لو كان الفقر رجلا لقتلته
June 13, 2011

لو كان الفقر رجلا لقتلته

الحمدُّ لله الذي أنعمَ علينا بنعمةِ الإسلامِ العظيمِ وكفى بها من نعمة ، وأنزلَ لنا نظاماً ربانياً عادلاً من لدنْ حكيمٍ خبير ، نظاماً شاملاً لكافةِ شؤونِِ الحياةِ السياسيةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والحكمِ والعقوباتِ وغير ذلك ، فنعمنا به ردحاً طويلاً من الزمن حينما كان المسلمون يرفلون بعزِّ دولةِ الإسلامِ وخيراتِها وأمنِها وأمانها، إلى أن حلّت الطامةُ الكبرى بدولتنا العظيمةِ التي كان جيشُها لا يُقهر فأصيبت في مقتل ، وأيُّ مقتل ؟! سنواتٌ عجافٌ من الظلمِ والقهرِ والاضطهادِ والمعاناة والقائمةُ تطول ..

وإني وإن كنتُ أرثي هذا الحالَ المُزري الذي وصلنا إليه وما آلت إليه أمتُنا ، إذ أننا نعيشُ مفارقةً عجيبةً بين اليومِ والأمس ، ولكن الأمةَ التي تحتضنُ الخيريةَ في جوانبِها إلى يومِ الدين بدأت تستلهمُ معالمَ العزةِ وتتنسمُ ريحَ الكرامةِ التي نتوقُ لها اليوم ، حتى نضعَ الخطوطَ المستقيمةَ بجانبِ الخطوطِ المعوجّةِ فيستقيمُ طريقُنا بحولِ الله ، ونعودُ كما كان أسلافُنا من قبل .

ولما كان الإسلامُ عقيدةً ونظامَ حياة ، جاء بمعالجاتٍ شاملةٍ لمشاكلِِ البشرِ كافة ، فلا بُدّ أن ما يعانيه المسلمون اليومَ من مشاكلَ اقتصاديةٍ على وجه الخصوص ، لم يكن ظاهرةً طبيعيةً أو متوارثةً منذ القدم ، فالكلُّ يشهدُ لدولةِ الإسلامِ عبرَ العصورِ بأنها كانت دولةً صناعيةً وحربيةً وفيها اكتفاءٌ ذاتيٌ من الطرازِ الأول ، حتى تفاخرَ خلفاؤها وخاطبوا السحابَ وحسبت لهم الدولُ العظمى آنذاك ألفَ حساب ، ولو تحدثنا بإيجازٍ غيرُ مُخِّل حول إحدى المشكلاتِ الاقتصاديةِ التي يكتوي بنارِها العالمُ أجمع ألا وهي مشكلةُ الفقر.

إن المُتابعَ لما تُطالعنا به وسائلُ الإعلامِ والصحفُ والنشراتُ الاقتصاديةُ ليعجبُ أشدَّ العجبِ حينما يعلمُ أن الفقرَ أصبح ظاهرةً ومشكلةً عالميةً تعدت دولَ العالمِ الثالثِ (الدول الفقيرة) ليمتدّ فتكُها إلى الدولِ المتقدمةِ والتي صرّح كبارُ مسؤوليها بذلك ، وبلغةِ الأرقام : يقولُ تقريرٌ للأممِ المتحدة أن مليارَ شخصٍ في العالمِ محرومون منالأساسيات، أيّ الحاجاتِ الأساسية، ومنها الماء، وإن 20% من سكانِ العالمِ يستهلكون 86%  من ثرواتِه ، وفي سويسرا مثلاً كشفَ إحصاءٌ حكوميّ أحيط بشيءٍ من التحفظِ ، بأن عدداً كبيراً منالمواطنين هم فقراءٌ حقيقيون حيثُ بلغت نسبةُ الفقرِ 50 % خلال بضعِ سنوات وأن هذه النسبةَ في حالةِ ازدياد ، وأما في بريطانيا فيوجدُ 12 مليون فقيرٍ يعيشون فيها ، وفي أمريكا 10 % من الشعبِ الأمريكي يعتبرُ فقيراً ، وأما في ألمانيا فقد بلغَ عددُ الذين يعيشون فيحالةِ فقرٍ 3 مليون إنسان ، هذا في الدول المتقدمة صناعياً ، وأما الحديثُ عن دولِِ العالمِ العربيِّ والإسلامي فهو أدهى وأمّر، حيثُ أن أكثرَ السكانِ يعتبرون من الفقراء ويعيشون تحت خط الفقر، فدولُ إفريقيا مثلاً تشهدُ وضعاً مأساوياً في الكثير من مناطقِها وأن الأطفالَ يموتون جوعاً وعطشاً، وبالأمس القريبِ على سبيلِ المثال كشف تقريرٌ لمركز الإحصاء الفلسطيني أن أكثرَ من ربعِ أهلِ فلسطينَ يعانون الفقر والعوز ، وإنه لا يختلفُ اثنان عاقلان على أن تطبيقَ أحكامِ النظامِ الاقتصاديِّ الرأسماليِّ في بلاد الكفر وبلادِ المسلمين ، هو سببٌ جوهريّ لهذه المشكلة ، وغيرها من المشاكلِ المستعصيةِ التي أوجدتها الرأسماليةُ العفنةُ التي أحلت كافة الوسائلِ والطرقِ غير المشروعةِ لكسبِ الثروة ، فازداد الأغنياءُ غنىً والفقراءُ فقرا ، ولكن السؤال الذي يطرحُ نفسه في هذا المقام ،، ما بالُ أمةِ الإسلامِ قد أُدرجت في قوائمِ الدولِ الفقيرةِ والمتخلفة ، وهي التي حباها اللهُ تعالى بثرواتٍ هائلةٍ براً وبحراً ، على سطحِ الأرضِ وفي باطنها ، ثروةٌ بشريةٌ ( عضليةٌ وذهنية )، والكثيرُ الكثيرُ من الخيراتِ التي تؤهلُها لتقودَ العالمَ اقتصادياً وصناعياً لا أن تتصدى وتقضي على مشاكلِها فحسب ؟؟!!

وهنا لا بُدَّ لي من وقفةٍ وأن أقول : إن النظامَ السياسيّ لا يمكنُ أن ينفصلَ بحالٍ من الأحوالِ عنِ النظامِ الاقتصادي لأيِّ دولةٍ من الدول ، فالدولةُ التي تمتلكُ زمامَ أمورِها وتنخلعُ من ربقةِ التبعيةِ البغيضةِ تستطيعُ حينئذٍ أن تتحكمَ بخيراتِها وثرواتِها وقرارِها وسياستِها الداخليةِ والخارجيةِ واقتصادِها ، ولأن الدولَ الغربيةَ الرأسماليةَ لا تقومُ أساساً على نظامٍ صحيحٍ في السياسةِ والاقتصادِ ومعالجاتٍ وحلولٍ جذريةٍ لمشاكلِها فليست مقياساً للحكمِ ، ولكنّ غيابَ الحكمِ بما أنزلَ الله جعلَ الأمةَ الإسلاميةَ تتخبطُ في دياجيرِ الظلام ، في حياتِها الاقتصاديةِ التي أُغرقت بأحكام الكفرِ المستوردةِ من الرأسماليةِ البغيضة ، ولما غاب الكيانُ السياسيُّ جُزئت دولةُ الإسلامِ إلى دويلاتٍ كرتونيةٍ هزيلة ، ونُصِّب عليها حُكامٌ عملاءٌ نهبوا ثرواتِها وجعلوها مرتعاً ونهباً لكلِّ مستعمرٍ طامع ، حتى غدت في أدنى الأمم ، تتسولُ على موائدِها كالأيتامِ على موائدِ اللئام ، تكتوي بنار المديونية ، نفطُها وقودٌ لقتلةِ المسلمين في كلِّ مكان ، والمجالُ يتسعُ كثيراً لسردِ الويلات والمصائبِ ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

ولو عدنا للفقرِ الناجمِ عن المشكلةِ الاقتصادية الأساسية من منظورٍ إسلاميِّ ، التي هي سوءُ توزيعِ الثروةِ على جميعِ الأفرادِ فرداً فرداً ، بما يضمنُ إشباعَ حاجاتِهم الأساسية (المأكل، والملبس، والمسكن) وبذلُ الوسعِ لإشباعِِ حاجاتِهم الكماليةِ التي تتطورُ بتطورِ العصر وتقدمه العلميِّ والتكنولوجيِّ والمعرفيِّ ، بخلافِ النظرةِ الرأسماليةِ التي تصورُ المشكلةَ على أنها الندرةُ النسبيةُ للسلعِ والخدمات ، بمعنى أن المواردَ محدودةٌ في حينِ أن الحاجاتِ والرغباتِ متجددةٌ وغيرَ محدودةٍ وبالتالي عدمُ كفايتِها ، أضف إلى ذلك ما يُسمى لديهم بحريةِ التملكِ ، التي تؤدي إلى امتلاكِ أكبر ثروةٍ ممكنةٍ بغضِ النظرِ عن وسائلِِ التنمية ، مما يجعلُ الثروةَ تتركزُ في أيدي فئةٍ قليلةٍ ويُحرمُ منها الآخرون ، الذين بدورهم يغرقون في الفقر .

ولو عدنا كذلك للربعِ الفقيرِ من أهلِ فلسطينَ ولفقراءِ المسلمين بل لفقراءِ العالم أجمعين ، وأدركنا حجم َالمأساةِ التي يعيشونها لتبادر لأذهاننا ذلك السؤالُ المنطقيّ : كيف لكم أيها الفقراءُ أن تعيشوا دون أن تفكروا وتبادروا لقتلِ فقرِكم ؟؟؟ كيف لكم أن تقتلوا أنفسكم بدلاً من أن تقتلوا ضعفكم وجبنكم وسكوتكم على هذا الذلِّ والهوان ؟! كيف لكم أن تعيشوا هذه السنواتِ الطوالَ دون أن تأخذوا على أيدي الظالمين ، وتحاسبوهم لكي لا يعمكم اللهُ من عنده بعقاب ، وها أنتم قد عاينتم بأنفسكم ثرواتِكم المكدسةَ في قصورِ طغاة ليبيا ومصرَ وتونسَ وفي بنوك سويسرا وما خفيَ كان أعظم !

قد يسألُ سائل : ولكن كيف ؟؟ بأن تضعوا أيديكم على مكمن الداء ، وتتيقنوا بأن لا حلَّ جذري لهذه المعضِّلة كغيرها إلا بكيانٍ قائمٌ على مبدأٍ صحيح فكرة وطريقة ، ولا أبلغ ولا أشمل ولا أسمى من المبدأ الإسلامي القائم على العقيدة الإسلامية التي تقنعُ العقل وتوافقُ الفطرة من عندِ الله العزيز الحكيم ، هذا المبدأُ الذي يقدمُ لنا سياسةً اقتصاديةً مُثلى تُعالجُ الفقرَ كمشكلة اقتصادية ناجمة عن عدم إشباع الأفراد حاجاتهم الأساسية وناجمةٌ أيضا عن مجتمعٍ أفراده بينهم تفاوتٌ شاسعٌ في امتلاكِ الثروة ، لذلك حثّ الشرعُ الأفراد على السعي لكسب الرزق والعمل ، سُئِلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: أيُّ الكسبِ أفضلُ ؟، قالَ: (عَمَلُ الرَّجُلِ بيدِهِ، وكلُّ بيعٍ مبرورٌ) رواه أحمد .

كذلك أوجب على الدولة أن ترعى شؤون رعيتها ومنهم الفقراء الذين تسعى لسدِّ حاجاتهم من مصارفِ الزكاة في بيتِ المال ، وإن لم تكفِ هذه الأموال أصبح لهم حقاً في أموال الأغنياء من خلال الضرائب وهذا فرضٌ لقوله تعالى : (وَفِيأَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) الذاريات. بالإضافة للأحكام الشرعية المُتعلّقة بتحريمِ الربا والاحتكار والغش والتدليس في البيع والتسعير وغيرها ، كلُّ ذلك لم ولن تُطبقَّه إلا دولة الخلافة الراشدة الثانية القائمة قريباً جداً إن شاء الله كما طبقَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وخلفاء المسلمين، فعمَّ الخيرُ والرخاءُ والعيشُ الرغيد ، وما كان هذا بِدعا من القول ، بل حقيقةٌ كالشمسِِِ في رابعةِ النهار ، ومن يقرأ سيرةََ خلفاء كعمر بن الخطّاب - رضي الله عنه- الذي نعِم المسلمون في خلافته بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ، وجيء بسواري كسرى وأبى إلا أن يقسمّها بين المسلمين ، وبكى خوفاً من إقبال الدنيا بنعيمها عليه، وكعمر بن عبد العزيز وكيف كان الرخاءُ الاقتصاديُّ في عهده ، حيثُ كانت الجمالُ تطوفُ البلادَ محمّلة بأموالِ الزكاة فلا تجد لها مُستحقا ، الذي كانت تُسرجُ عليه الشمعةُ ما كان في حوائجِ المسلمين ، فإذا فرغ أطفأها وأسرج عليهسراجه . هذا غيضٌ من فيض من حالِ هؤلاء الذين سادوا الدنيا وحكموها بالقسط فأعزهم الله ، وما ذلّت أمةُ المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا حينما ابتغت العزة من الرأسمالية والعلمانية والديمقراطية الكافرة .

إن الأمةً بفضلِ الله تعالى أثبتت من خلالِ ثوراتها الأخيرة، أنها كالمارد الذي لا بُدَّ أن ينهض ، وبأن الماردَ مهما يغفو كما قال أحد المتخوفين الغربيين من قيامِ الخلافة لا بُدَّ يوماً أن يستيقظ ، وبأن هذا زمانُ فكرةٍ قد آن أوانُها ، ليسود الإسلامُ السياسيُّ ، وننعتقُ من شرورِ الفساد الرأسمالي الظالم ، ونعود كما كنّا خيرَ أمةٍ أخرجت للناس ، نحملُ رسالة هدى للعالمِ أجمع ، لا ضنك فيها ولا شقاء بل بركاتٌ من السماء ، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ (96) ) الأعراف . وستتحققُ فينا بشرى رسولنا صلى الله عليه وسلم : " يكونُ في آخرِ الزمانِ خليفةٌ يحثو المالَ حثوا ولا يعده عدا "رواه الإمام أحمد في مسنده. وحينها يفرحُ المؤمنون بنصرِ الله ، فتمتلئُ الأرضُ عدلاً بعد أن مُلئتَ جورا وما ذلك على الله بعزيز ، فاللهم اجعل ذلك اليوم قريبا اللهم آمين .

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوبُ إليك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أم القعقاع

المزيد من القسم null

لا بد قبل الخوض في هذا الموضوع ، من بيان حقيقة الخلافة ، وماذا تعني . إنها النظام السياسي الإسلامي ، فهي الطريقة الشرعية لرعاية شؤون الناس في الدولة ، بالحكم والسلطان ، وذلك وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية من الوحي الإلهي ، والذي ختمت به الرسالات السماوية على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم ) . وعن مصادر هذا الوحي الرباني وهذه الشريعة السمحة ، فهي كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وإجماع الصحابة الكرام والقياس الشرعي المبني على النص الشرعي . وبناء على هذه المقدمة ، فإن الناس في ظل دولة الخلافة ونظامها ، كلهم سواء فهم جميعا يخضعون للشريعة ، الحكام والمحكومون , المسلمون وغير المسلمين من رعايا الدولة ، فكل الناس عباد لله وتلزمهم أحكامه وشريعته وأوامره ونواهيه .


فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول في هذا المعنى : (( من جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليقتص منه ، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه )). فعلى أساس المساواة قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة على عهد النبوة ، ويؤكد الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذا المعنى عندما يبين وجوب تطبيق الشرع على جميع أفراد الرعية ، بغض النظر عن مكانتهم ، فيقول : ((وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )).


ولقد أكد خلفاؤه (صلى الله عليه وسلم) هذا المعنى فهذا أبو بكر (رضي الله عنه ) بعد أن تولى الخلافة باختيار المسلمين ورضاهم وبيعتهم يقول : (( لقد وليتم عليكم ولست بخيركم )) ويقول عن وجوب استقامته في الحكم : (( إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني )).


والآن إذا نظرت إلى الدول والأنظمة التي تحكم المسلمين ، ترى كم هي حاجتهم للخلافة ، في عهد الاستبداد والفساد الذي يعيشونه منذ عقود طالت ، وها هي الثورات المباركة قد كشفت إجرام الحكام وحربهم وبطشهم بشعوبهم ، لتصبح الخلافة هي الحل وهي البديل عن هذا العهد البائد .


لطالما ظهرت مبادئ ومذاهب ، وطلع مفكرون يقولون بالحتمية التاريخية ، لأفكارهم الاشتراكية والماركسية والديمقراطية والعلمانية ، وأنها المرحلة الأخيرة في تطور البشرية ورقيها ، وأنها نهاية التاريخ ، لكنها قد بادت وذهبت رياح بعضها ومن بقي منها فإنه يترنح ويوشك على السقوط من أمراضه وعلله التي تفتك به .


إن الأزمات التي يعيشها العالم اليوم في ظل الحضارة الغربية ونظامها الرأسمالي ، قد صارت كابوسا يخيم على الجميع في كل نواحي الحياة ، وها هي أزمة اقتصادية جديدة تطل برأسها القبيح على العالم من وراء المحيطات من رأس هذا النظام العالمي وهذه الحضارة الغربية ، من أمريكا زعيمة النظام الرأسمالي وحاملة لواءه في العالم ، فهي تخير العالم بين أن يبقى يقرضها ويعطيها الأموال دون سداد وبين أن تفلس ويخسر كل الدائنين أموالهم وتسقط قيمة مدخراتهم وأرصدتهم من عملتها الدولار ، كل هذا بسبب هذا النظام البائس .


لقد صارت تظهر الحاجة لنظام جديد كلما تفجرت أزمة في النظام الرأسمالي وصار قادة هذا النظام في الغرب يدعون لنظام جديد بديل عن النظام الحالي سواء في أمريكا أو أوروبا وآخر مرة برزت هذه القضية في الأزمة الاقتصادية التي نشأت عن قضية الرهن العقاري في أمريكا وما تبعها من آثار اقتصادية واسعة شملت العالم بأسره .


إننا نعلن بكل يقين أن الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة هي نهاية التاريخ ، وهي التي سوف تخرج العالم من أزماته ومن شرور الرأسمالية ، فهي اليوم حتمية تاريخية ، سياسية وفكرية ، لحضارة أفلست وتصدع بنيانها .


إن المعركة اليوم هي على كل هذا ، على مركز القيادة للعالم وشعوبه ، والغرب يدرك هذه الحقيقة وهو يصارع رغم أمراضه على إبقاء قيادته وتأخير سقوطه وانهياره . لقد كان الصراع بين الغرب وحضارته مع النظام الاشتراكي ودوله يغطي سوءات هذه الحضارة الغربية وبعد أن سقطت الاشتراكية وتفتت معسكرها أرادت أمريكا ومعها أوروبا أن يجعلوا من الإسلام والمسلمين غرضا لهم يرمون إليه سهامهم ، فصنعوا مفهوم الإرهاب ونشروه في العالم وافتروا على الإسلام والمسلمين وتفننوا في اتهام المسلمين حتى ظنوا أنهم سيطيلوا عهدهم وقيادتهم ، لكن ظنهم هذا أرداهم ، فليس المسلمون كالاشتراكيين والشيوعيين ولا الإسلام كالاشتراكية والشيوعية . فبعد الحملات الصليبية التي شنها الغرب على المسلمين والتي أعلنها جورج بوش الصغير ، قبل المسلمون التحدي وهم لن يتوقفوا حتى يسقطوا الغرب وأذنابه الحكام .

فالمسلمون اليوم فإنهم اليوم يكافحون ويناضلون ، من أجل إسقاط هذا النظام الجائر ، وإقامة نظام جديد على أسس جديدة من قيم الحق والعدل ، وهي لا شك غير ما هم فيه ، وغير ما عليه العالم من الديمقراطية البالية والدول المدنية المتهالكة ، كما هو ظاهر في أمها أمريكا ، ثم أخواتها إيطاليا واليونان وإسبانيا والبرتغال وغيرها .

إن الأزمات والأمراض الاجتماعية والصحية والسكانية ومشاكل الفقر وغيرها الكثير ، من الحصاد الأثيم لهذه الحضارة الغربية ، التي تحكمت في العالم قرنين من الزمان ، جلبت له الحروب والدمار ، وجعلته يعيش في خوف دائم وصراع دائم ، من اجل حفنه من الأثرياء والطفيليين ، يحتكرون الثروة والسلطان ، ليعيش الملايين في معاناة وحرمان .


إن حاجة العالم اليوم إلى الخلافة ، هي حاجته لمنقذ ومخلص ، تماما كما كان الحال في أول هذه الأمة وحاجة البشرية للإسلام ، فكانت دولة الإسلام الأولى المنقذ للبشرية من ظلم الجاهلية عند العرب ، ومن طغيان الروم والفرس وكل الممالك التي كانت تسوس الناس بالإثم والعدوان .


كما صور هذا الحال وهذا المعنى رسول المسلمين إلى رستم قبل القادسية عندما سأله ما الذي جاء بكم فقال ربعي بن عامر : (( ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة )).


برهان (أبو عامر)

أبواب الخير   حفظ اللسان

عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) رواه الترمذي وقال حديث حسن. أي أمسك عن الشر لا عن الخير.


وفي حديث الطبراني عن ثوبان "طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته".


لا شك أننا نبحث عن الأسباب التي نرجو أن تكون من أهم أسباب نجاتنا في الدنيا والآخرة؛ ولذا بدأ رسول الله عليه الصلاة والسلام إجابته بالإشارة إلى أخطر الجوارح وهو اللسان الذي ينبغي ألا يستعمل إلا في الخير كما أشار في قوله " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ".


وفي حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ".


ولقد فسر الرسول عليه الصلاة والسلام الغيبة في حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة قول الرسول عليه الصلاة والسلام "أتدرون ما الغيبة" قالوا "الله ورسوله أعلم" قال "ذكرك أخاك بما يكره" قيل "أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟" قال "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ولهذا حرم الله الغيبة ونهى عنها فقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } الحجرات12.


وفي القرآن الكريم نهي عن النميمة التي هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد قال تعالى { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } القلم11.


وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم"لا يدخل الجنة نمام"


وفي إصلاح المنكر روى مسلم عن أبي سعيد الخدري "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ورد في الحديث "رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم" قيل لبعضهم "لم لزمت السكوت؟" قال "لأني لم أندم على السكوت قط وقد ندمت على الكلام مرارا" ونظم هذا أحدهم فقال:


ما إن ندمت على سكوتي مـرة لكن ندمت على الكلام مــرارا .


وفي وصية الرسول "وليسعك بيتك" أي التنعم بنعمة الحصانة


ولهذا على المؤمن أن يكون عفيفا على الدوام وذلك بالاستغناء بالحلال عن الحرام، لأن بالحلال سيعف نفسه، وسيعف زوجته وفي هذا الموضوع أحاديث عديدة تفسر ما ينفع الناس ومنها ما يدعو إلى قضاء وقت فراغه بين أهله في بيته، وحذار أن يقضي فراغه في أماكن اللهو واللعب أو على قارعة الطريق أو في كل مكان مغر ومثير للغرائز ومجلب للفواحش.


وفي قوله عليه الصلاة والسلام "وابك على خطيئتك" إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أنس. إذا نحن نخطئ ونصيب باستثناء الأنبياء؛ ولهذا نترجى رحمة الله ومغفرته فالله تعالى غفار لمن تاب { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } طه 82، فطوبى لمن أمسك عليه لسانه، وتحصن بنعمة الحصانة، وتاب إلى الله متابا، وتمسك بما أحل الله، واجتنب ما حرمه الله.


إلا أن كثيرا من الناس يتخذ من هذا الحديث ذريعة للعزلة وعدم الحديث ، والابتعاد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يصل به الأمر فيقول "لا أرى ،لا أسمع،لا أفكر،لا أتكلم"


مع أنه يرى ويسمع ويفكر وينطق !!! ويعاني من الظلم الواقع عليه ؛ يتجرعه في كل يوم ، وفي كل مكان !!!


إن المتتبع لأحوال المسلمين يرى أن أحكام الإسلام غاضت من الأرض وبلاد المسلمين تعاني من أعداء الله ؛كفلسطين, وكشمير, وقبرص, وتيمور الشرقية والعراق وأفغانستان وجنوب السودان .


إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات، وأكبر المهمات، وقد دل على وجوبه الكتاب والسنة .


وقد دلت النصوص على الأمر به، وجعله من الصفات اللازمة للمؤمنين، وهو سبب في خيرية الأمة ، وأن تركه يؤدي لوقوع اللعن والإبعاد ونزول الهلاك وضعف الإيمان عمن قعد عنه حتى بالقلب. يقول تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران104 .


ويقول عليه الصلاة والسلام ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم. ‏


إن كانت الخشية من الموت ؛ فإن الأجل محدود ، والله تعالى يقول : { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } النساء78.


وإن كانت الخشية على الرزق ؛ فقد تكفل الله بالرزق، والله تعالى يقول : { وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } الذاريات22.