October 23, 2014

رد على مقال دولة الخلافة (1) المنشور في صحيفة المدينة


السيد رئيس تحرير صحيفة المدينة المحترم...


تحية طيبة وبعد...


الرجاء نشر هذا الرد على مقال الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد والذي نشر في صحيفتكم الغراء بتاريخ 2014/10/14م.


هذا المقال ما جاء إلا ليرد على بعض ما يتسع له الرد المختصر من مغالطات الحقائق التي وردت، وترتيب الرد هنا سوف يكون بحسب تسلسل ورود الأفكار في المقال:


أولا: إنه لمن العجب العجاب أن تذكر فكرة الخلافة ويذكر معها مساندة أمريكا أو كيان يهود أو حتى أن تعمل إحداهما على شكل متوافق مع من يعمل على هذه الفكرة، فكرة الخلافة التي كانت أمريكا ومنذ زمان ليس بالبعيد تدفع الجزية لها وما ظهرت على الساحة الدولية إلا بعد هدمها، دولة الخلافة التي فتحت فلسطين من قبل وهي التي ستحررها من بعد، فهي الوحيدة التي ستزيل النفوذ الأمريكي والكيان "الإسرائيلي" من أرض المسلمين كما أزالت ملك كسرى وهرقل، وإن قادة أمريكا ويهود وقوى الغرب كافة ليعلمون علم اليقين أن عودة الخلافة تعني زوالهم، لذلك هم يستبقون قيامها بإحكام نفوذهم في بلاد المسلمين وبالتدخل المباشر في بلادهم، والشواهد على ذلك كثيرة من أفواههم تنطق بها شفاههم وترسم الخطط أياديهم وتنشغل عقولهم بالتفكير بخطرها عليهم صباح مساء وإليك بعض الشواهد لا كلها فهي أكثر من أن تذكر ها هنا:


• في 2006/9/5م قال جورج بوش وهو يتحدث عنِ الخـلافة: «إنَّهم يسعَوْنَ إلى إقامة دولتِهِمُ الفاضلةِ الخـلافة الإسلامية، حيثُ يُحكَمُ الجميعُ من خلال هذه الأيديولوجية البغيضةِ ويشتملُ نظامُ الخـلافة على جميعِ الأراضي الإسلاميةِ الحالية» وتصريحات الساسة الأمريكيين في ذلك كثيرة، وقد جاء في جريدة "مليات" التركية في 2005/12/13م نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز: "إن أصحاب الصلاحية في إدارة بوش باتوا يتداولون كلمة "الخـلافة" في الآونة الأخيرة "كالعلكة." من كثرة حديثهم عنها. وأما مراكز الأبحاث الأمريكية والتي تعمل على تزويد الحكومة الأمريكية بالمعلومات لرسم الخطط كمعهد راند ونكسون وغيرها فكانت مجمعة على خطر فكرة الخلافة والخطر الفكري والسياسي الذي يشكله العاملون لهذه الفكرة ويمكن الرجوع إلى دراساتهم من مصادرها بشكل تفصيلي.


• في السياق نفسه كانت بريطانيا على نفس الخُطا فقد اختار رئيس الوزراء البريطاني السابق "توني بلير" أن يكون أكثر وضوحا حينما تحدّث أمام المؤتمر العام لحزب العمّال في 2005/7/16م، قائلا: "إنّنا نجابه حركة تسعى إلى إزالة دولة إسرائيل، وإلى إخراج الغرب من العالم الإسلاميّ، وإلى إقامة دولة إسلاميّة واحدة تحكّم الشريعة في العالم الإسلاميّ، عن طريق إقامة الخلافة لكلّ الأمّة الإسلاميّة". وقال وزير داخلية بريطانيا تشارلز كلارك: "لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات حول إعادة دولة الخلافة ولا نقاش حول تطبيق الشريعة".


وبمثل ذلك صرح بوتن وساركوزي والاستخبارات الألمانية وغيرهم، والتصريحات والمقولات والدراسات كثيرة جدا يمكن البحث عنها والاطلاع عليها.


ثانيا: قرأت البحث في تخريج إسناد ومتن حديث الخلافة - حديث الأمراء - وهو ما لن نتعرض له من ناحية علم الحديث التفصيلية في الرد ها هنا رغم تصحيح الحديث من عدد من المحدثين المعتبرين المتقدمين والمتأخرين مثل الإمام أحمد والعراقي والهيثمي والألباني. ولكن ما سوف يكون الفصل في ذلك هو البحث في أسانيد الأحاديث الكثيرة التي وردت في ذكر الخلافة ونظامها وطريقة تعيين الخليفة وطريقة الحكم في دولة الخلافة. فهل يمكن الرجوع إلى أسانيد وأمتان هذه الأحاديث:


1. روى مسلم عن أبي حمزة قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء يكثرون»، قالوا فما تأمرنا قال: «فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عمن استرعاهم» متفق عليه. فهذا دليل على أن نظام الحكم بعد النبوة هو الخلافة الراشدة والتي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعدها بطاعة الخلفاء وأن نوفي ببيعتهم الأول فالأول.


2. عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» رواه مسلم. وهو دليل على أن لا يكون على المسلمين خليفتان فكيف بأكثر. وهذه هي وحدة الخلافة.


3. وروي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» رواه الشيخان، وجاء في مسلم عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أمر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله وسنته فاسمعوا وأطيعوا».


4. وروي عن مسلم عن طريق نافع قال: قال ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» والبيعة لا تكون إلا للخليفة ليس غير.


5. وروى مسلم عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به». فهذا حديث فيه وصف للخليفة بأنه جنة أي وقاية وهو إخبار من الرسول عليه الصلاة والسلام عن فوائد وجود الخليفة فهو طلب فعل، وتركه يترتب عليه تضييع إقامة الحكم الشرعي وعليه فهو طلب جازم.


6. وروى البخاري عن عبد الله بن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من كره من أميره شيئا فليصبر عليه فإنه ليس من أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية». وفيه تحريم الخروج على السلطان الحاكم بشرع الله وهذا يعني وجوب إقامة السلطان.


7. وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» فالأمر بطاعة الإمام أمر بإقامته، والأمر بقتال من نازعه قرينة على الجزم في دوام إيجاده خليفة واحدا.


8. أما إجماع الصحابة فقد بقي الرسول صلى الله عليه وسلم مسجى في بيته ليلتين بعد موته وخلى أهله بينه وبين الناس الأبواب والصحابة منشغل أكثرهم في أمر من يخلف المسلمين من بعده وكتب السيرة متفقة على ذلك.


هذه بعض الأدلة التي جاءت على ذكر الخلافة أو الإمامة أو الإمارة وكلها بمعنى واحد، وأقوال العلماء في وجوب إقامة خليفة واحد يحكم المسلمين جميعا أكثر بكثير من أن تذكر هنا، ويكفيك ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ حيث قال: "هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه" وقد قرر الجزيري في (الفقه على الأئمة الأربعة) ما نصه:

"اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أن الإمامة فرض وأنه لا بد للمسلمين من إمام يقيم شعائر الدين وينصف المظلومين من الظالمين وعلى أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان لا متفقان ولا مفترقان"..


ثالثا: لقد بحثت في مقالتك في موضوع البيعة والاستخلاف من بعد الرسول وقد ظهر على بحثك الطابع التاريخي لا الشرعي في المسألة رغم أنها مسألة شرعية يرجع فيها إلى أدلتها الشرعية التفصيلية. وقد ظهر من خلال البحث الخلط الواضح بين عدة مواضيع ومنها بحث نظام الخلافة من حيث هو حكم شرعي وطريقة البيعة للخليفة من حيث إنها حكم شرعي آخر، وأيضا الحقائق التاريخية من حيث إنها ليست مصدرا للتشريع، وأفعال الصحابة من حيث إنها أحكام شرعية منبثقة عن الكتاب والسنة. ومعلوم أن كون أحد الخلفاء في أحد العصور قام بأمر لا يعني بأنه حكم شرعي يأخذ به بقية المسلمين رغم أن المسألة عند الوقوف على مسألة الصحابة يجب دراستها على أن إجماعهم هو دليل شرعي كما حصل في أمر السقيفة عند إجماعهم على إنكار أمر من عرض أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير وإجماعهم على أن يكون عليهم أمير واحد يحكمهم بشرع ربهم وسنة نبيهم كما أن القصة ذاتها لا تصلح كدليل على أن نظام الخلافة باطل لأنها ذكرت بلفظ أمير. فالخلافة والإمامة والإمارة كلها بمعنى واحد وردت النصوص الشرعية على ذكرها جميعا لتفيد نفس المعنى وهو ما كان مجمعاً عليه كل الصحابة في السقيفة وبعدها وهو أن يحكمهم خليفة واحد يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم المسلمين كافة.


وأما ما روي أن أبا بكر استخلف عمر، وأن عمر استخلف الستة، وأن الصحابة سكتوا ولم ينكروا ذلك فكان سكوتهم إجماعاً، فإن ذلك لا يدل على جواز الاستخلاف أي العهد. وذلك لأن أبا بكر لم يستخلف خليفة وإنما استشار المسلمين فيمن يكون خليفة لهم فرشح علياً وعمر. ثم إن المسلمين خلال ثلاثة أشهر في حياة أبي بكر اختاروا عمر بأكثريتهم، ثم بعد وفاة أبي بكر جاء الناس وبايعوا عمر، وحينئذ انعقدت الخلافة لعمر فبيعة الناس لبقية الخلفاء الأربعة هي التي انعقد بها أمر خلافتهم فلم تكن استخلافاً أو عهداً.


أما التفصيلات العملية لإجراء هذه البيعة، فإنها ظاهرة في نصب الخلفاء الأربعة الذين جاءوا عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، وقد سكت عنها جميع الصحابة وأقروها مع أنها مما ينكر لو كانت مخالفة للشرع، لأنها تتعلق بأهم شيء يتوقف عليه كيان المسلمين، وبقاء الحكم بالإسلام وفي جميع مبايعاتهم لم تنعقد لهم الخلافة إلا بعد أن رضي الناس عنهم وبايعوهم.


رابعا: إن إنكار وجود نظام الحكم بالخلافة لهو المغالطة الحقيقية للشرع والتاريخ، وهنا نسأل الأسئلة التالية: من أين جاء الخلفاء الراشدون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنظام للحكم؟ أمن عند أنفسهم أم من تاريخ من سبقهم؟ وكيف حكم الخلفاء المهديون في ظل دولة الخلافة عبر العصور حينما حكموا بالعدل والإحسان؟ وكيف صار المسلمون الدولة الأولى بين الدول وظلوا على هذه المرتبة حتى هدمت دولة الخلافة فصاروا في ذيل الأمم؟


وإن ما يجب الإشارة إليه ها هنا أن ما تطالب به الأمة والعاملون لإقامة الخلافة هو نظام الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة والتي تحكم بشرع ربها كما أمرها لا كما حصل في بعض العصور الإسلامية من إساءة التطبيق لأحكام الإسلام وأن مصدر ذلك كله الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس الشرعي فلا مرجع للمسلمين بفعل زيد أو عبيد إنما المرجع هو ما أمرنا به ربنا فقط.


خامسا: في ختام مقالتك سألتِ عن مكان وجود نظام الخلافة في الإسلام والسؤال يحمل الجواب. فهي في الإسلام كما الصلاة والصيام والزكاة والحج والنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والسياسة الخارجية والسياسة التعليمية وجميع نواحي الحياة. وقد بين حزب التحرير في كتبه المنبثقة عن العقيدة الإسلامية كل التفاصيل اللازمة لفهم كيفية إقامة الدولة وكيفية الحكم فيها وتفصيلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسطر دستورا شاملا لكل جوانب دولة الخلافة المنتظرة؛ كل مواده مستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع صحابته، وكتبه وآراؤه على موقعه الإلكتروني (حزب التحرير المكتب الإعلامي) في متناول الجميع يمكن لكل من أراد الحق أو الإنصاف الرجوع إليها عندما يريد الحديث عن الخلافة.. فهو إذن لا يسير في خط متواز مع ما تريده القوى الغربية، ولا يستخدم حلولا ترقيعية مع نظمهم الرأسمالية ولا يحمل السلاح لإقامة الخلافة اقتداء بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في إقامة الدولة، ولا يعمل على تقسيم بلاد المسلمين، بل يعمل بطريقة شرعية مستنبطة من السيرة النبوية لاقتلاع كل نفوذ القوى الغربية بكل جذورها من بلاد المسلمين كافة وتوحيدها كلها في دولة واحدة أنشأها ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها من بعده، دولة واحدة لا راية فيها إلا راية الإسلام ولا كلمة فيها إلا لأحكامه..


وفي النهاية أتمنى أن يكون مقال (دولة الخلافة 2) مصححا لما جاء في (دولة الخلافة 1) تثبت فيها الكاتبة رجوعها إلى الحق بعدما تبين، كما أرجو من إدارة صحيفة المدينة الكرام نشر هذا الرد في نفس الزاوية التي نشر فيها المقال من باب المهنية الإعلامية، واستجابة لأمر الله سبحانه

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰۖ وَاتَّقُوا اللَّهَۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾..

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ماجد الصالح - بلاد الحرمين الشريفين

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر