كلمة المهندس عثمان بخاش مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير الثانية في المؤتمر العالمي للمثقفين المسلمين بجاكرتا/إندونيسيا المنعقد بتاريخ 14 - 2013/12/15م        التغييرات السياسية العالمية وحتمية الخلافة (مترجم)    
December 16, 2013

كلمة المهندس عثمان بخاش مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير الثانية في المؤتمر العالمي للمثقفين المسلمين بجاكرتا/إندونيسيا المنعقد بتاريخ 14 - 2013/12/15م   التغييرات السياسية العالمية وحتمية الخلافة (مترجم)  


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المقدمة: السياسة الدولية


عززت الثورة الصناعية في أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر، المنافسة بين القوى الأوروبية الإمبريالية بقيادة فرنسا وبريطانيا. وتنافست كل من إسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا، وبعد ذلك كل من إيطاليا وألمانيا، للحصول على حصة من الهبة الدولية. وعلى الرغم من مشاحناتهم الداخلية: إلا أنهم جميعا وبالإضافة إلى روسيا يتشاركون بالإجماع، الكراهية ضد الأمة الإسلامية والخلافة العثمانية. وبسبب تزايد الانحطاط الفكري والسياسي للأمة الإسلامية طوال القرن التاسع عشر، اتسعت الفجوة بين الدول الغربية الصاعدة والأمة الإسلامية، وهذا ما أدى بأن يشعر معظم المسلمين، وخاصة قادة الفكر والنخبة السياسية، باليأس والإحباط حول كيفية مقاومة الهجمة الغربية التي تهدد الطريقة الإسلامية في الحياة، بل وحتى الهزيمة الكاملة لدولة الخلافة، وفي النهاية مصير الأمة الإسلامية...


وقد استخدمت الدول الغربية كل الوسائل والأدوات المتاحة لزيادة إضعاف الأمة الإسلامية، على الصعيدين الفكري والسياسي كإنشاء المدارس التبشيرية، والمستشفيات، والجامعات، بالإضافة إلى الجمعيات السرية التي تقوم بتعزيز القومية بين العرب والأتراك لتسويغ الأصوات العربية التي تدعو للاستقلال من سلطان "الأتراك"، وتعزيز النزعة القومية بين الشعب التركي للتخلص من عبء "العرب". وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بدأت كل من النخب العربية والتركية بالإعجاب بالنموذج الغربي العلماني كمثال للتقليد والاتباع. وفي الوقت الذي فشلت فيه السلطة السياسية العثمانية في مواجهة الهجمة الغربية فكريا وسياسيا على حد سواء، وفشل العلماء المسلمون بالارتفاع إلى المستوى المطلوب لتحدي العلمانية الغربية، ما مكن بريطانيا من لعب دورها بنشاط في تأييد وتشجيع بعض النشطاء العرب البارزين للمطالبة بالانفصال عن الخلافة العثمانية، بل وحتى حمل السلاح في ما كان يعرف باسم "الثورة العربية" التي قادها "لورانس العرب البريطاني" أثناء الحرب العالمية الأولى. ومن ناحية أخرى، كثف حزب الاتحاد والترقي التركي الدعوات لفرض القومية التركية التي غذت المزيد من الغضب العربي.


وعلى الجبهة الفكرية، جعلت بريطانيا من مصر قاعدة لنشر فلسفة العلمانية والمفاهيم السياسية الغربية، بما في ذلك الفتاوى التي أدلى بها محمد عبده وغيره من "العلماء" المسلمين الرائدين. وفي الوقت نفسه، عملت مختلف الإرساليات، وخاصة تلك التي تركزت في بيروت، بشكل مكثف لمواصلة تعزيز الأجندة العلمانية.


وتكلل كل هذا بهدم دولة الخلافة على يد العميل البريطاني مصطفى كمال، الذي كان ضابطا في الجيش العثماني، وكان مدعوما من قبل البريطانيين ليصبح بطلا قوميا! وبالتالي تمكينه من تدمير الخلافة ككيان سياسي، وفرض العلمانية والنظام القومي الوحشي في تركيا.


وبعد هزيمة الخلافة، تسابقت كل من بريطانيا وفرنسا لتنفيذ حلمهما الذي طال انتظاره: وضع سياسات وتدابير تهدف إلى ضمان أن دولة الخلافة سوف لن تنشأ أبدا مرة أخرى. واستندت هذه التدابير على المبدأ الشائن "فرق تسد". وبالتالي تم تقسيم الأمة الإسلامية إلى عشرات الدويلات التي وضعت معظمها اعتباطيا من قبل القوى الاستعمارية لغرض وحيد هو ضمان إخضاع الأمة الإسلامية للسيادة الغربية، ولمزيد من إزالة الإسلام من الحياة العامة، وفي الوقت نفسه الإسراع في نشر نمط الحياة العلماني الغربي وبضاعته الفكرية ونظرته المادية.


وهكذا نشأت في أنحاء البلاد الإسلامية مختلف الحكومات والأنظمة السياسية كالجمهورية الديمقراطية الزائفة، والإمارة، والملكية، والقومية والثورية والدكتاتورية الاشتراكية، والماركسية، والعسكرية وغيرها. والقاسم المشترك بينها جميعا هو سياسة وحشية يتبعها حكام طواغيت ويتم دعمها من قبل الدول الغربية.


وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، حققت بريطانيا نصيب الأسد من النفوذ السياسي والهيمنة العسكرية في معظم الأراضي والبلاد الإسلامية، تلتها فرنسا التي حافظت على نفوذ قوي في العديد من المستعمرات، خاصة في شمال أفريقيا.


ومن خلال إنشاء دولة يهود في فلسطين، أراد الإنجليز استخدام الكيان اليهودي باعتباره رأس الحربة وآخر معقل للدفاع عن المصالح الاستعمارية الغربية في مكافحة عودة دولة الخلافة.


وردا على الهجوم الغربي ضد الأمة الإسلامية، بدأت تتشكل في وقت واحد تقريبا حركتان متوازيتان: تميزت إحداهما بالنزعة القومية، في حين أن الأخرى كانت موجهة تجاه الإسلام. ولكن بما أن الإسلام قد تم إقصاؤه حديثا من الساحة السياسية وبطريقة مهينة للغاية، فقد كانت الحركة الإسلامية لينة جدا ومترددة في التعبير عن أهدافها وطموحاتها. في حين كانت الحركات القومية أكثر صخبا، وعنفا وقوة، واستطاعت تنظيم حركات التحرر الوطني التي أدت إلى تحرير شكلي لغالبية البلدان من حكم الاستعمار. واستطاعت الحركات القومية إلى حد كبير أن تكسب دعم الحركات الإسلامية في ذلك الوقت. ففي شبه القارة الهندية، أيدت الجماعة الإسلامية بقيادة سيد أبو الأعلى المودودي الحركة القومية لمحمد علي جناح. وأيد "الإخوان المسلمون" في مصر، الحركة القومية برئاسة جمال عبد الناصر.


وعلى الرغم من هزيمة الأمة الإسلامية وتدمير دولة الخلافة، فقد ظلت جذوة الإيمان، والإيمان بالإسلام كأيديولوجية، مشتعلة في قلوب وعقول كثير من المسلمين المخلصين. وهكذا قام مختلف العلماء والباحثين بجهود كبيرة في محاولة لإحياء الأمة من خلال العمل الدعوي، وإنشاء جماعات وحركات وأحزاب تسعى جميعها إلى عكس اتجاه انخفاض الأمة، واستعادة كبريائها وكرامتها من خلال العودة إلى الحياة الإسلامية.


وطوال خمسينات وستينات وسبعينات القرن المنصرم، قادت الحركات الإسلامية الكبرى صراعا قويا غير عنيف وتمكنت من تأكيد الإسلام كأيديولوجية رئيسية تسعى إلى إعادة تشكيل حياة الناس بموجبه في إدارة شؤونها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وفي عام 1979، نجحت الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخميني في إسقاط النظام الوحشي لشاه إيران باستخدام وسائل غير عنيفة من الثورة. وقد أثبت هذا لجماهير المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي بأكمله أن الحركات الإسلامية لديها القدرة على تحدي الحكومات القائمة.


وعملت الأنظمة المدعومة من قبل القوى الاستعمارية على زيادة الضغط ضد الحركات الإسلامية مما أجبر بعض الحركات على اتخاذ وسائل عنيفة وعدوانية.

وقد خلق الظلم والقمع الوحشي من قبل الحكومات المختلفة وأجهزة الشرطة والاستخبارات التابعة لها، جوا من العنف والعنف المضاد في العالم الإسلامي ككل.

وقد أدى ذلك إلى خلق ظاهرة جديدة داخل الحركة الإسلامية، التي روجت التسلح كوسيلة للانتقام من القهر وكوسيلة ممكنة للسيطرة على الدولة بالقوة.


في ظل هذه الظروف، برزت حركة الجهاد في مصر حيث سجن غالبية أعضائها وتعرضوا للتعذيب في السجون المصرية. وخلال الفترة نفسها، أي في ثمانينات القرن الماضي، اندلعت حرب الجهاد في أفغانستان ضد الاحتلال السوفييتي. وعلى الرغم من أن الجهاد في أفغانستان قد تم بدعم من أمريكا وعملائها من حكام المسلمين، فقد امتدت على مدى عقد من الزمان، أسفرت عن هزيمة منكرة للسوفيت ولكن الأهم من ذلك أنها أثارت صحوة روح الجهاد في جميع أنحاء الأمة الإسلامية. وقد أرسلت الهزيمة السوفياتية رسالة قوية للمسلمين بأن الإسلام هو وسيلة حيوية لاستعادة كرامة الأمة وتحريرها من الاحتلال الأجنبي.


وكان انتصار المجاهدين في أفغانستان، إلى جانب القمع الوحشي في الجزائر ضد الفوز الانتخابي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، في عام 1991، قد قاد العديد من الشباب المسلمين إلى الاعتقاد بأن الجهاد، وليست الانتخابات الديمقراطية، هو السبيل لإحداث التغيير الإسلامي في الدولة والمجتمع.


وقد كان الصراع والنزاع السياسي الدولي يدوران، حتى انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، حول محور الشرق - الغرب: فالتنافس السياسي، مصحوبا بالمواجهة العسكرية، يعكس الصراع الإيديولوجي بين النظام الرأسمالي، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والنظام الاشتراكي، الذي يقوده الاتحاد السوفياتي.

وفي العام نفسه، أعلن المفكر السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما الانتصار النهائي للديمقراطية الليبرالية، التي صورها بوصفه أنها أيديولوجية سياسية مثالية للبشرية في كتابه المعروف "نهاية التاريخ".


وقد أثبتت الأحداث أن إعلان فوكوياما الانتصار هو سابق لأوانه... فموت الاشتراكية لم يعن نهاية التاريخ، بل كان يعني فصلا جديدا في السياسة الدولية والصراع الدولي، وفوق كل شيء، فإن التغيير الجذري هو نتيجة لتغييرات تدريجية جارية تخترق السطح حتى تجمع ما يكفي من الزخم ومن ثم تنجح في احتلال مركز الصدارة.


في حين أن النصف الأول من القرن العشرين قد شهد تشديد قبضة القوى الاستعمارية الغربية على الأمة الإسلامية، وحملات وحشية لفرض النظام السياسي العلماني الغربي على أساس القومية، فقد شهد الجزء الأخير منه رفضا قويا من قبل المسلمين للمخططات الغربية، والالتزام بنفس القدر من القوة والعزم على السعي لاستئناف الحياة الإسلامية من خلال السعي لإقامة الدولة الإسلامية.


وقد أثبتت الأنظمة القومية المختلفة التي تم نصبها الغرب في بلاد المسلمين فشلا مزريًا، وكانت الهزيمة في حرب 1967 نقطة تحول، ليس فقط لجمال عبد الناصر في مصر، ولكن أيضا للنظام القومي العلماني. وبالمثل، أثبت حزب البعث في سوريا والعراق بأنه كارثي. وكذلك، أثبتت جبهة التحرير الوطني التي قادت الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، بأنها طاغية لا يرحم في قمع تطلعات الشعب المسلم لحياة كريمة تحت ظلال الإسلام. وفي تونس، قلد بورقيبة "مصطفى كمال التركي" في فرض النظام العلماني الوحشي على الشعب. أما في باكستان، فعلى الرغم من أن الدولة قد قامت على فرضية كونها مشروع الأمة الإسلامية، فإن القيادة السياسية الفاسدة نافست القادة العسكريين في استرضاء السادة الغربيين في لندن وواشنطن، وحتى التضحية بكشمير للاحتلال الهندي؛ ولا يتردد القادة العسكريون هناك في قتل الذين يدعون إلى الشريعة الإسلامية، بينما في الوقت نفسه يمنحون تراخيص مفتوحة للحكومة الأمريكية للقتل عبر باكستان وأفغانستان.


ورغم عقود من المناشدة بـ "الاستقلال" عن الاحتلال الاستعماري، فإن المسلمين في جميع أنحاء العالم قد استمر فيهم ظهور العديد من علامات الانحطاط المرئية: فالقمع السياسي كان على نطاق واسع، والأراضي المحتلة لم يتم تحريرها، والفقر كان في ازدياد متواصل، وحقوق الإنسان استمر انتهاكها بشكل كبير من قبل الأنظمة والحكومات بدعم من القوى الغربية، التي أدانت رسميا وعلنا الانتهاكات، ولكنها في الواقع أيدت الجناة. وقد أثبت القادة السياسيون المرتبطون بالقوى الغربية بأنهم الأكثر فسادا في العالم أجمع.


أما فكريا، فليست الاشتراكية وحدها هي التي أفشلت شعبها وانهارت تماما، ولكن على قدم المساواة، أثبتت الرأسمالية بأنها طاغوت لا يرحم، والتي أفشلت الغالبية العظمى من الناس في جميع أنحاء العالم، وتركت الفقراء أكثر من الأغنياء، والمضطهدين أكثر من الأحرار. وظهرت الفضائح المنتشرة للديمقراطية الليبرالية في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، كما تجلى في انتهاكات معتقل غوانتانامو سيئ السمعة، وسجني أبو غريب وباغرام.


وقد عبر فوكوياما نفسه بالفعل عن فشل النموذج العلماني في أعقاب الأزمة المالية في شهر أكتوبر 2008، حيث أقر بفشل أسس النموذج السياسي الأمريكي القائم على الديمقراطية الليبرالية وكذلك فشل سياسات السوق الحر؛ فمن ناحية فشل النظام السياسي إلى حد ما فقد عبر عنه فوكوياما بقوله: "إن خليج غوانتنامو والسجناء المقنعين في سجن أبو غريب قد حلت مكان تمثال الحرية كرمز أمريكي في نظر العديد من غير الأمريكيين". ومن ناحية أخرى، فإن الاقتصاد الأمريكي القائم على أساس نموذج السوق الحر قد أدى إلى ركود عالمي. فالدَّيْن الأمريكي قد وصل إلى ما يقل بقليلٍ عن 40 تريليون دولار - حوالي 75٪ مما ينتجه العالم. وهذا يظهر للعالم حقيقة أن أمريكا ليس لديها الحق في الحديث عن حقوق الإنسان أو الديمقراطية وليس لديها ما تقدمه للعالم من حيث القيم المادية أو الجوهرية. وفي الآونة الأخيرة كذلك، وأنتم تعلمون ذلك جيدًا هنا في جاكرتا، فإن التجسس الأمريكي على حكومات العالم والسياسيين والمواطنين، قد أضاف وسام شرف آخر إلى حلمهم الأمريكي؛ حلم عقلية رعاة البقر الذي يود استعباد العالم أو القضاء على مثيري الشغب بحسب مبدأ "المصير الواضح"، والذي برر لهم فيما مضى القضاء على وحشية الهنود الحمر وفقًا لنظرتهم الإمبريالية فقاموا بالقضاء على شعب بأكمله.


إن مفهوم عدم استقرار أمريكا يمكن تلخيصه بكلمات الكاتب الأمريكي ديفيد ماسون في كتابه الذي بعنوان القرن الأمريكي: "الولايات المتحدة هي في نهاية فترة قيادتها وسيطرتها على العالم والذي قد تمتعنا به على مدى الخمسين سنة الماضية أو نحوها. البلاد مفلسة اقتصاديًا. لقد فقدنا تفوقنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لم نعد بحالة جيدة بالمقارنة مع بلاد أخرى في جميع أنحاء العالم. ولا يُنْظر إلينا باعتبارنا نموذجًا للسياسة والاقتصاد، كما كنا سابقًا. ولذلك هذا يمثل حقيقةً تحول عالمي في تاريخ العالم، لأمريكا ولبقية العالم على حد سواء".


اسمحوا لي بتتبع المسألة تاريخيًا: دفع هذا بعض السياسيين المحافظين البارزين أو بتعبير أدق "المهجورين / الذين قد عفا عليهم الزمن" الذين يتوقون إلى المثل العليا التي دعا إليها الاشتراكيون. كإجراء وقائي، فإن انهيار الاتحاد السوفياتي قد دفع بعض السياسيين البارزين أو الجدد إلى الدعوة إلى تغيير العديد من السياسات التي تنفذها الدول الرأسمالية، والتي تعرف بسياسات الرفاهية، لمقاومة خطر الشيوعية المتصاعد في أعقاب الكساد العظيم، ولكن الآن وقد زال خطر الشيوعية؛ فإنهم قد أخذوا بالدعوة إلى العودة إلى الدولة الرأسمالية "الصحيحة" على أساس "حرية العمل وحرية التجارة"، أي بمعنى إن تدخل الدولة يكون في حده الأدنى وبجعل مبدأ داروين "البقاء للأصلح" هو الذي ينظم مصائر الضعفاء والمسحوقين تاركين هؤلاء لسياسات الرأسمالية التي لا ترحم.


والآن اسمحوا لي بإسقاط المسألة نفسها على الوقت الحاضر. الآن وقد زال خطر الشيوعية فإن القوى الغربية بحاجة إلى بعبع وعدو خارجي لحشد الشعوب الغربية في حرب صليبية جديدة؛ والمقصود بهذا العدو هو الإسلام.


وكون المسلمين اليوم في حالة ضعف شديد، فلم يترك الرأسماليون اسمًا للإرهاب إلا وقد اتهموهم به، فقد أصبحت الأمة الإسلامية فزاعة دولية تستخدم كلما كان هناك فشل أو انهيار. لقد تمت هجمات 9/11 بتصميم وتخطيط وتنفيذ وكالة المخابرات الأمريكية لتبرير إطلاق القوة الأمريكية من أجل السيطرة والقرصنة العالمية تحت شعار: لا صوت يعلو فوق صوت الحرب على الإرهاب. وتحت غطاء هذا الشعار تمت مهاجمة واحتلال أفغانستان التعيسة وتمت مهاجمة واحتلال العراق. وعندما انكشفت أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، فإن أمريكا ادعت أن الحرب على العراق كانت لنشر وتعزيز الديمقراطية.


وتعتبر مغامرة رعاة البقر الأمريكية هذه هزةً عنيفة أدت إلى صحوة المسلمين في كل أنحاء العالم: انكشف الذئب على حقيقته وهو يلبس لباس حمل وديع: عدو وحشي ضد الإسلام والمسلمين. وقد قامت الإدارات الأمريكية بسن العديد من القوانين التي تهدف إلى كسب المعركة لـ "عقول وقلوب" المسلمين، ولكن حقيقة الأعمال الأمريكية المخادعة تكشف وتفضح أكاذيبهم الخادعة.


إن الثمن كان وما زال باهظًا ومدمرًا للأمة الإسلامية جميعها، وعلى الرغم من انكشاف أجندة أمريكا الاستعمارية وحلفائها في أوروبا الغربية جنبًا إلى جنب مع حليفتهم روسيا والحكام المستبدين الذين ينوبون عنهم في محاربة الإسلام، على الرغم من أن ذلك قد استغرق بعض الوقت، إلا أن الأمة أخيرًا وعت حقيقة وطبيعة هذه الحرب الصليبية الجارية التي يقودها هذا التحالف الدولي على الإسلام.


لا يجب أن ننسى أنه خلال القرن التاسع عشر، كانت الأمة الإسلامية تعيش حالة من الضعف المستمر، وكان من جراء ذلك أن وقعت الأمة فريسة للثورة الصناعية الغربية وفلسفتها السياسية القومية القائمة على العلمانية. إن هذا التأثير، في ذلك الوقت، قد امتد لأكثر من قرن قبل أن يتعاون بعض المسلمين مع الاستعمار البريطاني لهدم الخلافة، بينما كان أغلبية المسلمين يغطون في سبات عميق.


الأحداث الأخيرة التي وقعت تحت مظلة الربيع العربي قد ساهمت كذلك في كشف حقيقة السياسة الاستعمارية الغربية وخصوصًا السياسة الأمريكية. وقد أدان مجلس الأمن استخدام "بشار أسد" للأسلحة الكيميائية في سوريا في الهجمات التي وقعت في 2013/8/21 والتي أدت إلى قتل رهيب راح ضحيته 1429 شخصًا، منهم 426 طفلًا. ولكن مجلس الأمن هذا قد أصبح مجلسًا أصمَّ وأبكمَ فيما يتعلق بمقتل ما يزيد عن 125 ألف ضحية نتيجة لسياسة الأرض المحروقة التي تنتهجها قوات "أسد" في كل أنحاء سوريا؛ وهذا المنطق السخيف الذي يتمثل في منع قتل الناس بواسطة الأسلحة الكيميائية، بينما يسمح القتل باستخدام الأسلحة التقليدية مثل البراميل المتفجرة والقنابل المدفعية والصواريخ والدبابات والطائرات العسكرية، هذا بالإضافة للقتل الوحشي نتيجة للتعذيب في سجون قوات الأمن السوري.


وفي مصر، شهد العالم وشعر في أعقاب الفوضى أن الديمقراطية ما هي إلا أكذوبة واضحة عندما دعمت أمريكا الانقلاب بقيادة وكيلها الجنرال السيسي.


واليوم، قد تنكر المسلمون للنموذج العلماني الغربي ويسعون بوعي لتحقيق الكرامة والعزة في العودة للحياة الإسلامية. والإحصائيات تظهر تأييد الأغلبية الساحقة من المسلمين في كثير من البلدان حتى يصبح الحكم وفق أحكام الشريعة الإسلامية، كما ورد في تقرير الإحصاء السنوي الذي أجراه منتدى بيو. إذ قد وجدت هذه الدراسة أن 99٪ من سكان أفغانستان يفضلون حكم الشريعة الإسلامية وكذلك في بلاد أخرى كبنجلاديش والمغرب وباكستان وماليزيا وفلسطين والعراق وُجد أن متوسط التأييد لعودة حكم الشريعة يتجاوز 80٪.


وقد بدأت بوصف عملية التراجع الفكرية والسياسية للأمة الإسلامية في مواجهة الصراع الغربي المتزايد خلال القرن التاسع عشر والذي بلغ ذروته بهدم دولة الخلافة. وخلال القرن العشرين قد فشلت كافة الأساليب التي اتخذتها القوى الغربية الاستعمارية في سحق تطلع الأمة ورغبتها في عودتها للحياة وفق طراز الإسلام في العيش.


فعلى الصعيد الفكري، فإن الأمة الإسلامية متمسكة تمامًا بالمحافظة على طراز الإسلام في العيش، وقدمت تضحيات جليلة في السعي لاستئناف الحياة الإسلامية.

ففي آسيا الوسطى قد شهدنا كيف يصر أبطال الإسلام على تحدي الطغاة، وفي روسيا قد شهدنا كذلك المواقف البطولية نفسها للأخوة والأخوات الشجعان، وفي باكستان ومصر وتونس وتركيا ولبنان... قد سمع العالم بصوت عالٍ وواضح الدعوة لإقامة للخلافة من قلب جاكرتا إلى المدن الرئيسية في بنجلاديش وباكستان.

إذ إن العمل لإقامة الخلافة الراشدة في تركيا قد تمت الدعوة إليه بأعلى الأصوات بالقرب من قبر مصطفى كمال، ونفس الدعوة المبلورة قد تمت في تونس بالقرب من قبر العلماني بورقيبة وكذلك من أعماق سجون الطغاة في آسيا الوسطى، وفي بيروت معقل العلمانية في العالم العربي. لقد أوجد الربيع العربي أملًا عالميًا للتخلص من قبضة النظام الرأسمالي، إذ إن حركة "احتلوا وول استريت" المشهورة التي نجحت في تحريك وجمع الناس للتظاهر في 1000 مدينة دولية كانت عبارة عن صدى يتردد لشعار "الشعب يريد إسقاط النظام".


إن القوى الاستعمارية الغربية قد أسرعت للالتفاف على الثورات في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا من خلال ركوب موجة الغضب من الأنظمة الفاسدة. ولكنهم فشلوا في القضاء على الثورة البطولية في سوريا. أنا لا أدعي أن الثورة السورية قد انتصرت، لا ليس بعد. ولكنني أقول إن أمريكا قد شنت حملة إرهابية ضد المسلمين الشجعان في سوريا لم يشهد مثلها منذ أيام ستالين وهتلر. وقد أذنت أمريكا للطاغية "أسد" باستعمال كل وسائل القتل والتدمير التي يملكها بما في ذلك الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة التي تضرب بكل عشوائية، بسبب عدم وجود أنظمة توجيه فيها لتوجيهها نحو هدف عسكري أو استراتيجي محدد. بدلًا من ذلك تصب حممها الإرهابية على المدنيين العزل، فالصواريخ والقذائف المدفعية والطائرات العسكرية وصواريخ أرض - أرض... ومع ذلك فقد فشلت أمريكا في كسر عزيمة المسلمين في سوريا. وبدلًا من كسر عزيمتهم، فإن الناس في سوريا تتزايد يومًا بعد يوم مطالبتهم ودعوتهم لإقامة الخلافة الإسلامية. لقد استخدمت أمريكا روسيا وإيران والعراق لتزويد "أسد" بكل أنواع الأسلحة الفتاكة ولزيادة قدرته القتالية دون جدوى. لقد شهدنا توحد القوى الثورية الرئيسية في سوريا تحت الجبهة الإسلامية، على أساس العمل لإقامة الدولة الإسلامية، وتعلن بكل إصرار رفضها الكامل لدولة ديمقراطية في سوريا في مرحلة ما بعد "أسد".


إن الظروف الدولية الآن مهيأة أكثر من أي وقت مضى لفجر جديد لدولة الخلافة القادمة، التي بشر بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث التالي، قال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعهـا إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» [مسند الإمام أحمد].


أدعو بكل قوة أننا - الأمة الإسلامية اليوم - سندرك قريبًا نور دولة الخلافة الساطع التي سوف تحررنا من أغلال أنظمة تحكم بغير حكم الله، وعندها نتنسم الطمأنينة التامة.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر