September 17, 2010

نفائس الثمرات-مثل أهل الدنيا

مثل أهل الدنيا واشتغالهم بأشغالهم واهتمامهم بأحوالها ونسيانالآخرة وإهمالها كمثل قوم ركبوا مركباً في البحر فعدلوا إلى جزيرة لأجل الطهارةوقضاء الحاجة فنزلوا إلى الجزيرة والملاّح يناديهم لا تطيلوا المكث لئلا يفوت الوقتولا تشتغلوا بغير الوضوء والصلاة فإن المركب سائر فمضوا وتفرّقوا في الجزيرةوانتشروا في نواحيها فالعقلاء منهم لم يمكثوا وشرعوا في الطهارة وعادوا إلى المركبفأصابوا الأماكن خالية فجلسوا في أطهر الأماكن وأوفقها وأرفعها‏.‏

ومنهم قوم نظروا إلى عجائب تلك الجزيرة ووقفوا يتنزهون في زهرتهاوثمارها وروضاتها وأشجارها ويسمعون طيب ترنّم أطيارها ويتعجبون من حصبائها الملونةوأحجارها فلما عادوا إلى المركب لم يجدوا موضعاً ولا رأوا متسعاً فقعدوا في أضيقمواضعه وأظلمها‏.‏

ومنهم قوم لم يقنعوا بالنزهة ولم يقتصروا على الفرجة لكنهم جمعوا منتلك الحصباء الملونة ثم حملوها معهم إلى المركب فلم يجدوا مكاناً ولا فرجة فقعدوافي أضيق المواضع وحملوا ما استصحبوا من تلك الأحجار على أعناقهم فلم يمض إلا يوم أويومان حتي تغيرت ألوان تلك الأحجار واسودت وفاح منها أكره رائحة ولم يجدوا مخلصاًمن الزحام ليلقوا ثقلها عن أعناقهم فندموا على ما فعلوا وحصلوا بثقل الأحجار علىأعناقهم إذ كانوا بتحصيلها اشتغلوا‏.‏

ومنهم قوم وقفوا مع عجائب تلك الجزيرة وتنزهوا وفي الرجوع لميتفكروا حتى سار المركب فبعدوا عنه وانقطعوا في أماكنهم وتخلفوا إذ لم يصيحوا إلىالمنادي ولم يسمعوا فمنهم من أكلته السباع ونهشه الضباع‏.‏فالقوم المتقدمون هم القوم المؤمنون المتقون والقوم المتخلفونالهالكون هم الكفار المشركون الذين نسوا الله ونسوا الآخرة سلموا كليتهم إلى الدنياوركنوا إليها كما قال عز من قائل‏:‏ ‏{‏ذلك بِأنهم اِستحَبُوا الحَياة الدُنيا على الآخرةِ‏}‏ أي ركنوا إليها‏.‏

وأما الجماعة المتوسطون فهم العصاة الذين حفظوا أصل الإيمان لكنهملم يكفوا أيديهم عن الدنيا فمنهم من تمتع بغناه ونعمته ومنهم من تمتع مع فقرهوحاجته إلى أن غلبت أوزارهم وكثرت أوساخهم وأوضارهم‏.‏

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

 لأبي حامد محمد الغزالي

وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَىْ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلَىْ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ

وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ

المزيد من القسم null