لماذا قدَّمنا ولاءنا لحُكَّام اليوم؟
February 10, 2025

لماذا قدَّمنا ولاءنا لحُكَّام اليوم؟

لماذا قدَّمنا ولاءنا لحُكَّام اليوم؟

(مترجم)

لقد مرَّ أكثر من عام على أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والعالم منذ ذلك الحين يُراقب في صدمة وصمت المجازر الفظيعة التي يرتكبها الاحتلال، ومؤخراً، عندما أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار، استبشر أهل غزة والعالم كله بهذا الخبر. لقد حصل أهل غزة أخيراً على فترة راحة مؤقتة من الفظائع التي يرتكبها يهود ضدهم، غير أن هذا الاتفاق لا يعني أن العنف والفظائع قد توقفت تماماً، فلا تزال التقارير تتوالى عن الجرائم المستمرة في الضفة الغربية، في ظل تصريحات دونالد ترامب وأفعال بنيامين نتنياهو، والتي تؤكد أن هذه الفظائع لن تتوقف.

طوال فترة هذه الإبادة الجماعية، أظهَر حكام المسلمين لامبالاة صادمة، فقد نادتهم الأمة وطالبتهم بإرسال الجيوش لتحرير فلسطين، أرضاً وشعباً، لكنهم لم يحركوا ساكناً، وبدلاً من ذلك، اكتفوا بإطلاق تصريحات هزيلة ومبهمة، ينددون فيها بجرائم الاحتلال، بينما استمروا في علاقاتهم التجارية والدبلوماسية معه، وبعد كل هذا، قبلوا بحلٍّ "قانوني" مع كيان لا يُلقي بالاً لأية قوانين أو أعراف دولية.

لقد تساءلنا مراراً: كيف يمكن لهؤلاء الحكام الصمت على تلك المجازر، في حين يعتصر الألم قلوبنا على ما يتعرض له أهلنا في فلسطين؟ لكن التطورات السياسية كشفت الحقيقة الصادمة المروعة، وهي أن هؤلاء الحكام لا يحرِّكهم سوى المصلحة، فجميعهم يستفيدون، بطريقة أو بأخرى، من استمرار هذه الفظائع، سواء بدعمهم المباشر لكيان يهود أو بتحالفهم مع أمريكا، أما السبب الآخر لهذا التخاذل، فهو أن هؤلاء الحكام مستعدون لارتكاب مثل هذه الجرائم إن كان ذلك يخدم مصالحهم.

في سوريا، على سبيل المثال، كشفت التقارير عن الفظائع التي ارتكبها النظام المجرم بحق شعبه، فقد كان الناس هناك يقولون: "الجدران لها آذان"، في إشارة إلى شبكة المراقبة الاستخباراتية الواسعة التابعة للنظام المعروفة باسم المخابرات، والتي جعلت أي انتقاد للنظام خطراً يهدد صاحبه بالاختفاء في أحد مراكز الاحتجاز العديدة أو أحد السجون السرية، إحدى هذه السجون هو سجن صيدنايا "الأحمر" الذي أُطلق عليه لقب "المسلخ البشري"، حيث كان موقعاً لممارسة التعذيب المنهجي والقتل، وقد كان يُستخدم لسحق المعارضة السياسية، خاصة بعد اندلاع الثورة في سوريا سنة 2011.

"من بين أساليب التعذيب المستخدمة ما يسمى بـ"الدولاب"، حيث يُجبر السجناء على الانحناء داخل إطار سيارة ضخمة ثم يتم جلدهم، فيما يعرف باسم "الفلَقة"، حيث يتم ضرب باطن أقدامهم بالكوابل، كما يتم تعليق السجناء من معصميهم أو أذرعهم لفترات طويلة، ما يؤدي إلى خلع مفاصلهم وإصابات دائمة، وأفاد المحتجزون بأنه تم استخدام التجويع المتعمد، أو إعطاؤهم كميات ضئيلة من الطعام غير الصالح للاستهلاك، وحرمانهم من ضوء الشمس الطبيعي، ما تسبب في سوء التغذية الحاد، والأمراض الجلدية، ومشكلات صحية خطيرة أخرى، لقد كانت الرعاية الطبية متوقفة بالكامل تقريباً، حتى في الحالات الشديدة، ما أدى إلى وفاة العديد نتيجة الإهمال الطبي، كما تم استخدام العنف الجنسي كوسيلة لإذلال المعتقلين والسيطرة عليهم". (الجزيرة)

"وتوجد أيضاً تقارير تفصّل كيفية مساعدة مصر لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، حيث كانت مصر بمثابة وجهة لـ"التعذيب بالوكالة" الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية". (تايم)

أما في الأردن، فقد فرضت السلطات تدابير صارمة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، بحجة مكافحة الإرهاب، فقد وسّعت تعريف الإرهاب في القانون الأردني، وزادت عدد الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام أو بالسجن المؤبد، وقد قدّمت الحكومة مؤخراً مشروع قانون لمكافحة الإرهاب، معروض حالياً للنقاش أمام البرلمان الأردني، حيث سيؤدي إقراره إلى مزيد من التضييق على الحريات العامة وحقوق الإنسان.

كما تلقت منظمة العفو الدولية تقارير عديدة عن أفراد اعتُقلوا بسبب معتقداتهم الإسلامية، وتعرضوا للتعذيب والاحتجاز لفترات طويلة دون محاكمة، في الواقع، لا يقتصر استخدام التعذيب في الأردن على القضايا السياسية، بل يمتد ليشمل المشتبه بهم في الجرائم الجنائية العادية.

وقد صرّح مسؤول سابق رفيع المستوى في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بأن "الأردن يتصدر قائمة شركائنا الأجانب... فهم على استعداد لتقديم المساعدة بأية طريقة ممكنة". كما قال مسؤول آخر: "إذا أرسلت سجيناً إلى الأردن، فستحصل على استجواب أفضل". (منظمة العفو الدولية)

وفي تركيا، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش انتهاكات وجرائم حرب من اختطاف واعتقالات تعسفية واحتجاز غير قانوني وعنف جنسي وتعذيب على يد الفصائل المدعومة من تركيا في شمال سوريا بل ومن عناصر الأمن التركية أنفسهم، كما كشفت المنظمة عن تورط القوات المسلحة التركية وأجهزة الاستخبارات في تنفيذ هذه الانتهاكات والإشراف عليها، وقد تضمنت هذه الانتهاكات مصادرة الممتلكات، والابتزاز، والسرقة، إضافة إلى الفشل في الحد من هذه الانتهاكات أو تقديم أي تعويض للضحايا.

قال آدم كوجل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش: "ستستمر الانتهاكات لمن يعيشون تحت السلطة التركية في شمال سوريا، بما في ذلك التعذيب والاختفاء القسري، ما لم تتحمل تركيا المسؤولية وتتخذ إجراءات لوقفها". وأضاف: "المسؤولون الأتراك ليسوا مجرد متفرجين على هذه الانتهاكات، بل إنهم يتحملون المسؤولية بصفتهم القوة المحتلة، وقد تورطوا بشكل مباشر في ما يبدو أنها جرائم حرب". (هيومن رايتس ووتش)

أما في فلسطين، فلطالما مارست السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني مع جيش الاحتلال، مستخدمة أساليب قمع مشابهة لتلك التي يمارسها الاحتلال، وقد ظهر ذلك جلياً في حملتها القمعية في جنين، حيث فرضت حصاراً خانقاً، وقطعت المياه والكهرباء، ومنعت دخول المواد الأساسية، كما نشرت قوات الأمن التابعة لها قناصة على أسطح المباني، وأقامت الحواجز لتقييد حركة المقاومين، إضافة إلى الاعتقالات والتعذيب الموثق بحق العديد من المعتقلين.

وفي السعودية، يعلم العالم كله بما ارتكبته في اليمن، فضلاً عن الجريمة البشعة التي استهدفت الصحفي جمال خاشقجي، والتي لا تزال حاضرة في الأذهان.

أما في باكستان، فقضت الدكتورة عافية صديقي أكثر من 20 عاماً في السجن بسبب جريمة لم ترتكبها، بعدما تخلت عنها باكستان بل وتواطأت في تسليمها إلى أمريكا، حيث تعرضت للتعذيب والسجن الظالم حتى يومنا هذا.

كل هذه الأمثلة تمثل نقطة في بحر الفظائع التي يرتكبها حكام اليوم. وهنا نقولها بوضوح وصراحة، ألا يدفعنا هذا الواقع للتساؤل عن سبب قبولنا بحكم هؤلاء الظلمة؟ لماذا نسمح لهم بفرض سلطتهم علينا وهم يرتكبون الفظائع ضد أبناء أمتنا رجالا ونساء وأطفالا؟ هل هو الخوف؟

إذا كان الأمر كذلك، فيجب أن نتذكر أن كل ما يصيبنا هو بأمر الله وهو ابتلاء منه سبحانه وتعالى، ويجب أن نوقن تماما بأن البلاء هو اختبار منه سبحانه ليجزي الصابرين بصبرهم درجات في أعلى عليين، قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقال أيضاً: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾.

كيف لنا إذاً أن نخافهم؟ أليس من المفترض أن نشعر بالغضب وبالاشمئزاز من هؤلاء عند رؤية هذه الجرائم تماما كما نشعر بالغضب عند رؤية جرائم الاحتلال في فلسطين؟

إذا كنا نشعر بالغضب، فلماذا لا يدفعنا ذلك إلى إزالة هؤلاء الحكام الذين يمنعوننا من حماية إخواننا وأخواتنا المسلمين؟ لماذا نسمح لهم بالمطالبة بولائنا؟ لماذا نقبل بهم حكاماً علينا؟

هذه كلها أسئلة يجب أن نتأملها، ومع تفكيرنا بها، علينا أن نسأل أنفسنا: متى سينفد الصبر ويفيض الكيل؟

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فاطمة مصعب

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر