January 07, 2014

نقض المادة الأولى من الدستور التونسي ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون﴾

بي بي سي عربي: بدأ البرلمان التونسي التصويت على الدستور الجديد لوضع البلاد على مسار الديمقراطية بعد ثلاثة أعوام من الثورة التي بدأت الربيع العربي. وقال مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان مع بدء التصويت "إننا الآن في الساعة الحاسمة من عملية طويلة تهدف لإقامة دولة ديمقراطية".


وتنص المادة الأولى من مسودة الدستور على أن تونس "دولة حرة مستقلة ذات سيادة والإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها، لا يجوز تعديل هذا الفصل."


باستعراض المادة الأولى والمُصَادَق عليها في الدستور التونسي باعتبارها مادة أصلية وأساسية لا يجوز تعديلها ولا فصلها منذ إقرارها سنة 1959، نُدرك وبوضوح مخالفة هذه المادة للإسلام من جهة وللواقع من جهة أخرى، مخالفة صارخة، ونقف على أبرز المفاصل فيها:


تونس / دولة حُرّة:


جاء في تعريف تونس أنها دولة تقع في شمال أفريقيا يحُدّها من الشمال والشرق البحر الأبيض المتوسّط ومن الجنوب الشرقي ليبيا ومن الغرب الجزائر، فهل هذا التعريف لتونس هو تحديد جغرافي طبيعي أم تاريخي أم استعماري؟؟


المعلوم أن توزيع الدول وتحديد جغرافيتها لا تتحكم فيه العوامل الطبيعية وهو يتعلق بتحديد الحدود حسب التضاريس كالجبال والأنهار.. وتونس مثلا أرض تقع ضمن قارة كاملة، وحدودها تتحكّم فيه عوامل سياسية أو تاريخية..


أما عبر التاريخ فلم تكن تونس بهذا التحديد الجغرافي، فقد عُرفَت في التاريخ القديم بمدينة قرطاج وبعض المدن الساحلية، ولمّا كان الفتح الإسلامي، اعتنقت بلاد المغرب الإسلام ومن ضمنها تونس وتأسست مدينة القيروان لتكون أول مدينة إسلامية في شمال أفريقيا.. ووقع من بعد ضمّ كل هذه المدن إلى الدولة الإسلامية واعتبارها جزءا من الدولة لا حدود بينها ولا سدود ولا فرق بين منطقة وأخرى..


فهذه الحدود السياسية لتونس هي خطوط وهمية مرتبطة في نشأتها بالقوى الاستعمارية حيث رُسمت هذه الحدود بالتعاقد مع الدول الاستعمارية دون الاستناد لأي عامل طبيعي أو تاريخي، بل إن تحديد تونس بهذا النحو جاء ضمن تفكيك البلاد الإسلامية وتقسيمها إلى دويلات متفرقة ليسهل التحكم فيها واستغلالها.


من هنا كانت الحدود التونسية صنيعة استعمارية بامتياز، فكيف لدولة أن تحقق ذاتها وتمارس سيادتها وهي قائمة على حدود وهمية تمّ رسمها كخطوط متصلة أو مُقَطعة على الخرائط وفق خطة استعمارية لقوى متنفذة؟؟ وكيف لها أن تحقق معنى الدولة أصلا؟؟


دولة حرة


بالعودة إلى نصوص الشرع الإسلامي نجد أن لفظ الحرية يُستَعمل في مقابل العبودية. أمّا إذا تُركت الحرية على إطلاقها فهي تؤدي إلى الفوضى والانفلات، ولا يُمكن بأيّ حال من الأحوال وصف الدولة بلفظ حرة باعتبار أن الدولة هي كيان تنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تحملها أي أمة من الأمم.


ومن وجهة نظر الإسلام فالدولة "مُقيَّدة" في شكلها ومضمونها بأحكام الشرع، وأنظمتها منبثقة من العقيدة الإسلامية، والحاكم فيها يُحَاسَب على تقصيره أو إهماله في تطبيق الإسلام، فلا يمكن أن تكون الدولة حُرّة.


أما إن كان المقصود بالدولة الحُرّة أي صاحبة القرار والاختيار، فالمعلوم "بداهة" أن تونس تخضع في سياستها إلى السيطرة الأجنبية، هذه السياسة الناشئة على دبابات الاستعمار والتي سلَبت الدولة حقها في الاختيار والقرار باعتبارها دولة وصاية تحتاج لمن يقوم عليها ويُسيّرها.. فلا الشعب فيها يختار ولا الحكومة فيها تُقرّر، وإنما هو استعباد سياسي تعيشه تونس منذ عقود طويلة، ولم تتحرّر منه إلى الآن.


فلا يصلح أن نطلق على تونس دولة حرة، فلا العقل يقبله ولا الشرع يرضاه..


تونس دولة مستقلة ذات سيادة


إن الاستقلال في معناه هو تحرّر الشعب من الاحتلال بكل أشكاله - الاحتلال المادي والاقتصادي والثقافي... -


وتونس في تاريخها القديم "قرطاج" الذي يتفاخر به البعض كانت مستعمَرة فينيقية أسسها مستعمرون من مدينة صور باعتبارها مركزا تجاريا وملاحيا مهمّا.. وبعد حروب من أجل الاستقلال، دُمّرَت قرطاج وأصبحت مُستَعمرة رومانية..


والدولة المستقلة ذات السيادة هي الدولة التي لا تخضع لأي نفوذ أجنبي يستغلّها ويُوظُفها وينهب ثرواتها ويتحكّم في شأنها الداخلي والخارجي. والمعلوم أن تونس لا زالت ترزح تحت وطأة الاستعمار الأوروبي اقتصاديا وسياسيا. فدولة لا تملك الحق في التمتع بثروتها أو بالتصنيع أو رعاية شؤون الناس لا يمكن اعتبارها دولة مستقلّة.


من هنا لا يصلح أن نصف تونس اليوم بالدولة المستقلة على إثر الاحتلال الفرنسي وانتصابه في تونس منذ سنة 1881م، حتى إن البلاد التونسية لم تتحصّل على وثيقة استقلالها المؤرّخة من حزيران/يونيو 1955، ممّا دعا رئاسة الحكومة بأن تتقدم بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2012 بمطلب استعجالي للإذن لرئيس الحكومة بتمكينه من نسخة مادية من وثيقة الاستقلال للبلاد التونسية.. لأن القانون يعتبر الاستقلال منقوصا على هذا النحو.


ثم إن كون الدولة ذات سيادة مرتبطٌ بوضع الدولة في النظام الدولي وشأنها في الخارج وتصرفها ككيان مستقل، وقدرتها بأن تسود وتأخذ بزمام الأمور.. وهذا لا ينطبق على تونس لأن المشهد السياسي فيها يُبيّن وبوضوح خضوعها لأجندات أجنبية وأيادٍ خارجيّة تحدد شأنها الداخلي والخارجي.


ولا يمكن اعتبار تونس مُحرّرة إلا إبان الفتح الإسلامي الذي صهرها مع باقي البلاد الإسلامية واعتبرها جزءا من الأمة، ولم تكُن تونس مفصولة أو مبتورة عنها، بل كانت تابعة في هويّتها وثقافتها وأنظمتها للدولة الإسلامية الممتدّة شرقا وغربا.. ويقضي نظام الحكم في الإسلام بالوحدة بين أجزاء الدولة، والقضاء على العرقية والعنصرية، فصارت تونس تستظلّ براية الدولة الإسلامية وتنتمي إلى حضارة عريقة وعظيمة هي الحضارة الإسلامية.. وأما سيادتها فمن سيادة الدولة الإسلامية التي كانت سيّدة العالم لقرون من الزمان.


دولة دينها الإسلام:


إن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للناس لتنظيم علاقاتهم، ومعالجة مشاكلهم، فهو لا يقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بربه، بل يتعدى ذلك إلى تنظيم جميع علاقات الإنسان، من علاقته بربه، وعلاقته بنفسه وعلاقته بغيره.. فالإسلام هو دين يُنظّم شأن الفرد والجماعة والدولة، وليس مجرّد طقوس تُمَارس من قبل الأفراد.. كما أنه ليس دينا كهنوتيا لا يتعدّى العبادات الفردية، بل هو عقيدة انبثق عنها نظام سياسي واقتصادي واجتماعي.. وتقوم الدولة بتطبيقه على الناس.


والمعلوم أن دولة تونس لا تحكم بالإسلام في شؤون الناس بل هي تستميت على فصله عن الدولة وتعتبره شأنًا فرديًّا لا يصلح أن يتدخّل في السياسة والمجتمع.. ثم إن التديّن على هذا النحو هو مظهر فردي فلا يمكن وصف الدولة بالمتديّنة لأن الدولة هي الجهاز السياسي والإداري والقانوني الذي يُنظم الحياة داخل المجتمع..


وإن كان المقصود أنّ أغلب الشعب في تونس يعتنق الإسلام فهذا أمر متعلّق بالأفراد وليس متعلقا بالدولة لأن الدولة في حقيقتها كيان تنفيذي يضمّ أجهزة تعمل فيما بينها على تنفيذ النظام.


وتأتي المسألة أكثر وضوحا في المادة نفسها لتُبيّن أن نظام الدولة في تونس جمهوري:


ويعني هذا أن السيادة والسلطان للشعب، ينوبه فيها رئيس الدولة ووزراؤه في النظام الجمهوري الرئاسي أو مجلس الوزراء في النظام الجمهوري البرلماني. وقد ارتأى القائمون على الدستور الجديد التقليص من صلاحيات رئيس الجمهورية لحساب رئيس البرلمان ورئيس الحكومة، بما يمكّن تونس من نظام مزدوج رئاسي برلماني..


وهذه مخالفة صارخة لنظرة الإسلام في الحكم، فالتشريع ليس للشعب ولا رئيس الدولة ولا البرلمان، وجعل التشريع للبشر هو جريمة كبرى في الإسلام.. فالسيادة المطلقة للشرع وليس من حق رئيس الدولة أو غيره التحليل والتحريم، أو التحسين والتقبيح..


كما أن الحكم في الإسلام ليس عن طريق مجلس وزراء ووزراء لهم اختصاصات وصلاحيات وميزانيات منفصلة عن بعضها، قد تزيد هذه وتنقص تلك، فلا ينقل الفائض من هذه إلى تلك إلا بإجراءات كثيرة مطوَّلة، ما يسبب تعقيداتٍ في حل مصالح الناس؛ لتداخل عدة وزارات في المصلحة الواحدة، بدل أن تكون مصالح الناس ضمن جهاز إداري واحد يجمعها. ففي النظام الجمهوري يجزَّأ الحكم بين الوزارات، ويجمعها مجلس وزراء يملك الحكم بشكل (جماعي). وفي الإسلام لا يوجد مجلس وزراء بيده الحكم بمجموعه (على الشكل الديمقراطي)، بل إن رئيس الدولة هو الذي تختاره الأمة ليحكمها بكتاب الله وسنة رسوله، ورئيس الدولة يعين له معاونين (وزراء تفويض) يعاونونه في تحمل أعباء الخلافة، فهم وزراء بالمعنى اللغوي، أي معاونون للرئيس فيما يُعَيِّنُهم له.


دولة لغتها العربية


ويعني ذلك أن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية والمعتمدة في كتابة القوانين والمجالس الحكومية والمناسبات أو الزيارات الرسمية والاتفاقيات والمعاهدات الدولية واعتماد هذه اللغة في سياسة التعليم.


والمعلوم أن تونس حينما تُمَثَّل في الخارج، لا تلتزم دائما باعتماد اللغة العربية، فكم من مرة يظهر رئيس الدولة في مناسبات رسمية يتحدث بلغة أجنبية حتى لا يظهر في موقف الجاهل الناقص!


ثم إن النص على أن اللغة العربية هي لغة الدولة لم يمنع من انتشار التعليم مثلا باللغات الأجنبية، واعتبار اللغة العربية مادة كباقي المواد لا يتم تركيزها داخل الدولة مما يدلل على أن عبارة "العربية لغة الدولة" لا تعبر بدقة عن الواقع، بل تساق على سبيل المجاز أو التعبير الخيالي.


إن هذه المادة الأولى من الدستور التونسي هي فاتحة كذب وتضليل، والسؤال الذي يجب أن يُسأل في هذا المقام: من أين يستمدّ هذا الدستور شرعيته؟ من الوحي أي الكتاب والسنة أم من جهة أخرى؟


والواضح من أول مادة دستورية بأنه يستمدّ شرعيته من البشر وليس من كتاب الله وسنته، وهذا ضلال وأي ضلال، لأن التحاكم إلى دستور لا يستمدّ شرعيته من كتاب الله وسنة رسوله هو تحاكم إلى الطاغوت، والواجب هو الحكم بما أنزل الله الذي يُلزم الشعوب ورؤساء الشعوب للخضوع لأحكامه، ففي الإسلام واجبات ومحرّمات، ومندوبات ومكروهات، ومباحات، كل ذلك تُبيّنه أحكام شرعية وجب العمل بها في الحياة الدنيا ويحرم تعطيلها أو تأجيلها أو العمل بغيرها لأنه فيه افتراء على تشريع الله وتطاول على حكمه وهذا حوب كبير..


لقد عرض حزب التحرير على الأمة الإسلامية مشروع دستور مأخوذ من العقيدة الإسلامية ولا شيء غير العقيدة الإسلامية، وطرحه بين يدي الأمة وحثّها على تبنيّه وتجاهل كل الدساتير الوضعية بوصفها من وضع البشر وليست وحيا من عند الله.. فهل يستوي الخبيث والطيب؟؟


إن هذه المواد الدستورية التي اجتمع عليها 217 نائبا لمدة ثلاث سنوات، ليُسخّروا طاقاتهم وأوقاتهم ويبذلوا الوسع والجهد في تقنين أهوائهم هو عمل فاشل وقد ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا..


ثمّ إن كل هذا الجهد المبذول، يسهل هدمه ونقضه لأنه كبيت العنكبوت، واهن وضعيف.. إذ لا يقي ساكنه حرّاً ولا قرّاً ولا يدفع عنه عدواً، كما أنه مصيدة وشرَك حيث يظن الناس بأنه الأمان..


يقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 41]

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نسرين بوظافري

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر