June 18, 2010

قانتات حافظات -ح2

صفاتٌ اقترنتْ مع بعضهِا البعض في أكثرِ مِن موقعٍ فيالقرآنِ الكريم،جاءت لتحققِ طُهرَ الجماعةِ الإسلاميةِ وإقامةِ حياتِها على القيم التي جاء بها الإسلام
قال تعالى : "فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌلِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ" ( النساء 34)
وقال أيضا " إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِوَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَوَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَوَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْوَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُلَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" ( الأحزاب35)
جاء في تفسير الطبري في قولهِ تعالى " إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ..."حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَعْمَر , قَالَ : ثنا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن حَكِيم , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَيْبَة , قَالَ : سَمِعْت أُمّ سَلَمَةَ زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُول : قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّه , مَا لَنَا لَا نُذْكَر فِي الْقُرْآن كَمَا يُذْكَر الرِّجَال ؟ قَالَتْ : فَلَمْ يَرُعْنِي ذَاتَ يَوْم ظُهْرًا إِلَّا نِدَاؤُهُ عَلَى الْمِنْبَر وَأَنَا أُسَرِّح رَأْسِي , فَلَفَفْت شَعْرِي ثُمَّ خَرَجْت إِلَى حُجْرَة مِنْ حُجَرهنَّ , فَجَعَلْت سَمْعِي عِنْدَ الْجَرِيد , فَإِذَا هُوَ يَقُول عَلَى الْمِنْبَر : " يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ اللَّهَ يَقُول فِي كِتَابه : " إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات" . . . . إِلَى قَوْله :" أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْرًا عَظِيمًا"


صفاتٌ وصفَ بها اللهُ تعالى النساء،وليست كل امرأةٍ صالحةً حافظةً قانتة. مع العلمِِ أنّ كلَ امرأةٍ مسلمةٍ يجب أن تكون كذلك. كيف لاتكونُ والإسلام يعني الاستسلامَ والانصياع لأوامر الله سبحانه وتعالى

فمن طبيعةِ المؤمنة الصلاح ، ومن صفاتِها الملازمةِ لها ، بحكم إيمانها

فالصلاح يعني الإستقامةَ ويعني أيضاً الخلو من العيبِ والفسادِ

قال الطبري في تفسيرِ قوله تعالى " فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ" ( النساء 34)

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى :" فَالصَّالِحَات " يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَالصَّالِحَات } الْمُسْتَقِيمَات الدِّين , الْعَامِلَات بِالْخَيْرِ

ومن صفاتِ المؤمنة الصالحة الملازمة لها - بحكم إيمانها وصلاحها - أن تكونَ قانتةً، مطيعةً.

والقنوتُ طاعةٌ عن إرادةٍ وتوجهٍ ورغبةٍ مُحبةٍ لا عن قسْرٍ وإرغامٍ وتفلتْ . ولو نظرنا الى النصِ القرآني حيث قال اللهُ تعالى : " قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ " ولم يقلْ طائعاتْ، ذلك أنّ مدلولَ اللفظِ الأولِ نفسي، وظلالَه رَخيةٌ ندية مما يليقُ بالسكنِ والمودةِ والسترِ والصيانةِ والحفظِ ....
جاء في (المغني):-القَانِتُ:- القائمُبالطاعةِ للهِ، الدائمُ عليها

فالمرأةُ القانتةُ هي تلكالمرأةُ القائمةُ بالطاعةِ المتعبدةُ والمطيعةُ للهِ سبحانه وتعالى.

وجاءَ أيضاً معنى القنوتِ في تفسيرِ قولِه تعالى " فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ" للطبري

وَقَوْله : { قَانِتَات } يَعْنِي : مُطِيعَات لِلَّهِ وَلِأَزْوَاجِهِنَّ

أما الحافظاتْ هيمن الفعل حَفِظَ والحافظ هو القيّم على الشيء ويقال لمن وعى القران عن ظهر قلب بأنهحافظٌ للقران،اي وعاه

والحفظ هو صيانة الشيء وحراسُتُه. وقدطلب الله من المرأة حفظَ فرجها بقوله تعالى: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْأَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.

وأما قوله:"حافظاتٌ للغيب"، فإنه يعني: حافظاتٌ لأنفسهن عند غيْبة أزواجهن عنهُنّ في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهن من حق الله في ذلك وغيره. بل وحافظةٌ لصلتها بينها وبين خالقها الذي أمرها بعبادته والانصياعِ لأمره حافظةٌ للواجبِ عليها من حق الله....

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر النِّسَاء الَّتِي إِذَا نَظَرْت إِلَيْهَا سَرَّتْك وَإِذَا أَمَرْتهَا أَطَاعَتْك وَإِذَا غِبْت عَنْهَا حَفِظَتْك فِي نَفْسِهَا وَمَالِك )

وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمَر : ( أَلَا أُخْبِرُك بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُهُ الْمَرْءُ الْمَرْأَة الصَّالِحَة إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ

وهناك أيضاً الكثير الكثير من الصفات التي جاءت بها الآية الكريمة ، من صدقٍ وصبرٍ وخشوعٍ وتصدقٍ وصومٍ وحفظِ فرجٍ وذكر لله..ولكل منها قيمته في بناء الشخصية المسلمة .

 تلك الصفات التي طولب بها المسلمُ والمسلمةُ على حد السواء حيث ذُكِرت المرأة في الآية على جانب الرجل لرفع قيمة المرأة وترقية نظرة المجتمع إليها وإعطائها مكانَها الى جانب الرجل .

ومن الصفات التي يجب أن تتصف بها المرأة أيضاً ما جاء في قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " ( الممتحنة12)

في هذه الأية وضع الله سبحانه وتعالى الأسس والمقومات الكبرى، إنها عدم الشرك بالله إطلاقاً وعدمُ إتيانِ الحدود ... السرقة والزنا... وعدم قتل الأولاد ( إشارة الى ما كان يجري أيام الجاهلية من وأد البنات كما انه يشمل قتل الأجنة لسبب من الأسباب ... وهن أميناتٌ على ما في بطونهن ... ولا يُلحقن بإزواجهنَ غيرَ أولادهِن كنايةً عن عدم الزنا. والشرط الأخير في الآية هو الوعد بطاعة الله ورسوله في كل ما يؤمَرْنَ به وهو لا يأمر إلا بمعروف .

والروايةالمشهورة في كتب السيرة جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بايِعنَني علىألا تشركن بالله شيئاً)، فقالت (هندٌ بنتُ عتبة): (والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذهعلى الرجال)، فقال صلى الله عليه وسلم : (ولا تسرقن)، فقالت: أما إني والله كنت آخذمن مال أبي سفيان الهنّة بعد الهنّة، فما أدري أكان ذلك حلالاً، أم لا؟ فقال أبوسفيان: ما أصبت قبل ذلك فقد عفا الله عنك، فعرفها النبي صلى الله عليه وسلم فقاللها: (أنت هند بنت عتبة؟)، قالت: نعم، اعفُ عفا الله عنك... فقال صلى الله عليهوسلم: (ولا تزنين)، فوضعت (هند) يدَهَا على رأسها، وقالت: أوَتزني الحرة؟! فقال صلىالله عليه وسلم: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديهن وأرجلهن، فقالت: والله إنالإتيان بالبهتان لقبيح، ثم قال: (ولا تعصين في معروف)، ثم قال النبي صلى الله عليهوسلم: (يا عمر، بايعهن، واستغفر لهنَّ الله.. إن الله غفور رحيم...

هذه إذَنْ صفاتُ المرأة المسلمة القانتة الحافظة، لا تسرق ولا تزني ولا تأتي ببهتانٍ طائعةٌ لله ورسوله بكل ما آتاها به مجتنبةً كلَ ما نهاها الله عنه .

هذه هي الصالحة القانتة الحافظة ، وتلك هي صفاتها ، والتي لو اتصفت بها كانت شخصيةً إسلاميةً متميزة .

بالعفاف تحصنَتْ، شامخةً زمنَ الانكسار، شمعةً في وقت الظلام، صابرة محتسبة عند الابتلاء ، فهي معدنُ الطهر الثمين دُرةٌ بالحق غراء الجبين حاملة الراية مؤدية الأمانة .

فخرٌ لكلّ المسلماتِ على المدى = مثلُ الأُلاتِ الصّاحبات نبيّهِن

الدّاعياتالصّائمات نهارهنْ = الذّاكرات القانتات بليلِهِنْ

الحافظات عُرى الرّجالبظهرهِمْ = الطّاهرات الزّاكيات بفعلهنْ

الصّائنات جمالهنّ بعِفّةٍ = والعارفات الرّاقيات بفكرهِنْ

الخاضعات تبعّلاً لرجالهنْ = متحجّبات دائماًبخروجهِنْ

الأُمّهات الرّاعيات لوِلدهِن = وفق الشّريعةِ باذلاتوسعهِنْ

الصّابرات على النّوائبِ تارةً = والكاظمات لغيظهِنّبعفوهِنْ

الفاتحات بيوتهنّ لدعوةٍ = جمَعَتْ دروسَ الفكرِ منْإكرامهنْ

النّاشدات خلافةٍ يعلو بها = حكمُ الإلهِ على الجميعِبأرضِهِنْ

والرّاغبات ببيعةٍ لخليفةٍ = يُعلي النّساءَ مكانةًبخِمارهِنْ

وبجُهدِهِنّ وبذلِهِنّ لدولةٍ = عزّتْ وعزّ لواؤهابجهادِهِنْ

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.