إسلاميون أم مسلمون؟!
March 18, 2014

إسلاميون أم مسلمون؟!


عندما زار الرئيس الأمريكي أوباما مصر في الرابع من حزيران/يونيو 2009 وألقى خطابه الشهير في قاعة الاستقبال الكبرى في جامعة القاهرة أراد أن يخفف من وطأة التواجد الأمريكي في المنطقة والمجازر التي ارتكبتها القوات الأمريكية بحق المسلمين، فكان تفريقه بين الإسلام والإسلاميين هو سلم النجاة الذي تشبث به، فقال إن أمريكا لا تحارب الإسلام كدين ولا المسلمين كأمة، وإنما هي تحارب حركات سياسية أو إسلاميين يصارعون الولايات المتحدة لأسباب سياسية. ويومها صفق له الكثيرون، وعندما افتتح خطابه بالسلام عليكم، كتب البعض ونحن نقول وعلى أوباما السلام.


لقد أراد البعض أن يجعل من مصطلح "الإسلاميين" علامة دالة على فريق من المسلمين هم: "طلائع الفكر والعمل الإسلامي، المشتغلون بصناعة الفكر والذين يقودون العمل لوضع هذا الفكر في الممارسة والتطبيق"، وانطلاقا من هذا التعريف يقول الدكتور محمد عمارة: "فكل إسلامي هو مسلم وليس العكس دائما صحيح". والحقيقة أن هذا المصطلح سرى بين المسلمين سريان النار في الهشيم وأصبح علامة فارقة على رجال التيار الإسلامي بجميع فصائله تمييزًا لهم عن نظرائهم من رجالات التيار العلماني. ولعل استعمال هذا المصطلح ساعد كثيرًا الغرب وأزلامه في بلادنا من توجيه سهامهم المسمومة للإسلام تحت ذريعة أن هذه السهام موجهة للإسلاميين وليس للإسلام، مما مكنهم من وصف هؤلاء الإسلاميين بما يشاؤون بل وسبهم وتقبيحهم، فهم تجار دين، غير وطنيين، متطرفون وإرهابيون، كاذبون بل وحتى منافقون، وما هم إلا طلاب سلطة من أجل مصالحهم الخاصة فقط، ولائحة الاتهام حينئذ تطول، ومن هذه السهام وأشدها القول بأنهم لا يملكون مشروعا نهضويا للأمة، بينما هم يريدون القول أنْ ليس في الإسلام مشروع نهضوي يتعلق بالحكم والسياسة.


إنها محاولة لسلب المسلم أهم ما يميزه، وهو كونه مسلما يرى أن الإسلام له طراز خاص في العيش، وأنه بصفته مسلم يجب أن يعيش حياته في ظل شريعة الرحمن، يلتزم بها في أموره الفردية وتطبق عليه الدولة باقي أحكام الإسلام، وهذا ما عليه الكثرة الكاثرة من المسلمين الذين يتمنون العيش في ظل أحكام الإسلام، كما وأن الحركة الإسلامية لا يمكنها أن تقيم دولة الإسلام وحدها، بل هي تعمل مع الأمة وبينها لتتخذ قضية الحكم بالإسلام قضية مصيرية لها. ومن هنا لا يمكن فصل الحركة الإسلامية عن جماهير الأمة ففي هذا الفصل موت لها وإخفاق ما بعده إخفاق، فشعور الأمة أن قضية الحكم بالإسلام ليست قضيتها، وأن هناك في الأمة من يعمل لذلك، وهم من يُطلق عليهم الإسلاميون، يجعلها منفصلة عن قضية حيوية لها، لا يمكن تحقيقها في أرض الواقع إلا بها. ولهذا فإن استعمال مثل هذا المصطلح هو أمر مقصود منه صرف الأمة عن الالتفاف حول رجال منها، يصلون الليل بالنهار ليعيدوا للأمة مجدها وعزها في ظل دولة إسلامية تطبق الإسلام في الداخل وتحمله للخارج بالدعوة والجهاد. كما يجعل أبناء الحركة الإسلامية ودعاتها معزولين عن أمتهم وفي مرمى النيران، ويجعل من الإسلام إسلامَيْن!، إسلام تدين به الأمة، وإسلام سياسي يحمله إسلاميون، برغم أنه لا يوجد سوى إسلام واحد جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو دين شامل لكل مناحي الحياة، هو دين ومنه الدولة، هو دين يمزج المادة بالروح، ويجعل الأمة والدولة والأفراد يسيّرون أمورهم كلها وفق أوامر الله ونواهيه.


لقد أحدث أعداء الله مصطلح "الإسلاميين" ليُشعروا عامة المسلمين أن ما يدعو إليه هؤلاء النفر شيء غريب على عامة "المسلمين" ولا يلزمهم بشيء، مما يوجد حالة من العزلة الشعورية بينهم وبين باقي أبناء الأمة يترتب عليها خذلانٌ عملي عن نصرة هؤلاء الدعاة، فينفرد بهم اللئام من أعداء الله تنكيلاً في السجون، وتشهيراً على الملأ، ومطاردةً في كل أرجاء الأرض، والأمة الإسلامية غافلة لا تشعر أن أمر هؤلاء يعنيها في شيء، فعامة الأمة مسلمون أما أولئك فإسلاميون!.


لقد أصبحت مسألة الحكم بالإسلام وإقامة دولة الإسلام دولة الخلافة على منهاج النبوة مطلبا لقطاع عريض في الأمة، رضوا بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا، وبالخلافة نظام حكم. ومن غير المتصور أن يكون هناك مسلم يرفض أن يرى دينه مطبقا في واقع حياته، حتى نُصنِف الناس إسلاميين ومسلمين، وإن كانت (لوثة العلمنة) قد أصابت بعض أبناء المسلمين فأدخلتهم في صف أعداء المشروع الإسلامي الذي يحمله أبناء الأمة المخلصون. ومن هنا لا يمكن الركون والتسليم بوصف من يعمل لتحكيم شرع الله في واقع حياة الأمة بالإسلاميين، لأن في هذا الوصف محاولة لإخراج الأمة من حلبة الصراع، وهذا ما يراهن عليه الغرب وأذنابه في بلادنا.


﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾



كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو