سد النهضة وفرية النجاح الباهر وإخفاء الوجه الخطير منه
December 10, 2024

سد النهضة وفرية النجاح الباهر وإخفاء الوجه الخطير منه

سد النهضة وفرية النجاح الباهر وإخفاء الوجه الخطير منه

أعلن الرئيسي الإثيوبي آبي أحمد رسميا اكتمال بناء سد النهضة بنسبة 100%، وأنه تم حجز مياه كافية دون إلحاق ضرر بدولتي المصب، السودان ومصر. وتعهد أمام مجلس نواب الشعب الإثيوبي في كلمة له بأن إثيوبيا ستعزز تدفقات المياه إلى السودان ومصر، في حالة شح في إمداد المياه جراء سد النهضة. وقال آبي أحمد في تصريحات نقلتها هيئة البث الإثيوبية إن سد النهضة يمثل فرصة مهمة لكل من السودان ومصر، مبدياً ثقته في عدم وجود أي مشكلات تتعلق بدولتي المصب. (وكالة العالم العربي).

بادئ القول إن سد النهضة هو من أكبر المشاريع في قارة أفريقيا، وكان من المفترض أن يتم تنفيذه في ستينات القرن المنصرم، ونسبة لدواعي الواقع السياسي آنذاك لم يبدأ العمل به. ومن المعلوم بأن أمريكا هي من وراء بنائه، وهي التي خططت ووضعت له المكان والخرائط، بل وضعت له حجر الأساس عبر شركة واي بليد، التي دفعت 4.8 مليار دولار. ومن إصرارها الكبير، باشرت الشركة أعمالها دون انتظار التوقيع على اتفاق المبادئ في 23 آذار/مارس 2015 الذي خالف نصوص اتفاق عنتيبي للمياه، المبرم في خمسينات القرن المنصرم، ما يؤكد أن بناء السد فوقي، ويعتمد على أوامر عليا من أمريكا لتنفيذه. وهذا ما أكدته الوقائع والأحداث التي تجاوزت كل الخطوط الحمر.

لقد فشلت كل جولات التفاوض التي عقدت في السودان ومصر وإثيوبيا، بالإضافة لجلسة مجلس الأمن بناء على طلب من مصر والسودان في تموز/يوليو 2021م، حيث دعت مندوبة أمريكا ليندا توماس، إلى استئناف المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، يعني تمرير ما تحتاجه إثيوبيا لملء السد والبناء، دون التفات إلى أي انتقاد للمشروع.

لقد حمل خطاب آبي أحمد تناقضات في طياته، حيث قال بأنه "سيعزز تدفقات المياه في حالة شح في إمدادات المياه جراء سد النهضة". ثم أردف مبديا ثقته "في عدم وجود أي مشكلات تتعلق بدولتي المصب". وفي الوقت نفسه قال "إن إثيوبيا لن تسمح بأي تهديد لسيادتها"، وهذا تناقض في الأقوال، وقد جاء بصيغة دبلوماسية، وفي الوقت نفسه حجز من المياه ما يقارب 60 مليار متر مكعب، مبديا ثقته بعدم وجود مشكلات، مع أن آبي أحمد ليس رجل اختصاص حتى يبت في هذه الأمور، فهو يقول الكلام ثم ينقضه، متخذا موقفه كرئيس وزراء، الأمر الذي يجعله يقول بوجود مشكلات حقيقة، ثم يعقبه بتهديد علني.

لقد أكد الخبراء منذ بداية هذا المشروع أنه أخطر مشروع على الإطلاق يمر على المنطقة منذ وجودها، إذ يمثل أكبر تهديد مائي كارثي، فبحدوث خلل في جسم السد، لا سمح الله، جراء حادث طبيعي مثل الزلازل، أو حالة تصدع، أو أي تلف يقع على جسم السد، فإن تدفق المياه الضخمة بعد الملء الخامس إذ تبلغ مياهه ما بين 72 إلى 74 مليار متر مكعب، يعني قنبلة مائية ضخمة، تدمر كل شيء أمامها. أكد الأستاذ عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عن كارثة سد النهضة، في أيلول/سبتمبر 2024 أن زلزالا وقع في إثيوبيا الساعة 7.36 صباحا بتوقيت القاهرة الجمعة 27 أيلول/سبتمبر بقوة 4.8 ريختر على عمق 10كلم ويبعد 570 كلم شرق سد النهضة، ويقع مركز الزلزال في منطقة الأخدود الأفريقي العظيم، ولقد وقعت عدة زلازل بالقوة نفسها، لكن لبعد المسافة كان التأثير ضعيفا، لكن ربما يكون الزلزال القادم أقوى.

من المعلوم أن حصة مياه مصر من النيل وفق اتفاقية مياه النيل عنتيبي هي 55.5 مليار متر مكعب. وتغطي هذه النسبة 50% فقط من احتياطي الاستهلاك السنوي لأهل مصر، إذ يحصل الفرد على 500 متر مكعب من احتياجاته في السنة، بينما الأصل أن يحصل على 1000 متر مكعب في السنة، وهذا يعني أن هناك فقرا مائيا في مصر. (الحرة).

إن مخاطر سد النهضة على السودان ومصر كبيرة، علما بأن السد يبعد عن الحدود السودانية 20 كلم فقط نهاية النيل الأزرق في منطقة بني شنقول وقريبة من سد الرصيرص، ذلك السد الذي يعتمد عليه السودان في توليد الكهرباء المائية التي تغذي ست ولايات في السودان. وإن النيل الأزرق يجدد الطمي عندما يكون فيضانه طبيعيا، وهذا الأمر لم يكن متاحا بعد بناء سد النهضة.

أما ردود الأفعال من الحكومة المصرية فلا تخرج عن سياق تخدير الناس وامتصاص غضبهم تجاه تصرف السيسي وحكومته، وما أعلنه آبي أحمد من اكتمال السد. أوردت قناة الشروق تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن مصر متمسكة بحقوقها المائية في نهر النيل، وأنها قضية لا تفريط فيها، ولا تهاون. وأضاف وزير الخارجية المصري في لقاء مع قناة الشروق في أيلول/سبتمبر المنصرم أن المياه قضية وجودية، وقضية حياة أو موت، وأن القاهرة قادرة على الدفاع عن مصالحها وأمنها المائي في قضية سد النهضة. علما بأن مصر وجهت خطاباً لمجلس الأمن بشأن تطورات سد النهضة، وأكدت فيه استعدادها لجميع التدابير للدفاع عن وجودها ومصالحها ومقدرات شعبها. وقال إن سياسات أديس أبابا ستكون لها آثار سلبية لدولتي المصب مصر والسودان. (وكالات)

إن المتتبع لتصريحات الحكومة المصرية منذ توقيع اتفاق المبادئ في 23 آذار/مارس 2015 لا يجد إلا التباكي والتصريحات النارية من عبد الفتاح السيسي وحكومته عندما قال نحن لن نتهاون ولو في قطرة (ميه)، وغيرها من تصريحات الحكومة المصرية وإعلام مصر وخبراء مصر، الذين يحذرون من خطورة سد النهضة، ولكن لا شيء غير النفيخ الأجوف!

إن قضية سد النهضة تشبه قضية فلسطين وقدسها، حيث وضعت بريطانيا حجر الأساس لدولة يهود، وجاءت بالحكومات العميلة لتحرسها، حكومات تضحك على شعوبها وكل همها كراسيهم المعوجة قوائمها، فهم لا يرقبون في الأمة الإسلامية إلا ولا ذمة.

إن الحكومة المصرية تدرك خطورة السد، وتعرف تناقص حصة مصر والسودان من المياه، وتعرف احتمال انهيار السد، فتجدها تمارس عملية ملء الفراغ الإعلامي نفاقا وهي لا تحرك ساكنا! وإذا سمعت التصريحات القوية المهددة لأديس أبابا فكأنك تهيئ نفسك لضربة قوية تهد السد منذ اللحظات الأولى قبل ملئه!

إن مستوى الإجرام التاريخي الذي ارتكب في حق السودان ومصر من هؤلاء الحكام، وتركهم إكمال السد ليصل مراحله الأخيرة، ليكون قنبلة مائية مدمرة للبلاد هو أمر واضح لكل ذي بصر وبصيرة. وإن ما تحوكه أمريكا عبر عملائها في المنطقة يؤكد مدى حقدها الدفين تجاه أمة محمد ﷺ. فلم تكتف بصناعة الحروب بل هي الآن تصنع التدمير الممنهج للأجيال القادمة، وهلاك كل من يريد الانعتاق من ربقتها ولو بعد حين. إن تصرف أمريكا في صناعة السد وحمايته من أي مساءلة قانونية أو إعطاء الضوء الأخضر لملء السد في كل مراحله، دون رقيب، تاركة لإثيوبيا الحبل على الغارب، ليؤكد عنجهيتها وغطرستها، وهو السقوط المدوي لقيم الإنسانية التي تتشدق بها تجاه العالم. وإن الإجراء الوحيد تجاه هذا السد هو أن يتم إيقافه الآن قبل الغد. والذي يقوم بهذا الإجراء إنما هو دولة مبدئية تتقي الله في رعاياها، وتخاف من غضب القوي الجبار، قبل مساءلة الرعية، وهذا سوف يتحقق في دولة الخلافة القائمة قريبا بإذن الله.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – نيالا – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر