March 04, 2014

رهان الحكومة للقضاء على الفقر في السودان ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾

تمر السنوات العجاف على الناس وتقتات على الغالي والنفيس وكل ما تبشر به الحكومة يروح أدراج العواصف العاتية التي لا تُبقي ولا تذر، ولسان الحال يقول كفانا تنظيراً أجوف، نريد حلاً يلامس مشكلة الفقر المستشرية كالنار في الهشيم، وليس مسكنات مؤقتة تُستورَد ممن هم أصل كل مشكلة في عالمنا اليوم؛ مسكنات فقدت مفعولها لا يلبث الألم أن يعود أشد مما كان عليه وأعتى، فيمزق اللحم ويدق العظم الذي أوهنه الفقر الذي تلوكونه بألسنتكم، وأنتم عن حقيقته لغافلون، وعاطلون عن أسباب علاجه التي يجب أن تنبثق عن هوية الناس الذين تحكمون، هوية تمتلك معالجات ضاربة بجذورها في التاريخ؛ والتي ما أن طبقت حتى ردت الزكاة لبيت مال المسلمين لا تجد فقيرا يستحقها، ونثر القمح على رؤوس الجبال كي لا يقال أنه جاع طير في بلاد المسلمين.

العام الماضي قلل السودان من قيمة مؤشرات قياس الفقر الصادرة من منظمات أممية باعتبارها مجافية للحقيقة، وأكد وجود جهود مبذولة من الدولة للحد من الفقر، وأكدت حينها وزيرة الضمان الاجتماعي مشاعر الدولب على أهمية دليل قياس الفقر الحضري (ذو التصميم القومي) باعتباره يستند إلى مؤشرات عربية بحتة تساعد في حل كثير من قضايا الفقر (شبكة الشروق). ليس هكذا تورد الإبل، فإن مشاكل الناس لا تحل باعتبار قوميتهم ولا أي انتماءات أخرى، بل باعتبارها مشكلة إنسانية لإنسان له حاجات عضوية إن لم يشبعها حتما يهلك، ولأن المعالجات لا تختلف باختلاف الناس ما دامت قد وضعت لمعالجة الإنسان بوصفه إنسانا، والحق والعدل أن الدولة لو حكمت أفرادا في بريطانيا وآخرين في أفريقيا الوسطى فلا يصح أن تختلف نظرتها لهم البتة، لأن كلاً منهم إنسان يجب أن تقوم الدولة بحل مشاكلهم جميعا دون استثناء أو تمييز.

إن دليل قياس الفقر الحضري عقدت لأجله دورة تدريبية، قيل للتنوير به وتقديمه بصورة علمية، تستهدف مراكز الإحصاء، وممثلين للمجتمع المدني، والمحليات، والولايات، حتى يصبح الدليل واقعاً ملموساً يمكن تطبيقه، ولا يخلو برنامج على فضائية أو إذاعة أو ورشة أو مؤتمر إلا وسردت الوزيرة بإسهاب وتكرار ممل مشروعات حكومتها ذات الوصفة السحرية للتقليل من نسب الفقر؛ وهي صناديق الضمان الاجتماعي، والتمويل الأصغر والصناديق الخيرية وما أسموه القرض الحسن، وغيرها، والحال يراوح مكانه مما يدل على قصور، لا، بل اعوجاج في المعالجات المطروحة التي لم تلامس يوما جذور المشكلة.

بالأمس في الولاية الشمالية دعت الوزيرة الجميع للعمل من أجل التنمية، وقالت إن أصحاب الحاجات في مقدمة عمل مؤسسات وزارتها نصرة للفقراء والضعفاء!! ولا ندري متى يكون ذلك واقعا ملموساً.

وفى السياق نفسه أكد وزير المالية بدر الدين محمود أن كل سياسات وموازنات العام القادم ستكون مناصرة للفقراء بإحداث التغيير الممكن والتحسين المستمر في مستويات المعيشة، وأكد أن السودان قد استوفى المطلوبات الفنية كافة لإعفاء ديونه الخارجية (سونا 1/3/ 2014م).

جميع (السادة) المسؤولين تحدثوا في الورشة عن شيء واحد هو الداء رغم أنهم يتوهمون بأنهم يقدمون الدواء وهو الارتباط بمن هو سبب الفقر والمشاكل؛ الشركاء والمانحون واستيفاء المطلوبات الفنية والقواعد الدولية من حيث تقوية إمكانات المؤسسات وإجراء الإصلاحات المطلوبة هو تماهٍ مع "الروشتّات" التي تقدمها مؤسسات المال الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين) التي لا يهمها فقر الناس بل هي مستعدة للاحتفال على شلالات دمائهم كما يحدث الآن في كل مكان في العالم (أفريقيا الوسطى العراق وأفغانستان...) والقائمة تطول بسبب انتهاج القيم الرأسمالية؛ صانعة الفقر والتي هي أساس التعامل في كل صغيرة وكبيرة، فالنظام الاقتصادي يقوم على تكثير الثروة في أيدي الأغنياء غاضاً الطرف عمدا عن الفقر الناتج من نظامه الضريبي المجحف المعطِّل للمشاريع، إضافة للخصخصة والاحتكار والجمارك، والسودان - مع أنه متعاظم الموارد - فهو دائم الاستدانة الربوية لدرجة أنه ما أن يذكر السودان واقتصاده إلا وتُذكر مديونيته الفلكية؛ التي تزداد كل يوم مما جعلها تتسول الدول الرأسمالية لإعفائها من الديون، والمماطلة من الدول الدائنة بسياسة الجزرة والعصا والتركيع والتنازل لحكومة نسيت أو تناست ما قام به حسني مبارك لرفع الديون عن مصر لكنه قام بدور السمسار الشاطر في حروب الخليج خلال التسعينات، فكان يقبض أولاً ثم يقوم بدوره المطلوب ونتيجة لذلك أعفيت مصر من الديون العسكرية كلها وتبعها إعفاؤها من ديون كانت متراكمة عليها منذ عهد عبد الناصر، ومع ذلك لم يشفع له ذلك يوم قام عليه الشعب في مصر الكنانة، لكن يحدث عندنا العكس حيث تطالب الحكومة بحقهم في إعفاء الديون ودفع حقهم في السمسرة، ونسوا أن الدفع قبل الرفع ينفع دائما، ومن باع بالدَّين مات همًّا وأورث الدفاتر للورثة! ونحن ورثنا بلدا مقسماً مثقلاً بالديون التي لن تنتهي بالتقادم بل تظل كالنخلة تثمر كل عام وجذعها ثابت وفروعها تطاول عنان السماء.

هذا غيض من فيض عن مجافاة الصواب في النظام الاقتصادي الذي لا ينظر إلا للمنفعة الآنية الأنانية؛ ما قاد البلاد إلى حال يرثى لها، فكيف يعالج الفقر ونحن في ظل حكومة تصنع الفقر وتقضي على الفقراء!!

إن معالجة الفقر لا بد أن تستند على عقيدة الإسلام بوصفنا نتعبد الله بذلك ونرجو بركاته فيزيل عنا عنت ومشقة الفقر بأحكام شرعية مباركة. وينظر الإسلام إلى الفقر على أنه عدم إشباع الحاجات الأساسية للفرد إشباعا كاملاً، وقد حدد الشرع هذه الحاجات الأساسية بثلاث حاجات: هي المأكل والملبس والمسكن، وفرض الإسلام العمل على كل قادر لتوفير هذه الحاجات فإن وفرها كان بها، وإن لم يوفرها لنفسه كان واجبًا أن يعينه غيرُه، وقد فصّل الشرع ذلك، فقد أوجبها على الأقارب، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ، وإن لم يكن له أقارب انتقلت النفقة لبيت مال المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: «من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلاًّ فإلينا»، وفي الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وإن لم يفِ بند الزكاة بذلك كان واجب الدولة الإنفاق عليهم من أبواب أخرى، وإن لم توجد فرضت الدولة ضريبة على الأغنياء؛ لأن الشرع قد أوجب على المسلم ذلك وحض على إعانة أخيه قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، ولكن كل هذه الأفكار القاطعة لجذور إخطبوط الفقر لا بد أن تكون متزامنة مع وجود أنظمة الإسلام الأخرى التي بها تكون الدولة، أساسها العقيدة الإسلامية، تشرع للناس منهجا ربانيا، لبنا خالصا سائغا للشاربين فتكفيهم مؤونة ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أولُواْ الأَلْبَابِ، والشيطان يخوف أولياءه بالفقر، فيثير في نفوسهم الحرص والشح والتكالب. والشيطان يأمر بالفحشاء - والفحشاء كل معصية تفحش أي تتجاوز الحد، وإن كانت قد غلبت على نوع معين من المعاصي ولكنها شاملة؛ فالحكم بغير ما أنزل الله ومحاباة الكفار وأخذ تشريعاتهم والانصياع لأوامرهم، والبعد عن منهج الله وعدله، فُحشٌ عظيم. وخوف الفقر؛ كأن يدعو القوم في جاهليتهم لوأد البنات وهو فاحشة، والحرص على جمع الثروة؛ كأن يؤدي ببعضهم إلى أكل الربا هو فاحشة، وهل تركنا للجاهلية سمة؟ على أن خوف الفقر بسبب الإنفاق في سبيل الله في ذاته فاحشة سواء أكان من الفرد أم من الدولة اثنين لا ثالث لهما، هنا تظهر حقيقة جلية كالشمس في رابعة النهار أنّ أمام الناس طريق الله وطريق الشيطان؛ أن يستمع إلى وعد الله أو أن يستمع إلى وعد الشيطان. ومن لا يسير في طريق الله سبحانه ويسمع وعده فهو سائر في طريق الشيطان ومتّبعٌ وعْدَه، ليس هنالك إلا منهج واحد هو الحق؛ المنهج الذي شرعه الله، وما عداه فهو للشيطان ومن الشيطان.

هذه الحقيقة يقررها القرآن الكريم ويكررها ويؤكدها بكل مؤكد؛ كي لا تبقى حجة لمن يريد أن ينحرف عن منهج الله ثم يدعي الهدى والصواب في أي باب. ليست هناك شبهة ولا غشاوة؛ الله أو الشيطان؛ منهج الله أو منهج الشيطان، طريق الله أو طريق الشيطان، ولْيختَرْ ما يشاء ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ لا شبهة ولا غبش ولا غشاوة وإنما هو الهدى أو الضلال، وهو الحق واحد لا يتعدد، فماذا بعد الحق إلا الضلال!

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أم أواب غادة عبد الجبار

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر