منظمة التعاون الإسلامي جزء من المشكلة
August 15, 2014

منظمة التعاون الإسلامي جزء من المشكلة

شارك السودان في الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي يوم الثلاثاء 2014/8/12م في مدينة جدة، برئاسة الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية ورئيس الدورة الحادية والأربعين لمجلس وزراء خارجية المنظمة والمخصص لمناقشة الأوضاع في غزة، مع التركيز على الجوانب الإنسانية ودعم المتضررين من العدوان الإسرائيلي الغاشم. وكانت منظمة التعاون الإسلامي أدانت العدوان على غزة وأكدت ضرورة تعاون الدول الأعضاء من أجل معالجة أوضاع المتأثرين بالعدوان وتقديم الدعم الإنساني اللازم والعاجل لهم. (الإذاعة السودانية 2014/8/11م).


يعتبر هذا الاجتماع هو الثاني من نوعه خلال شهر حول العدوان الإسرائيلي على غزة الجريحة وكان الأمين العام للمنظمة إياد مدني قد أطلق في وقت سابق نداءً للمجتمع الدولي من أجل التدخل الفوري والعاجل لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وحث الدول الأعضاء في المنظمة على توفير الاحتياجات والمساعدات الإنسانية العاجلة لساكني القطاع.


وقال مدني في تصريح سابق له بحسب وكالة الأنباء الإسلامية الدولية 'إينا': "علينا متابعة الاحتلال الإسرائيلي قانونياً عبر ذراع قانوني مهني قادر، لإعداد ملفات تمكن من عرض تجاوزاته وانتهاكاته وسجل مسؤوليه وقادته على المحكمة الجنائية الدولية".


قبل أن نعلق على هذا الاجتماع والاجتماعات السابقة التي اقتربت من الخمسين والجهود القانونية الضخمة التي ستتقدم بها المنظمة لمحكمة الجنايات الدولية وغيرها يجب أن نتعرف على هذه المنظمة لنحكم عن عقل وبينة على وجودها وجهودها الإنسانية الحثيثة، وهل تجلب حلاً فعلياً لغزة وغيرها من بلاد المسلمين التي تعاني نفس الأوضاع المأساوية المدمرة!!


تأسست المنظمة في الرباط على خلفية حرائق الأقصى في العام 1969م وطرحت المنظمة حينها مبادئ الدفاع عن شرف وكرامة المسلمين المتمثلة في القدس وقبة الصخرة لإيجاد قاسم مشترك بين جميع المسلمين، وحددت القدس مقراً دائماً بانتظار تحريرها، إن ميثاق المبادئ الذي تقوم عليها سياسة المنظمة في تحقيق أهدافها يضع عدة أهداف من بينها:


احترام حق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. إن هذا المبدأ فيه حرص على المساعدة في تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ من بلاد المسلمين وحرص على حدود بلاد المسلمين التي هي أصل البلاء والتي تمنع الجيوش من نصرة إخوانهم في غزة وغيرها وتساعد من تسوّل له نفسه مقاتلة أهل قطر أن يستفرد بهم ويذبحهم كالشياه، وهو يضمن أن لا أحد من الدول الأخرى سيتدخل، (فمن أمِن العقوبة قل أدبه) وتذرعوا بالشؤون الداخلية كمفهوم يمنع أي تدخل من الدول الأخرى.


أيضاً من المبادئ الأساسية احترام السيادة والاستقلال ووحدة أراضي كل دولة عضو. وهذا المبدأ أيضا تركيز للتفرقة والشتات في بلاد المسلمين.


وكذلك مبدأ تسوية ما قد ينشأ من نزاعات بين الدول الأعضاء بالطرق السلمية كالتفاوض والوساطة والتوفيق والتحكيم؛ يعني بالتحديد عدم الخوض في الجانب العسكري، وهو الجانب الأهم في النزاعات الحادثة في بلاد المسلمين، وكون المنظمة لم تضع مبدأ لمعالجة ما إذا فشلت المفاوضات والوساطة كما هو في سوريا وغزة... الخ ماذا تفعل؟ لعل الإجابة واضحة وهي أنها ستتفرج على الضحايا كما يتفرج غيرها! بل كانت المنظمة صريحة في ذلك بوضعها مبدأ (امتناع الدول الأعضاء في علاقاتها عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد وحدة وسلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة عضو) وهذا ما أدى إلى الانفصال بين بلاد المسلمين مع سبق الإصرار والترصد من رويبضات العصر الجاثمين على صدر الأمة.


بعد هذا يمكن لأي عاقل أن يحكم على مدى جدوى وجود مثل هذه المنظمة العاجزة المتآمرة مع غيرها لاستمرار أوضاع المسلمين كما هي عليها فقط بغطاء أنها إسلامية، وفي الحقيقة فإنها بهذه المبادئ التي صاغتها المنظمة هي شريك وشريك فعلي في كل ما يحدث للمسلمين من مذابح ومحارق، ولو أنها صادقة في حماية المسلمين وصون أعراضهم لأعدت لذلك عدته، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ «أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ». ولكن كيف لا تكون منظمة التعاون (الإسلامي) شريك في مآسي المسلمين وهي ذات عضوية دائمة في الأمم المتحدة التي لن نذكر العالم بأنها تخاذلت دائماً عن نصرة المسلمين في كل مكان، وإليكم هذا النص التعريفي بالمنظمة (ترتبط منظمة التعاون الإسلامي بعلاقات تشاور وتعاون مع الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية الحكومية بهدف حماية المصالح الحيوية للمسلمين والعمل على تسوية النزاعات والصراعات التي تكون الدول الأعضاء طرفا فيها. وقد اتخذت المنظمة خطوات عديدة لصون القيم الحقيقية للإسلام والمسلمين وإزالة التصورات الخاطئة، كما دافعت بشدة عن القضاء على التمييز إزاء المسلمين بجميع أشكاله وتجلياته). انتهى النص التعريفي.


إن هذا الارتباط بالمنظمات الدولية لا يصب واقعياً إلا في حماية مصالح الدول الاستعمارية، أما تسوية النزاعات فجرح سوريا ينزف، وغزة تُزال من الوجود، وهذه المنظمة تتحدث عن مساعدات إنسانية لعلها تصل وتجد من مات جائعاً أو قد تصل ليشبع بها مشروع شهيد فما أغنت عنهم شيئاً فبئست المساعدات، أما التصورات الخاطئة فقد تراكمت لدرجة أن أصبح الإسلام فوبيا بسبب عدم وجود دولة قوية تدافع عنه وتنسي المسيئين له وساوس الشياطين.


أما أهم أجسام المنظمة فهو مؤتمرالملوك ورؤساء الدول والذي يشكل السلطة الفعلية والعليا للمنظمة ويجتمع مرة كل ثلاث سنوات لوضع سياسات المنظمة.


ويكفي أن ننقل عنهم هذه الأسطر التي تقص مدى خيانتهم للأمة من شهادة شخص غير مسلم: (عن "ذي هافنغتون بوست" بترجمة "عربي 21" في الثامن من آب/ أغسطس 2014): (قالت المصادر الفلسطينية في مباحثات القاهرة بأن المسؤولين المصريين رفضوا رفضاً قاطعاً عبارة "رفع الحصار" في الاتفاقية المقترحة للهدنة، وتقول نفس المصادر إن مصر رفضت توصيل الطلب الفلسطيني بفتح ميناء غزة إلى الجانب الإسرائيلي. وفي صباح الجمعة طلب الوفد الفلسطيني من المسؤولين المصريين موافقة إسرائيلية مبدئية لإنهاء إغلاق الحدود والسماح بإعادة إعمار غزة مقابل تمديد التهدئة، فرد عليهم المسؤولون المصريون بأن إسرائيل ترفض ذلك. منذ اليوم الأول فاجأ عبد الفتاح السيسي المسؤولين الإسرائيليين بخطابه المعادي بشدة لحركة حماس، وكما أوردت صحيفة الوال ستريت جورنال في تقرير حديث لها حينما أغلق السيسي تقريباً جميع الأنفاق دون أن يعوض غزة عن فقدها لسبل عبور المواد الضرورية إليها فوق الأرض، بدأ بعض المسؤولين الإسرائيليين يدقون نواقيس الخطر تجاه قسوة الاجراءات التي اتخذتها القاهرة. ونقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين الإسرائيليين قوله: "لقد بالغوا في الحقيقة في خنق غزة". صحيح أن إسرائيل تخنق غزة منذ ثمانية أعوام ولكنها تعلمت كيف تخفف من قبضتها من حين لآخر حسب الظروف، ولكننا الآن بصدد منتسب جديد لنادي الخانقين لغزة وهذا القادم الجديد يسعى لتضييق الخناق بشدة وبسرعة بالغة. إن الحالة التي نحن بصددها لا تشبه أي جولة سابقة من القتال بين إسرائيل وحماس، وذلك لسبب وحيد، وهو أن إسرائيل وجدت في مصر شريكاً لها في غاية الحماس لدرجة أن ذلك حفزها على تجاهل إشارات من واشنطن تحثها على ضبط النفس. واضح أن هذا الشريك متحمس أكثر من اللازم) انتهى المقال.


هذه هي إنجازات الرؤساء وسياساتهم اللعينة التي تذبح وتقتل وتهجر، هؤلاء منوط بهم وضع سياسات منظمة التعاون الإسلامي، ولا ننسى أن نعطيكم من الخيانة فصلاً جديداً ألا وهو دور السعودية والإمارات في هذه الحرب ضد غزة والذي تناولته وسائل الإعلام بصورة مفتوحة تقشعر لها الأبدان وقبلها مالي وحتى في سوريا.


وأخيراً فإن الدولة الإسلامية القائمة قريباً بإذن الله ومنّه وتوفيقه، فإنها لا تشترك أبداً في أي منظمة دولية مثل هيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أو منظمات إقليمية مثل منظمة التعاون الإسلامي أو الجامعة العربية أو غيرها لأنه لا يجوز شرعاً الانضمام لمثل هذه الأدوات الاستعمارية التي تعيق نهضة الأمة وتغضب رب العالمين بموالاتها للكفار وسياساتهم، بل إن دولة الخلافة هي التي تتولى بنفسها نصرة المستضعفين والمقهورين حتى يعم العدل هذا الكوكب الأرضي ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أواب / غادة عبد الجبار

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر