October 26, 2014

مفتي مصر يفتري على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يأمر بإعادة الخلافة الإسلامية!!

في مقابلة مع شبكة سي بي سي جرت منذ أيام قليلة، قال مفتي مصر: (إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: فإذا لم يكن في الأرض خليفة فالزم بيتك، واعتزل تلك الفرق كلها، ولم يقل لهم: أقيموا الخلافة ثانية مثلما تقول داعش، بل قال: لا ما "تعملش" خلافة، عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامّة).


بعد أن أدرك الغرب فشله في منع تحوّل مشروع الخلافة الإسلامية الراشدة إلى رأي عام لدى المسلمين، وجد أن الوقوف في وجه إقامتها يكمن في تشويه صورتها والتشكيك في صلاحيتها في عصرنا الحالي، وفي وجوبها من الناحية الشرعية. فجنّد أقلاما مأجورة وأَلْسِنَة "علماء" منحرفين لديهم من الجرأة على دين الله ما يكفي لينكروا أمرا معلوما وجوبه شرعًا لدى علماء الأمة على مرّ العصور. فجاء كلام مفتي مصر في سياق الحرب على مشروع الخلافة، ضاربًا بعرض الحائط النصوص الشرعية التي توجب على المسلمين العمل لإقامة الخلافة في أقصى سرعة وأقصى طاقة، بل زاد على جريمة إنكاره وجوب إقامة الخلافة، جريمة أخرى بافترائه على النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: (إنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا ما "تعملش خلافة")!! وليُكمِل المفتي جريمته في ضرب مشروع الخلافة، أضاف إلى إنكاره وجوب إقامة الخلافة أمرا آخر يدل على خُبث مقصوده، وهو تنفير المسلمين من مشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة عن طريق ربطه مشروع الخلافة الصحيح بخلافة "داعش" الاسمية والمشوَّهة والمشوِّهة لصورة الخلافة التي أمر الله تعالى بإيجادها، مع أن المفتي يعلم حزب التحرير ودعوته لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة منذ عقود!! وهو يعلم أن تنظيم الدولة طارئ على هذا المشروع، بل إنه يُستغل من قِبَل أعداء الإسلام لتشويه صورة الخلافة الناصعة، ولضرب العاملين لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة تحت ستار الحرب على "تنظيم الدولة"... فقام المفتي بكل ذلك ليزعزع فكرة الخلافة في عقول المسلمين عن طريق التشكيك بالأدلة التي تأمر المسلمين بشكل صريح بإقامتها، ولينفّرهم شعوريا منها حتى لا يسعوا لإقامتها من جديد.


إن المفتي استند في نَفْيِه وجوب إقامة الخلافة إلى حديث للنبي عليه الصلاة والسلام لم يتضمن أمرا منه بإقامة الخلافة. ولكن هل الحكم الشرعي يُؤخَذ من نص واحد، أو أنه يجب أخذه من كل النصوص الشرعية المتعلقة به؟؟!! فلماذا أغفل المفتي النصوص الكثيرة التي تأمر المسلمين بالحكم بما أنزل الله ومبايعة خليفة للقيام بهذا الفرض العظيم؟؟


إن الحديث الذي استند إليه المفتي في إنكاره لوجوب إقامة الخلافة قد ورد في الصحيحين، ولفظه عند البخاري: عن حذيفة بن اليمان قال: «كان الناس يسألون رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه ‏دخن‏. ‏قلت: وما دخنه؟ قال: ‏قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».


فالمفتي يبرّر قوله بعدم وجوب العمل لإقامة الخلافة بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر حذيفة في حالة عدم وجود خلافة أن يعمل لإقامتها من جديد.

والمدقِّق في هذا الحديث يجد أن جواب النبي عليه الصلاة والسلام لحذيفة بالاعتزال لا يتعلّق باعتزال العمل لإقامة خلافة ومبايعة خليفة، وإنما هو متعلق بأمر محدد وهو اعتزال الفرق التي وصفها بقوله: «دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، وبالغ في وصف اعتزاله لتلك الفرق إلى حد أن يعضَّ على أصل شجرة حتى يدركه الموت وهو مبتعد عن الدعاة المُضلِّين الذين على أبواب جهنم. وممّا يؤكّد هذا المعنى، ما جاء من طريق آخر للرواية أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لحذيفة: «فإن تَمُتْ يا حذيفة وأنت عاضٌّ على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم». فالنص واضح أنه يتعلق باعتزال الفرق التي تحمل دعوة تودي بأصحابها إلى جهنم. فهذا الحديث ليس فيه أي عذر لترك القيام بالعمل لإقامة الخلافة ولا أي ترخيص في ذلك، وإنما هو محصور بالأمر بابتعاد المسلم عن الفرق الضالة، ليسلم بدينه من دعاة الضلال ولو عضّ على أصل شجرة، لا أن يبتعد عن العمل مع المسلمين العاملين، ويقعد عن القيام بأحكام الدين وعن إقامة خلافة تطبّق الإسلام.


وإن كون النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر في هذا الحديث بالعمل لإقامة خلافة لا يعني أن العمل لإقامة الخلافة ليس واجبا، لأن وجوب العمل لإقامة الخلافة جاء في نصوص أخرى. والنبي عليه الصلاة والسلام لم يطلب من حذيفة في هذا الحديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل يصح القول إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس واجبا؟؟ بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب لأنه قد نصّ الشرع على وجوب ذلك في نصوص كثيرة. وهكذا العمل لإقامة الخلافة ومبايعة خليفة، فإنه ليس معنى عدم النص على وجوبه في حديث معين أنه يكون غير واجب، بل العمل لإقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة واجب شرعا لأن الشرع قد نصّ على وجوب ذلك في أدلة كثيرة. ولأن المقام لا يتسع لذكر الأدلة كلها، فسأكتفي بالقول:


إن الإسلام قد فرض على المسلمين الحكم بما أنزل الله، وذلك لا يتأتَّى قطعا بغير دولة وحاكم، فوجوب الحكم بما أنزل الله وتطبيق الإسلام تطبيقا كاملا يقتضي وجود حاكم للقيام بهذا الفرض. أما أن هذا الحاكم الذي يحكم الناس بالإسلام ويرعى شؤونهم بأحكام الشرع الإسلامي هو الخليفة، فإن ذلك واضح من أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام حيث يقول: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ»، قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». ففي هذا الحديث يُبَيّنُ النبي عليه الصلاة والسلام أن الحاكم بعده الذي يرعى شؤون الناس هو الخليفة، وأمر ببيعة الخليفة للقيام بواجب رعاية شؤون المسلمين بأحكام الإسلام.


وبالإضافة إلى ذلك فقد أجمع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم على وجوب مبايعة خليفة للرسول عليه الصلاة والسلام بعد موته، وكذلك بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه.. وبناء على تلك الأدلة وكثير غيرها، لم يكن وجوب إقامة الخلافة ومبايعة خليفة موضع خلاف بين علماء المسلمين.. ونتيجة فهم المسلمين لهذا الواجب العظيم والقيام بتنفيذه استمرت الخلافة الإسلامية منذ وفاة النبي عليه الصلاة والسلام حتى آخر خليفة عثماني عندما تم إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924.


إن مفتي مصر قد أتى أمرًا عظيمًا بإنكاره وجوب إقامة خلافة بعد سقوطها، ولكنه جاء بأمر أعظم عندما نسب زورا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا ما "تعملش" خلافة)، ومعنى قوله هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس فقط لم يأمر بإيجاد خلافة بل إنه نهى عن العمل لإقامة الخلافة!! والغريب في أمر هذا المفتي أنه عند الحديث عن إقامة الخلافة وَجَّهَ دعوة إلى الاعتزال والجلوس في البيت، ولكنه في البيعة للسيسي والمشاركة في الانتخابات وفي تشريع دستور كفر ليحكم مصر، وفي ظلم المسلمين هناك من قبل حكام مصر لم يعتزل المفتي كل تلك المحرّمات ولم يأمر المسلمين باعتزالها وعدم القيام بها، بل قام بها واعتبر القيام بتلك المحرمات واجبا شرعيا!! أفي طاعة الله تأمر المسلم بالاعتزال أيها المفتي، بينما في معصية الله تأمره بالمشاركة بل والمسارعة في ذلك؟؟!!

فهل صار السيسي عندك أيها المفتي من الدعاة إلى الجنة، فتأمر المسلمين بمبايعته، وليس اعتزاله؟؟ بينما صار العاملون لإقامة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوّة عندك من الدعاة على أبواب جهنم، فتأمر المسلمين باعتزالهم!!


ألا فاعلم أيها المفتي أن ما قلتَه، إن لم تتراجع عنه وتتب، فلن تجني من ورائه إلا الخزي في الدنيا، وأما في الآخرة فأمرك إلى الله تعالى هو أعلم سبحانه بما تستحقه...


أما الخلافة التي أنكرتَ وجوبها فإنها ستقوم بإذن الله، فهذا وعد الله تعالى وبشرى رسوله عليه الصلاة والسلام، ونسأل الله تعالى أن يكون قيامها أقرب مما نتصور...


وأما العاملون لإقامتها، فإنَّ طعنَك بهم، بل وتشبيهك إياهم بالدعاة إلى جهنم، فهو لن يُضعِف إرادتهم، ولن يُوهِن من عزيمتهم، ولن ينال من اندفاعهم، ولن يجعلهم يتراجعون عن القيام بهذا الواجب العظيم والاستمرار بحمل دعوة الاسلام حتى يظهره الله على أيديهم، فهم قد عاهدوا الله وبايعوه على هذا والله تعالى مُعينُهم وناصرُهم.


قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو مصطفى

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر