صحيفة الزمان: التغيير... فكرة ظاهرة وقوة ناصرة ـ د. ماهر الجعبري
September 18, 2013

صحيفة الزمان: التغيير... فكرة ظاهرة وقوة ناصرة ـ د. ماهر الجعبري

11/09/2013


إن حالة تبدل الأنظمة السياسية كما حصل بعد الانقلاب العسكري في مصر، وكما تضمنت دعوة بعض الجهات المنتسبة للثورة في الشام للتدخل الأمريكي، وكما حصل فيما سبقها من تدخل حلف النيتو في التغيير السياسي في ليبيا، يستدعي وقفة سياسية فكرية وشرعية أمام دور وحدود القوة العسكرية في تغيير الأنظمة.
بداية يلاحظ المفكر السياسي أن مراجعة نماذج بناء الدول عبر التاريخ ظلّت دائما مستندة إلى تأمين قوة غالبة ترعى نشأة تلك الكيانات، وتؤمن حمايتها من الارتداد عليها داخليا من خلال حركات التمرد، ومن العدوان عليها خارجيا بالغزو والاحتلال.


ولقد أرجع بعض المؤرخين تلك القوة العسكرية إلى العصبية ، وذلك حسب واقع القوة في الشعوب القديمة، كما فعل ابن خلدون رحمه الله في مقدمته الطبعة الأولى 1993 ــ دار الكتب العلمية بيروت ، حيث اعتبر ابن خلدون أن العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه ص 110 ، ولذلك خلص إلى أنه إذ حصل التغلّب بتلك العصبية على قومها طلبت بطبعها التغلّب على أهل عصبية أخرى... فإن أدركت الدولة في هرمها ولم يكن لها ممانع من أولياء الدولة أهل العصبيات استولت عليها وانتزعت الأمر من يدها، وصار الملك أجمع لها... ص 110 . وأكد أن الملك والدولة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية ص122 .


أما في الزمن المعاصر، فقد تحولت القوة العسكرية عن العصبية التي تأتمر برؤوس القبائل من رجالها، إلى الجيوش النظامية التي تأتمر بقادتها وجنرالاتها، وقد تتمثل أحيانا في فصائل وكتائب تلتف وتتسلح لأجل غاية سياسية، وتحت قيادة عسكرية محددة، ولكن قدرتها على حسم الأمر يتعلق بميزان قوتها العسكري في مقابل قوة الدولة المتغلبة.


إذن لا يمكن إحداث تغيير سياسي فعلي يبدّل الدول، بلا قوة توفر الحماية والمدافعة والمطالبة لرجال الدولة الجدد ولنظامهم السياسي. ولا زال وصف ابن خلدون لغياب هذا المفهوم عن العامة في محله عندما قال وهذا الأمر بعيد عن أفهام الجمهور بالجملة ومتناسون له، لأنهم نسوا عهد تمهيد الدولة منذ أولها... ص 122 .


ومع ثبوت هذه الحقيقة من أنه لا تقام دولة على أنقاض دولة أخرى إلا بتوفر قوة عسكرية تنصر كيان الدولة الجديد، فإن من المشاهد الملموس انه قد يحدث تغيير سياسي في بعض الدول دون قوة عسكرية تحميه، ولكن التبصر في واقع ذلك التغيير يفضي إلى أنه في الحقيقة لا يعدو التعديل السياسي أو الإصلاح الجزئي، ولا يكون تغييرا جذريا يخلع النظام السابق وينشئ نظاما جديدا. وهو ما تفتح الأنظمة الديمقراطية نوافذه الجزئية، إلا أنها الديمقراطية تغلق المنافذ أمام ما تسميه دعوات التغيير الشمولي ، الذي يخلع النظام الديمقراطي من جذوره ويستبدل به نظاما آخر. هذا من حيث الركن الأول في بناء الدول ولكنّ توفر القوة العسكرية لتحقيق غاية تغيير سياسي أو بناء دولة لا يمكن أن تحقق استقرارا سياسيا جديدا إن لم يتوافق هيمنة تلك القوة على المجتمع مع هيمنة فكرة سياسية يحملها المجتمع ويسعى لتطبيقها بغض النظر عن صحة تلك الفكرة وأحقيّتها . وهذا ما يشهد عليه الواقع المصري بعد الانقلاب. أي أن نشأة الدولة واستقرارها يقتضي قوة عسكرية مع قوة فكرية ــ سياسية وهو الركن الثاني إن لم نقل الأول من حيث الأولوية .


ولذلك يمكن تلخيص معادلة التغيير السياسي بأنها التحام بين فكرة ظاهرة في مجتمع ما مع قوة ناصرة تحميها . فالفكرة السياسية بلا قوة لا تؤدي إلى دولة، والقوة بدون فكرة أو دعوة لا يكتمل فيها نضوج الدولة وتمكّنها واستقرارها، ولذلك اعتبر ابن خلدون أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها ص 125 .


وهذا التلخيص لمعادلة التغيير يكاد يكون حقيقة تاريخية يشهد عليها تداول الأيام بين الناس في التاريخ، كما تشهد عليها تجارب التغيير السياسي المعاصرة في الواقع الثوري للأمة.


كما تشهد عليها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، في بناء دولة المدينة استنادا إلى قوة أهلها ونصرتهم، وهم الذين حملوا اسم الأنصار تأكيدا على وصف تلك الحالة من النصرة لإقامة الدولة، وتجسيدا لتلك الحقيقة الإسلامية، وذلك بعدما مكث فيهم مصعب بن عمير عاما يهيئ الأجواء بنشر العقيدة الإسلامية بين أهل المدينة، حتى تكون النصرة للفكرة الإسلامية لا لمجرد حماية شخص الرسول صلى الله عليه وسلم من بطش قريش، ولم يهاجر لتسلم الدولة إلا بعد اجتماع الفكرة الإسلامية مع قوة النصرة في المدينة.


وهذا ما يشهد عليه حديث سعد بن معاذ رضي الله عنه عندما خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم مبينا الإيمان بالفكرة والنصرة بالقوة في الحرب التي تخوضها الدولة، وذلك بالقول يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، أعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض بنا يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما يكره أن تلقى بنا عدوا غدا، وإنا لصبر في الحرب... فهي نصرة دولة بالقوة في الحرب.


إن التغيير السياسي القائم على فكرة تناقض فكرة الدولة الحالية هو عملية صراع ومغالبة، تكون فكرية الطابع ثم متبوعة بحسم عسكري. وهذا الحسم يكون بانحياز أهل القوة العسكرية إلى الفكرة الجديدة وتبنيها لهم كمشروع سياسي. وهذا الانحياز العسكري لا يكون على أساس صفقة مصلحية كحال الانقلابات العسكرية التي لا تسند لفكرة تغيير يحملها المجتمع مثل الانقلاب في مصر ، بل هو على أساس مبدئي يقتنع أهل القوة به في الوقت الذي يجدون فيه الاستعداد الفكري في المجتمع.


ولذلك فإن كانت القوة العسكرية التي تنصر الفكرة السياسية من وسط الأمة فهي نصرة طبيعية، لأن القوة والأمة هما من جنس الفكرة الواحدة العقيدة الإسلامية ، كما هي الحال في جيوش المسلمين والأمة الإسلامية، فالجند هم أبناء الأمة ويحملون عقيدتها، ولذلك فنصرتهم لمشروع الأمة السياسي هي نصرة طبيعية، عندما يُستنهض فيهم دافع العقيدة وتتحرك فيهم بواعث الإيمان وتشحن هممهم للتغيير الذي يجلب الخير لأبنائهم وأحفادهم.


إما إن كانت القوة العسكرية أجنبية، فهي ليست نصرة على إطلاق، لأن الأجنبي يحمل مشروعا سياسيا مغايرا عن مشروع الأمة، وبالتالي فهو يعمل على توجه التغيير بما يتوافق مع مشروعه وما يحقق مصالحه، وهذا الحال مشاهد ملموس في نصر النيتو للتغيير في ليبيا، حيث عمل على إنتاج نظام عربي متجدد صحيح أنه قل فيه مستوى القمع والكبت، ولكنه لم يحدث تغييرا سياسيا جذريا، بل حافظ على تدفق النفط نحو الغرب، وجدد النفوذ الاستعماري عبر إعادة إنشاء طبقة سياسية من جنس الأنظمة العربية ذاتها. وهو أيضا إعادة إنتاج وقائع تاريخية مخزية، من مثل استنصار بعض ممالك الأندلس بقوى أوروبية ضد بعضها، واستنصار بعض ممالك الأيوبيين بالصليبين وعقد الصفقات معهم للتغلب في الدولة.


إذن، هنا نميز بين طلب النصرة من جيوش المسلمين التي تحمل العقيدة نفسها وتتحرك بدافعها، وبين الاستعانة بالأجنبي الذي يحمل عقيدة مغايرة رأسمالية نفعية ، ويتحرك بدوافعه ومصالحه الاستعمارية، مما لا يمكن أن يكون نصرة ذاتية بل هو على الحقيقة هيمنة أجنبية. ولذلك لا يمكن وصف الاستعانة بالأجنبي في التغيير السياسي بأوصاف سياسية دون مستوى العمالة والخيانة، لأنها تمكين للمستعمر من رقاب الأمة وإخضاعها لهيمنته.


ولذلك أيضا فإن أي دعوة للتدخل الأجنبي كتدخل أمريكا في الشام هي استغباء سياسي وقح، ولو أطلقها أصحاب اللحى والعمائم، وهم بذلك يقفزون فوق حقائق التاريخ، ويتجاوزن أحكام التغيير التي سار فيها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، وهم بذلك يأمرون بالباطل من خلال رمي الثورة في حضن المستعمر، ويتعامون عن معروف طلب النصرة من الجيوش الإسلامية. إن ما يجري في الشام يقتضي من الجيوش الإسلامية فعلين متقاربين في المسميات والوصف هما نصرة للتغيير السياسي، ونصرا لرفع الظلم ورد العدوان الأسدي، والتصدي لعصاباته، وهما يقتضيان تدخل القوة العسكرية من الزاويتين المحددتين في الآيتين الكريمتين


1 ــ الآية الأولى حول نصرة الدعوة السياسية وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ، التي تصف حال أنصار المدينة الذين نصروا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم دعوة هداية وتغيير سياسي ، فمكنوه من إقامة الدولة وتغيير النظام السياسي الجاهلي. ولذلك فإن قيام دولة المدينة على هذا الأساس من نصرة أهل القوة للدعوة النبوية هو حكم شرعي قطعي جاء بنص قطعي صريح فلا يمكن لمن يقرّ بالقرآن أن يخالفه.


2 ــ الآية الثانية حول الاستنصار في الحرب ضد الأعداء وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ، وهي توجب على القوة الإسلامية وجيوش المسلمين الدفاع عن المسلمين أمام أي عدوان يتعرضون له، وهذا النصر غير متوقف على وجود عملية تغيير سياسي. بل إن هذا الدفاع عن المسلمين واجب على أهل القوة العسكرية ضد كل احتلال غاشم، وضد تسلط كل نظام كافر عميل يريق دماء المسلمين كما يفعل بشار بالكيماوي وبالبراميل المتفجرة وعبر عصابات القتل المأجورة من حزب إيران اللبناني. أما الصنف الثالث من التغيير بالقوة العسكرية عبر تدخل الأجنبي فلا يكون إلا انتحارا سياسيا، وهو مخالف للأحكام الشرعية، إذ يؤدي إلى تسلط المستعمرين مما نهى الله عنه في قوله وَلَن يَجعَلَ اللهُ للكافرينَ عَلَى المُؤمنينَ سبيلاً .


إن خلاصة القول إنه لا يمكن للأمة الإسلامية أن تتحرر من هيمنة أمريكا ومن طمع روسيا ومن تطلعات أوربا إلا بحمل مشروعها الحضاري المناقض للرأسمالية كفكرة تغيير جذري ، مع الاستناد إلى قوتها الذاتية المتمثلة في عساكر المسلمين كقوة تنصر الفكرة ، ولا يخالف هذا النهج إلا من يقفز على حقائق التاريخ وعلى الأحكام الشرعية.

المصدر: صحيفة الزمان

المزيد من القسم null

أبو وضاحة نيوز: وقفة وكلمة لإفشال مؤامرة فصل دارفور ببورتسودان

أبو وضاحة شعار

14-11-2025

أبو وضاحة نيوز: وقفة وكلمة لإفشال مؤامرة فصل دارفور ببورتسودان

في إطار الحملة التي يقوم بها حزب التحرير/ ولاية السودان لإفشال المؤامرة الأمريكية لفصل دارفور، أقام شباب حزب التحرير/ ولاية السودان، وقفة عقب صلاة الجمعة، 23 جمادى الأولى 1447هـ، الموافق 2025/11/14م، أمام مسجد باشيخ ، بمدينة بورتسودان حي ديم مدينة.


القى فيها الأستاذ محمد جامع أبو أيمن – مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان كلمة في جموع الحاضرين، داعياً إلى العمل لإفشال المخطط الجاري لفصل دارفور، فقال: أفشلوا مخطط أمريكا لفصل دارفور كما فصل الجنوب، وذلك للحفاظ على وحدة الأمة، وقد حرم الإسلام تفرقة هذه الأمة وتمزيقها، وجعل وحدة الأمة والدولة قضية مصيرية، تتخذ حيالها إجراء واحد، الحياة أو الموت، ولما نزلت هذه القضية عن مرتبتها، استطاع الكافرون، وعلى رأسهم أمريكا، وبمساعدة بعض أبناء المسلمين أن تمزق بلدنا، وتفصل جنوب السودان ..وقد سكت بعضنا عن هذا الاثم العظيم، وتلبسوا بالتقصير والتخاذل فمرت تلك الجريمة! وهاهي أمريكا تعود اليوم، لتنفيذ المخطط نفسه، وبالسيناريو نفسه، لسلخ دارفور عن جسم السودان، بما سمته مخطط حدود الدم. مستندة إلى الانفصاليين الذين يحتلون كل دارفور وقد أسسوا دولتهم المزعومة بإعلانهم حكومة موازية في مدينة نيالا؛ فهل تتركون أمريكا تفعل ذلك في بلدكم؟!


ثم وجه رسالة للعلماء، ولأهل السودان، وللضباط المخلصين في القوات المسلحة بالتحرك لتحرير كامل دارفور ومنع الانفصال وأن الفرصة ما زالت قائمة لاجهاض خطة العدو، وإفشال هذا المكر ، وأن العلاج الجذري هو في إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهي وحدها التي تحفظ الأمة، وتدافع عن وحدتها، وتقيم شرع ربها.


ثم ختم كلامه قائلاً: نحن اخوانكم في حزب التحرير اخترنا أن نكون مع الله تعالى، وننصر الله، ونصدق به، ونحقق بشرى رسول الله ﷺ فهلموا معنا فان الله ناصرنا لا محالة. قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.


المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المصدر: أبو وضاحة نيوز

الرادار: بابنوسة على خُطا الفاشر

الرادار شعار

13-11-2025

الرادار: بابنوسة على خُطا الفاشر

بقلم المهندس/حسب الله النور

هاجمت قوات الدعم السريع مدينة بابنوسة يوم الأحد المنصرم، وكررت هجومها صباح الثلاثاء.

سقطت الفاشر سقوطاً مدوّياً، فكانت فاجعة هزّت كيان السودان وأدمت قلوب أهله، حيث سالت الدماء الزكية، وتيتم الأطفال، ورُمّلت النساء، وثُكلت الأمهات.


ومع كل تلك المآسي، لم تُمسّ للمفاوضات الجارية في واشنطن شعرة واحدة، بل على العكس تماماً، فقد صرّح مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس لقناة الجزيرة مباشر بتاريخ ٢٧/١٠/٢٠٢٥م بأن سقوط الفاشر يُكرّس لتقسيم السودان ويساعد على سير المفاوضات!


في تلك اللحظة المفصلية، أدرك كثيرٌ من أبناء السودان أن ما يجري ليس إلا فصلاً جديدا من مخططٍ قديمٍ طالما حذّر منه المخلصون، مخطط فصل دارفور، الذي يُراد فرضه بأدوات الحرب والتجويع والدمار.


وقد اتسعت دائرة الرفض لما سُمّيت بهدنة الأشهر الثلاثة، وارتفعت الأصوات المعارضة لها، خصوصاً بعد تسرّب أنباءٍ عن احتمال تمديدها لتسعة أشهر أخرى، وهو ما يعني عملياً صوملة السودان وجعل الانقسام أمراً واقعاً لا مفرّ منه كما هو الحال في ليبيا.


ولمّا عجز صُنّاع الحرب عن إسكات هذه الأصوات بالترغيب، قرروا إسكاتها بالترهيب. وهكذا وُجّهت بوصلة الهجوم نحو بابنوسة، لتكون مسرحاً لتكرار مشهد الفاشر؛ حصارٌ خانقٌ امتد لعامين، وإسقاط طائرة شحن لتبرير وقف الإمداد الجوي، وقصفٌ متزامنٌ لمدنٍ سودانية؛ أم درمان، عطبرة، الدمازين، الأبيض، وأم برمبيطة، وأبو جبيهة والعباسية، كما حدث أثناء الهجوم على الفاشر.


بدأ الهجوم على بابنوسة يوم الأحد، وتجدد صباح الثلاثاء، مستخدمةً قوات الدعم السريع الأساليب والوسائل نفسها، التي استخدمتها في الفاشر. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يُرصد أيّ تحرك فعليّ للجيش لنجدة أهل بابنوسة، في تكرارٍ مؤلمٍ يكاد يتطابق مع مشهد الفاشر قبل سقوطها.


فإن سقطت بابنوسة – لا قدّر الله – ولم تخفت الأصوات الرافضة للهدنة، فستتكرر المأساة في مدينةٍ أخرى… وهكذا، حتى يُفرض على أهل السودان القبول بالهدنة وهم صاغرون.


ذلك هو المخطط الأمريكي للسودان كما يبدو للعيان؛ فانتبهوا يا أهل السودان، وتدبّروا ما أنتم فاعلون، قبل أن يُكتب على خريطة بلادكم فصلٌ جديدٌ عنوانه التقسيم والضياع.


لقد تم تهجير أهل بابنوسة بالكامل، والبالغ عددهم ١٧٧ ألف نسمة، كما ورد في قناة الحدث بتاريخ ١٠/١١/ ٢٠٢٥م، وهم هائمون على وجوههم لا يلوون على شيء.


إن الصراخ والعويل ولطم الخدود وشق الجيوب من شِيَم النساء، أما الموقف فيحتاج إلى رجولة وشجاعة تُنكر المنكر، ويُؤخذ فيها على يد الظالم، وتُرفع فيها كلمة الحق مطالبةً بفكّ قيد الجيوش لتتحرك لنجدة بابنوسة، بل لإعادة كامل دارفور.


قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ». وقال ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ».


وإنه لمن أشدّ أنواع الظلم، ومن أكبر المنكرات، أن يُخذل أهلُنا في بابنوسة كما خُذل أهل الفاشر من قبل.


إن أمريكا التي تسعى اليوم إلى تقسيم السودان، هي نفسها التي فصلت الجنوب من قبل، وتسعى لتقسيم العراق واليمن وسوريا وليبيا، وكما يقول أهل الشام “والحبل على الجرار”، حتى تعمّ الفوضى أمة الإسلام بأسرها، والله يدعونا إلى الوحدة.


قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، وقال ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا». وقال: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِناً مَنْ كَانَ». وقال أيضاً: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ».


ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.

المصدر: الرادار