November 07, 2010

مفهوم التغيير وانعكاساته على الواقع

لقد بينت العقيدة الإسلامية النظرة إلى الحياة الدنيا وعلاقة الإنسان بما قبل الحياة وما بعدها وقد أمرت أن يكون تفكير المسلم على أساسها في الحياة وهي التي يجب أن تكون المنظار الوحيد الذي ينظر من خلاله بغض النظر عن الزمان والمكان وبغض النظر عن التطور المادي ومظاهر الحياة وشكلياتها المتجددة، وقد فصلت كيفية تكوين شخصية المسلم وبما وهبه الله من عقلية ونفسية وطاقة حيوية وإرادة فعلية لها القدرة على القيام بأعباء الحياة والواقع الذي تعيشه وهي التي بينت ما يجب الإيمان به من الغيبيات وما يفعل تجاهها وميزتها عن العقائد الباطلة والأفكار الخاطئة والمفاهيم السقيمة. وقد ضمنت للإنسانية العقلية الرائدة والمبدعة إذا ما روعيت الناحية الروحية عند بناء الأفكار والمفاهيم ومن حيث المعالجة الدائمة للمشاكل النفسية. وقد انبثق عنها أحكام، منها ما هو متعلق بالسياسة والناحية الاقتصادية والاجتماعية وقد ضمنت تلك الأحكام المعالجات الجذرية لا الترقيعية لتلك المشاكل والمعاناة التي تحصل على أرض الواقع إذا ما روعت فيها الدقة في النظر والاستدلال والتطبيق. وقد بينت أي العقيدة الإسلامية ما هو متعلق بالتصديق الجازم محصورا بذهنية من سلموا بها تسليما مطلقا وليس طلبا مستحضرا عند قيام الإنسان المسلم بالأعمال المباشر بها في قيامه وقعوده وأخذه وعطاءه فالأعمال متعلقها الأحكام وقد جعلها ثابتة لا تزعزعها الأحداث والمتغيرات الجارية على أرض الواقع فهو أي الإنسان يعمل عقله لاعتقادها فقد حاكت العقل البشري وحركت إحساسه في النظر تجاه ما هو محسوس لصدقها وانطباقها كالإيمان بالله عز وجل وباقران الكريم وبنبوته e فرتبت على ذلك قناعة عقلية. حيث يقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) وكقوله e (جددوا إيمانكم بلا اله إلا الله ) ومنها ما هو مطلوب الإيمان بها ولكنها غير محسوسة مهما بلغ الإنسان فيها بالنظر كالإيمان بما هو مكتوب في اللوح المحفوظ وكالإيمان بالملائكة والجنة والنار ويوم القيامة، وكالموت والحياة فان الإنسان لا يملك تجاهها الدفع ولا يملك قدرة أو إرادة على تأخيرها أو تغييرها أو أن يفر هاربا منها. فان لله قدرة نعم وأن لله إرادة وأنه يفعل ما يشاء وما يريد فهو فعال لما يريد، وقد طلبت من المسلم أن يؤمن بها بالقدر المذكور في القران والسنة وأن لا يبالغ الإنسان المسلم فيها فيجعلها حجة على تقاعسه عن القيام بالأعمال المتعلقة برعاية شؤون حياته وحياة أمته والعلاقة الدائرة بين الراعي والرعية لما لها من خطر على الواقع الذي يعيشه المسلمون تجاه الأنظمة والقوانين التي والتي قلبت موازين الحياة في بلاد المسلمين. وعليه يخطئ كثيرا أولئك الذين يظنون أن القدرة والإرادة المعطاة لهم والتي وهبها الله إياهم والتي لها الأثر الأكبر في تغيير نمط الحياة ويربطونها بالقدرة والإرادة الإلهية في تحركاتهم أو سلوكهم مع أن الله قد جعلها حرة مختارة الطريق المنشود في عزتهم ورفعتهم وأمرهم به، أو أن تسلك غيره الذي نهاها عنه. إن مفهوم التغيير مع القعود واليأس والإحباط لا يلتقيان، وعدم القيام بالأعمال والاتكالية والقول أن الله هو الذي يغير ونحن لا نملك تجاه الواقع شيئا من أجل تغيير أو تحسين حياتنا الذليلة والضنكة ليست مطروحة ضمن العقيدة الإسلامية ومفاهيمها ولا الأحكام الشرعية بل على العكس، فمن جراء هذا الفهم المغلوط والسقيم الغير مدروس ترى كثيرا من المسلمين عندما يطرح عليهم التغيير ضمن مشروع العمل الجماعي لتغيير حال الأمة الإسلامية وإحقاق الحق وإبطال الباطل أو إذا ما سؤلوا عن القيام بإنكار المنكر أو الأمر بالمعروف والمطلوب شرعا وهو على الوجوب قالوا ليس بيدنا شيء وان الظلم الواقع علينا أو سوء إدارة بلادنا قد كتبها الله علينا وأن قدرته وإرادته أرادت ذلك أو أن الاحتلال هو قدر الله علينا والتغيير كله بيد الله ومنهم من يقول (الله كريم ) أو (كل شيء في وقته طيب ) أو أن الله جلت قدرته له إرادة فيها أي أن الظلم والفساد الذي نعيشه يربطونه بقدر الله المكتوب، وإرادته له بها حكمة،ومنهم من يقول الحمد لله على كل حال وكأن الله هو الذي يدير شؤونه وحياته التعيسة والمفتقرة إلى أبسط مستلزمات الحياة من ماء وكهرباء وعيش كريم متناسياً أن القائمين على إدارة البلاد مرطبتين بالاحتلال أو الاستعمار وأنهم ينفذون سياسته ويبرمون الاتفاقيات في بيع البلاد والعباد، فمن هو الذي يقطع الكهرباء والماء هل هو الله ومن الذي يأخذ الربا في البنوك هل هو الله ومن الذي يأخذ الرشوة من الناس ويعقد تمشية معاملات الناس هل هو الله وهل الدساتير والقوانين الجائرة في بلاد المسلمين من الله ما لكم كيف تحكمون، بل كيف تنظرون والاستغلال السياسي في الانتخابات القائمة في العالم الإسلامي وبعضهم يقول اللهم ولي علينا خيارنا ولا تولي علينا شرارنا متناسين أن النظام الديمقراطي لا يأتي بخير لكونه من وضع البشر العاجز الناقص المحدود. إن هذا المفهوم عن التغيير يعتبر من أخطر المفاهيم في حياة المسلمين لما له من انعكاسات سلبية على الوضع السياسي والقائم في بلاد المسلمين وكان أحد أهم الأسباب في تأخر نهضة الأمة وأبعد كثيرا من المسلمين عن تغيير نمط الحياة السياسية ومكن الاستعمار والاحتلال من رقاب المسلمين وبلادهم والذي جعل كثيرا من المسلمين يسيرون وفق أجندة واستراتيجيات ويلعبون الأدوار والسيناريوهات التي ترسم وتحاك من قبل الاستعمار والاحتلال الكافر والحاقد فأمعنوا في قتلنا وجعلونا كما يقول المثل (طشاش مالو والي ). إن كثيرا من المفاهيم الخاطئة والشائعة عند المسلمين جعلت حياتهم عيشاً جحيماً ذليلاً.

فنقول وبالله التوفيق وله المنة والفضل على نعمة الإسلام:

إنّ الله الخالق القادر قد أودع في الإنسان القدرة والإرادة والطاقة الحيوية القادرة على تغيير ما يتطلب تغييره شرعاً ووفق الأحكام الشرعية والتي أوضحت وضوح الشمس أن واقع الإنسان في حياته ونمطها هي بيد الإنسان وهو حر في اختيارها منفصلة كل الانفصال عن القدرة والإرادة الإلهية وأنها لا تعيق تقدما نحو نهضة صحيحة وعودة إلى أحضان الإسلام ونظامه، فها هو العالم مفتوح أمامنا نشاهد انقلاباته وثوراته القائمة من قبل الشعوب في العالم، ألا ترى أن كل متغيرات التاريخ السياسية والأنظمة قامت وسقطت كان مصدرها التحرك البشري الجاد والمضحي من أجل تغيير أو تبديل أو إصلاح القوانين والدساتير الجائرة، نعم إنها القدرة والإرادة والعزيمة الجادة الكامنة التي دفعت الإنسانية في تغير الحياة غريزيا كان أم فكريا، يقول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) أي أنكم أيها الناس المخاطبون السامعون العاقلون قوموا بالأعمال والأقوال التي من شأنها أن تغير حالكم وفق الحكم الشرعي وطريقته والتي ستؤثر ايجابيا في شؤون حياتكم، وكذلك يقول I (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ويقول جل في علاه (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) ويقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) ويقول (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ) فهذه الآيات الكريمة والعظيمة والتي تحمل في طياتها متطلب أن نقوم بالأعمال، ولو كان الأمر في حال التغيير متعلقا بالغيب أو الكتابة في اللوح المحفوظ أو القدر إذا ما قيمة ما طلب فيها، بل واقعها يقول ( اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا ) وقال رسول الله e: ( إذا ذكر القدر فأمسكوا ) وقال أيضا (بادروا بالأعمال ) وقال ( ألا لا يمنعن رجلا أن يقول بالحق ) وقال صحابته رضوان الله عليهم " بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا...... وأن نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ".

وأخيرا نقول إنّ الإرادة والقدرة الإلهية قد طلب منا الإيمان فيها، وأن التغيير المطلوب متعلق بالأعمال والله الموفق. (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ).

أبو مصطفى

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.