حزب التحرير: التنظيم الأكثر إرعابا للغرب وعملائه
July 16, 2014

حزب التحرير: التنظيم الأكثر إرعابا للغرب وعملائه


شهدت بداية القرن الماضي أفظع مرحلة مرّت بها الأمة الإسلامية وبداية أسوأ حقبة تعيشها البشرية. فبعد دخول المستعمر أراضي الأمة الإسلامية، وتمزيق الخلافة أشلاء، لقي أهل البلاد بصفة عامة والمسلمون بصفة خاصة أبشع أنواع العذاب والتنكيل على يد القوات الإنجليزية والفرنسية والروسية وغيرها. وقد ظهر في أقوالهم وعلى أفعالهم أثار حقد دفين عمره مئات السنين ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾. فهذا اللورد ألنبي يصرح بكل تشفٍ حين دخل فلسطين "الآن فقط انتهت الحروب الصليبية". أما الجنرال غورو فقال أمام قبر صلاح الدين الأيوبي "ها قد عدنا يا صلاح الديّن".


وهذا الحقد لا زال يتدفق في قلوبهم إلى اليوم، وتصريحات زعماء العالم الغربي على مدى هذا القرن لا تزال تحمل من البغض والكره للمسلمين ما يجعل هذا الأمر بالنسبة لهم بمثابة العقيدة. فلم تخلُ حياة أي من زعماء الغرب من تصريح يبث فيه سمومه تجاه المسلمين. حتى إن جورج بوش الابن وصف حملته على العراق وأفغانستان بالحرب الصليبية المقدسة وأن هذه الحرب هي وحي إلهي لإنقاذ العالم من إمبراطورية الخلافة على حد تعبيره.


ولكن منذ أواسط القرن الماضي شهد العالم الإسلامي صحوة إسلامية شملت البلاد العربية خاصة والإسلامية بصفة عامة مع بروز عدة مفكرين وأدباء وسياسيين، أفرادا وجماعات، أسست لبروز أحزاب وجمعيات تدعو المسلمين للعودة إلى دينهم، بدأ الغرب يقلق ويتململ خشية نهضة الأمة التي تعني زوال ملكه. فما لبث أن بدأ يحوك المؤامرات ويعد الخطط لإفشال الصحوة الإسلامية واختراق صفوفها وتحويل وجهتها.


نجح الغرب في الالتفاف على الصحوة الإسلامية باختراق بعض التيارات فكريا وشراء ذمم أخرى وحتى في صناعة نموذج مسخ لفكره ألبسه لباس الإسلام في بعض جزئياته حتى يلبس على الناس دينهم ويشوش فكرهم ويضرب مفاهيمهم.


ولكنه فشل منذ نصف قرن من الزمن على التأثير على حزب التحرير الذي لمع فجره في الأقصى على يد الشيخ تقي الدين النبهاني سنة 1953 وانتشرت دعوته في قلوب أبناء الأمة المخلصين كالنار في الهشيم. فجعلت منهم سياسيين أثروا في كل مكان يتواجدون فيه فتهوي إليهم الأفئدة وبالمقابل تتهاوى عليهم أيادي النظم الجائرة منعا وتضييقا مستعملين كل الوسائل في محاولة يائسة للحد من تفشي دعوة حزب التحرير بين أبناء الأمة.


وإلى اليوم تلقى دعوة حزب التحرير - رغم أنهم يدركون أن حزب التحرير لا يتبنى الأعمال المادية منذ قيامه - الشدة والعنت من قبل النظم وأجهزتها. فلا تكاد دولة لحزب التحرير فيها وجود إلا ويلقى فيها من العنت والشدة ما يلقى.


فها هو في أوزبكستان يقدم آلاف الشهداء على يد المجرم كريموف وزمرته. وكذلك أمره في الدول التي كانت خاضعة للنظام الشيوعي في ظل الاتحاد السوفياتي. أما في الشام فيلقى من صنوف التضييق ما يلقى فلا تفتأ أنظمة الإجرام الضرار سواء في الأردن أو السلطة الفلسطينية إلا ويقبضون على شباب حزب التحرير في كل مناسبة. وبلغت بهم الدناءة للتعدي الجسدي على شباب حزب التحرير داخل بيوت الله.


وها هي دول منظمة شنغهاي تعقد مؤتمرا في طشقند بهدف التعاون الاستخباراتي في ما بينها لتبادل المعلومات في شأن نشاطات حزب التحرير وشبابه باعتباره تنظيما إرهابيا في دول الاتحاد الروسي قائلة "عدد القضايا الجنائية ضد متطرفي حزب التحرير قد ازدادت مؤخرا على أراضي الاتحاد الروسي، ولا بد من تكثيف الجهود المشتركة والتنسيق بين دول منظمة شنغهاي فيما يتعلق بهذه المسألة، مسألة تبادل الخبرات العملية" في محاولة فاشلة لنسبة الأعمال المادية لحزب التحرير.


وكما عودنا سياسيو البلاد الإسلامية والمتحكمون فيها فإنهم لا يضيعون فرصة يتقربون فيها إلى أسيادهم برفع التقرير لهم وأخذ تعليماتهم ومنعهم حملة الدعوة من تبليغهم أمر ربهم. العملاء يتسابقون لإرضاء المستعمر بتقديم الولاءات له ولو على حساب جراحات الأمة ضاربين بمشاعرها عرض الحائط وقد تراكمت مصائب الأمة ومآسيها من بورما إلى الصومال وأفريقيا الوسطى مرورا بسوريا والعراق. وها هي غزة. جرح الأمة الحي، يعود للنزف من جديد. دون أن ننسى معاناة مسلمي الصين الذين يذوقون الأمرين من حكومة جائرة تضيق عليهم حتى داخل بيوتهم وتجبرهم على إفطار رمضان.


أما في تونس فبعد تضييق دام ثلاثة عقود من الزمن لقي حزب التحرير فسحة في الوصول للناس في ظرفية سخرها الله بفضل ثورة مباركة. إلا أن المتنفذين في البلاد يسعون في كل مرة لإيجاد صيغة تشرع لهم منع حزب التحرير. وانتهى الأمر بحكومة التكنوقراط، بعد أن نغص عليها حزب التحرير عملها بأن ترسل لحزب التحرير تنبيها تحذره فيها بحله إن لم "يصحح" أفكاره بما يوافق المبدأ الرأسمالي ونظام الحكم الجمهوري وديمقراطيتهم المقدسة.


وإرضاءً للمستعمر وضمانا لمصالحه، أصدرت رئاسة الحكومة بيانا توجهت فيه لحزب التحرير بالتحذير لارتكابه ما أسمته مخالفات في "حق مدنية الدولة ودستورية القانون" إثر المؤتمر المبهر الذي انعقد يوم 22 جوان 2014 تحت عنوان "إقامة الخلافة وقلع الاستعمار". فالنظام الجمهوري المقدس الذي تقوم عليه حكومة التكنوقراط يخلخل أسسَه حزبُ التحرير ودعوة إقامة الخلافة. فهذه الدعوة تؤسس إلى رعاية شؤون الناس فردا فردا بما يكفي لهم الكفاية والرفاه على عكس النظام الرأسمالي الذي يتغذى من دم الفقير والمحتاج والمسكين لتكون أموالهم دولة بين الأغنياء منهم.


وقد تسابقت وسائل الإعلام لنقل تنبيه رئيس الحكومة مهدي جمعة لحزب التحرير كل حسب صياغته. فبالنسبة لهم - وأغلبهم ذو خط تحرير علماني يبغض كل دعوة لله شكلا ومضمونا - هذا القرار يشفي غليلهم حتى نفسيا، وإن كانوا يدركون تمام الإدراك أنه نباح على سحاب من قبل من لا يملك حتى رفع يده إلى رأسه دون إذن من أسياده. فهم يعُون أن حزب التحرير الذي تجتمع الدول لحربه وتسهر مراكز الدراسات والمخابرات في محاولة لإيقافه، لا تؤثر فيه مثل هذه المحاولات. فلعله نسي أن حزب التحرير لم تقف دعوته ولم تمنع إقبال الناس عليه أجهزة مخابرات دول تستعمل ضد شبابه أقذر وسائل وأساليب القمع من تضييق وسجن وقتل واختطاف...


إن دعوة حزب التحرير في تونس وغيره من بلاد الإسلام لم توقفها لا التحذيرات ولا التنبيهات ولا حتى التضييق والملاحقات منذ أن تأسس إلى اليوم. ولم يثن عزمه الجبابرة طوال عقود ولن يفعل الرويبضات. وسيبقى هو السباقَ دوما عملا واشتغالا على قضايا الأمة المصيرية، وسببَ القلق والأرق الأول للاستعمار وأذنابه، والمترجمَ الرؤوف لمشاعر أمته الداعي إلى الخير والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لائم.


﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسامة بن شعيب - تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر