كل السياسيين الطّامعين الانتهازيين - باستثناء المخلصين وهم كثر في هذه الأمّة من فضل الله - حتى يرضى عنهم السيد الغربي - الأمريكي والأوروبي - ولا يُحكم عليهم بالإعدام السياسي لينالوا كرسيّا في الحكم أو في البرلمان معوجّةَ قوائمه لا يستوي حتى يسقط...


هاكم بعض هذه الخطوط:


1. ملفّ الثروات من فوسفات ونفط وغاز الذي يمثّل شرايين أوروبا وخصوصا بريطانيا عبر شركاتها الاستعمارية من بريتش غاز وبيتروفاك وغيرها، إذ لا ننسى هروب السفير البريطاني من مسلك فلاحي خائفا مذعورا ثم أقلع في طائرة عسكريّة أمام وقفة عزّ وإباء للشباب المسلمين في قرقنة حيث رفعوا في وجهه أنّ ثروة هذا البلد هي ملكيّة عامّة وليست وقفا لمصّاصي الدّماء وآكلي لحوم الشّعوب وكانت وقفة بقيادة شباب حزب التّحرير.. وقد كنّا سبّاقين ولنا الشرف في فتح هذا الملف وفضح المؤامرات وقد وجد من الأمّة العديد من المخلصين فخشي الاستعمار أن تتحوّل هذه القضيّة إلى رأي عام فتصل إلى مداها ويسمع ما سمعه عملاؤه: "ديقاج"


2. الانتخابات التي أصبح فشلها ظاهراً لكل ذي عينين وعزوف الناس عنها أصبح يؤرق السياسيين وأسيادهم خوفا من أن تكون تلك الأصوات قد انقلبت وعيا وتأييدا وانخراطا في مشروع الخلافة الذي يدعو له حزب التّحرير الذي يزداد يوما بعد يوم شعبيّة واحتضانا له ولدعوته من قبل هذا البلد الطيّب أهله!


3. أمّا الدّستور فحدّث ولا حرج وأظنّك يا رئيس الحكومة ستجد نفسك كذلك ملزما بإرسال رسالة تنبيه أيضا إلى هذا الشّعب الكريم المسلم - كما فعلت مع حزب التّحرير - لأنّه ارتكب مخالفة طرد النوّاب من الولايات وتمزيق الدّستور في وجوههم. وغيرها الكثير...


نعم قد ضللتم العنوان وطرقتم الباب الخطأ... واعلموا أنّ تنبيهكم هذا شهادة لنا بحسن السّيرة والسّلوك من كوننا أتقياء أنقياء لأنّكم ترون أنّ الاستعانة بالأجنبي في ممارسة العمل السياسي هو طبيعيّ بل شأن داخليّ للأحزاب يستأهل توضيحا منكم وبيانا على عجل عندما اتّهمتم بالامتعاض من لقاء قادة الأحزاب بالسّفراء.. ولكنّنا نرى أنّ حجر الزّاوية في العمل السياسي هو كشف خطط الاستعمار وتبنّي مصالح الأمة... نحن نلعن الاستعمار ويلعننا وأنتم تحبّونه ويحبّكم.! حزب التّحرير هو من يجب أن يكون لأنّه انبثق استجابة للوحي ولقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أحمد بن حسين - تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر