March 05, 2014

جواب سؤال: حول تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة

(سلسلة أجوبة العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك)

جواب سؤال: حول تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة

إلى Ayman Alfjjary



السؤال:


السلام عليكم، سؤال لأميرنا الآن وخليفتنا قريبا إن شاء الله:


ورد في كتاب الدولة الإسلامية في موضوع بيعة العقبة الثانية وما بعدها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه (فكر) في أكثر من موضع، مع أن الموضع يكون وحياً من الله وليس تفكيرا من الرسول صلى الله عليه وسلم مثل: فكر بالهجرة، والهجرة وحي من الله.


أرجو توضيح المقصود بالتفكير هنا، وبارك الله فيكم؟

الجواب:


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته


قبل الجواب مباشرة عن تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة، فإني أعيدك إلى بداية طلب النصرة حتى بيعة العقبة الثانية ثم الهجرة، وذلك ليتضح الجواب بإذن الله:


1- لقد توفيت خديجة رضي الله عنها قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وفي العام نفسه توفي أبو طالب، كما جاء في عيون الأثر، حيث ورد فيه:
(...عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وَهِيَ أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ... ثُمَّ أَنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُصِيبَتَانِ: وفاة خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الإِسْلامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْكُنُ إِلَيْهَا، قَالَ: وَقَالَ زياد البكائي عن ابن إسحق: إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ توفيا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ ذلك بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مُهَاجِرِهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ.) انتهى


2- وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ: (تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَبِي طَالِبٍ بِخَمْسٍ وَثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ فِيهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ورَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبك يَا بُنَيَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ» وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ»)


3- في هذه الظروف الصعبة أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بحدثين كبيرين عظيمين، وهما الإسراء والمعراج، والإذن للرسول صلى الله عليه وسلم بطلب نصرة أهل القوة من القبائل لحماية الدعوة وإقامة الدولة... وموضوع الإسراء والمعراج ليس هنا مكانه، وأما طلب النصرة، فقد قال صاحب عيون الأثر وغيره من أهل السير:


(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في أواخر شوال سنة عشر من النبوة، خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ وَحْدَهُ - وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ - يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا منه ما جاءهم به من اللَّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الطَّائِفِ عَمِدَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ وَهُمْ أُخْوَةٌ ثَلاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيلَ، وَمَسْعُودٌ، وَحَبِيبٌ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غَيْرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ... ولم يستجيبوا... بل أغروا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ...) انتهى


4- بعد ذلك تتابع طلب النصرة، فقد كان رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ إذَا كَانَتْ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَيُخْبِرُهُمْ أَنّهُ نَبِيّ مُرْسَلٌ وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتّى يُبَيّنَ لَهُمْ مَا بَعَثَهُ الله بِهِ... فأتى عليه الصلاة والسلام كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَفِيهِمْ سَيّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ مُلَيْحٌ فَدَعَاهُمْ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ... وأتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول: "يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم" فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم... وأتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم... وأتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فاشترطوا أن يكون لهم الأمر في الحكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الأمر لله يضعه حيث يشاء»، فرفضوا وقالوا لا حاجة لنا بأمرك... ثم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما... قال علي: وكان أبو بكر في كل خير مقدما، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو... قال: لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر: أوَقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا؟ فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤووني وتنصروني فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغنى الحميد... فقال القوم... وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم في الرد إذ فصحتم في الصدق وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه».


5- ثم ورد في عيون الأثر وفي غيره من كتب السير:
(قَالَ ابن إسحق: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الأَنْصَارِ، رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ فَقَالَ لَهُمْ الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَفَلا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ... فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُولِئَك النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُوا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلا يَسْبِقَنَّكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإِسْلامِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا...) انتهى


فلما استدار العام وعادت الأشهر الحرم وجاء موعد الحج لمكة، أتى الموسم من السنة الثانية عشرة اثنا عشر رجلا من أهل يثرب فالتقوا هم والنبي بالعقبة، فبايعوه بيعة العقبة الأولى. جاء في حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار: (وفي الموسم من السّنة الثّانية عشرة: وافاه اثنا عشر رجلا من الأنصار، فبايعوه عند (العقبة) بيعة النّساء...)


أخرج أحمد في مسنده عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ عَلَى: «أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ».


6- فلما انصرفوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير كما جاء في سيرة ابن هشام وغيرها من السير:
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ... قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ... فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ... ولكن الله شرح صدرهما للإسلام...، فأسلما، وأقبل سعد عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ... فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا (وَأَوْصَلُنَا) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا باللَّه وبرسوله. قَالَا: فو الله مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً، وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ...).


7- وجاء في سيرة ابن هشام وفي حدائق الأنوار وغير ذلك من السير: (ثُمَّ إنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ من السنة الثالثة عشرة للبعثة مَعَ حَجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ، وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ... قَالَ كَعْبٌ: ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْعَقَبَةِ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا... قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا... قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم... قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ (نَبِيًّا)، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا (عَنْ كَابِرٍ). قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ، وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا - يَعْنِي الْيَهُودَ - فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ... قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ الْحَرْبِ - وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ...) انتهى


8- وهكذا تمت بيعة العقبة الثانية، بيعة النصرة بعد أن فشا الإسلام في المدينة، ثم الهجرة فإقامة الدولة. ويتبين من كل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بطلب النصرة منذ السنة العاشرة للبعثة، أي قبل بيعة العقبة بنحو ثلاث سنين حيث كانت بيعة العقبة الثانية في موسم السنة الثالثة عشرة للبعثة، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان موحى إليه بأعمال طلب النصرة، فيبحث عن أهل القوة من القبائل ويطلب نصرتهم، ولما جاءته أخبار المدينة من مصعب بن عمير، ثم جاء الثلاثة والسبعون رجلاً والمرأتان فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المدينة مؤهلة لأن تنصره لإقامة الدولة وإعزاز الإسلام والمسلمين، وفكر بالهجرة لها لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبحث عن أهل القوة لينصروه ويذهب إليهم ويقيم حكم الإسلام، فالتفكير في الهجرة اقتضاه طلب النصرة نفسه، فكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قبيلة ويطلب نصرتها، فكذلك كان عندما علم أن المدينة المنورة أصبحت مؤهلة لأن تعطي النصرة وتقام الدولة فيها، ولذلك فإن تفكيره صلى الله عليه وسلم بالهجرة للمدينة لم يكن خارجاً عن مقتضيات طلب النصرة الذي أوحى الله له به منذ ثلاث سنين قبل بيعة العقبة الثانية. ومع ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد أن أراه الله سبحانه دار الهجرة، وأذن له صلى الله عليه وسلم بالهجرة كما جاء في البخاري: (قال ابْن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ، إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً... فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْمُسْلِمِينَ: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ» وَهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»... قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: عُرْوَةُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ»...).


9- وهكذا فإن التفكير بالهجرة إلى المدينة بعد أن وصلته صلى الله عليه وسلم أخبارها هو من مقتضيات طلب النصرة التي أذن الله له به منذ السنة العاشرة للبعثة، فهي كذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم للطائف وبني شيبان وبني عامر... ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحول هذا التفكير لعمل إلا بعد أن أراه الله سبحانه دار الهجرة وأذن له صلى الله عليه وسلم بالخروج: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ» و«فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ» كما جاء في البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.


آمل أن يكون الموضوع قد اتضح لك، والله سبحانه ولي التوفيق.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

رابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

رابط الجواب من موقع الأمير


رابط الجواب من صفحة الأمير على الغوغل بلس

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك