حرية المعتقد عند أرباب الإسلام المعتدل كفاك كذبا يا غنوشي!!
May 27, 2014

حرية المعتقد عند أرباب الإسلام المعتدل كفاك كذبا يا غنوشي!!

نقل عن راشد الغنوشي في التاسع عشر من تموز/يوليو عام ألفين وثلاثة عشر ميلادية في محاضرة له في الغرب قال فيها: "حرية الضمير حرية جديدة خاصة بالبلاد الإسلامية، نحن في حركة النهضة أكدنا باستمرار أن مدخلنا الحياة السياسية منذ عام واحد وثمانين وتسعمائة وألف كان قيمة الحرية باعتبارها قيمة مركزية في الإسلام على نحو لا معنى لاعتقاد لا يستند إلى حرية ولذلك مبدأ ﴿لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ كما يقول الشيخ ابن عاشور مبدأ حاكم على غيره، ورغم أن هناك مفسرين من قدامى ومحدثين اعتبروا أن هذه الآية منسوخة بآيات تأمر بالجهاد لنشر الدعوة الإسلامية، لكننا تمسكنا تماشيًا مع الإيمان بقيمة الحرية أن مبدأ ﴿لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ينسخ كل فهم مخالف له".


الرد: لقد علق الغنوشي الترويج لحرية المعتقد بما يفهم من كلام عالم جليل من علماء جامع الزيتونة هو الإمام والعالم الطاهر بن عاشور رحمه الله صاحب المواقف، وتفسير "التحرير والتنوير" وقد أردت أن أرد على الغنوشي كلامه بأمرين اثنين ثم أناقش الموضوع من خلال الأدلة الشرعية:


أولاً: أثبت للقارئ الكريم كذب الغنوشي، وأنقل له كلام هذا العالم الكبير من كتابه التفسير.


ثانيًا: إن الغنوشي في كلامه الأخير قد أتى بطامة كبرى حيث علم أن بعض العلماء قال: إن آية ﴿لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ منسوخة بآيات الجهاد على أحد قولين: إما أنها منسوخة بآيات الجهاد، أو أنها غير منسوخة مع علمه بما قاله علماؤنا في حقيقة البحث في المسألة يقلبها الغنوشي فيجعل آية الإكراه في الدين ناسخة لكل ما يخالفها، ويقدس قيمة الحرية كما هي عند الغرب، محاولاً الاستناد إلى هذه الآية، وهو يعترف بداية بالتلاعب، ولا يعطي دليلاً على ما قال، بل يعتبر مجرد الولوج إلى الحياة السياسية يكفي دليلا على قيمة الحرية؛ حتى يرضي الغرب الكافر محرفًا لكلام الله، فهل نستكثر عليه أن يحرف كلام العلماء أو يكذب عليهم؟!


وإليكم بعض نقولات الطاهر بن عاشور في المسألة من خلال تفسيره المعروف بـ "التحرير والتنوير":


أولاً: "الردة لقب شرعي على الخروج من دين الإسلام، وإن لم يكن في هذا الخروج رجوع إلى دين كان عليه الخارج. (الجزء الثاني، صفحة 332)


ثانيًا: وقال: "وحكمة تشريع قتل المرتد مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية، فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادى على أنه لما خالط هذا الدين وجده غير صالح، ووجد ما كان عليه قبل ذلك أصلح، فهذا تعريض بالدين واستخفاف به، وفيه أيضا تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين، وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة، فلو لم يجعل لذلك زاجرٌ ما انزجر الناس، ولا نجد شيئًا زاجرًا مثل توقع الموت، فلذلك جعل الموت هو العقوبة للمرتد؛ حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: ﴿لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ على القول بأنها غير منسوخة لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم، والدخول في الإسلام، وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام". (الجزء الثاني، صفحة 336 - 337)


ثالثًا: وقال رحمه الله: "وقد أشار العطف في قوله تعالى (فَيَمُتْ) بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد، فيعلم السامع حينئذ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية، فتكون الآية بها دليلا على وجوب قتل المرتد". (الجزء الثاني، صفحة 335)


فيقول الشيخ: إن الردة لقب شرعي، إن انتقل من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي، فلا يطلق إلا على من ارتد عن الإسلام. ويقر الشيخ بعقوبة المرتد بالقتل، ويبحث في كتابه، وإن لم أنقله هنا اختلاف العلماء في آية ﴿لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ منسوخة أم لا، لكنه لا يقول بحرية المعتقد، بل بقتل كل من يبدل دينه ولا يجعل آية ﴿لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ناسخة للآيات، بل لا يجد تعارضًا بين الآيات، ويؤخذ بعقوبة المرتد من خلال الآية (فَيَمُتْ) فأين أنت يا غنوشي مما قاله هذا الشيخ الفاضل؟!


والآن دعونا ننظر إلى الآيات والأحاديث نظرة أصولية:


أولاً: قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. [البقرة: 256] (لا): النافية و(إِكرَاهَ) نكرة، والنكرة مع النفي تفيد العموم أي جنس الإكراه. والإكراه هو أن تدفع شخصًا على فعل أو قول يكرهه. والهمزة فيه للجعل والتحويل، نقول: (أكرهه، يكرهه، إكراها) أي جعله ذا كراهية. و(الدين) هنا جاءت معرفة بأل التعريف العهدية، أي الدين المعهود والمعروف وهو دين الإسلام، وليس أي دين آخر. ونفي الإكراه جاء خبرًا يفيد الطلب، وهو هنا تحريم الإكراه، أي لا يجوز أن تكرهوا أحدًا على الدخول في الإسلام جبرًا وقسرًا وكراهيةً.


وأيضًا تحريم الإكراه في الدين؛ لأن الإيمان هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، ولا يتصور أن يكره الإنسان على قناعاته، إذ لا سلطة لأحد عليها، وإنما تكون السلطة على الجوارح لا على القناعات، فلا يملك أحد أن يكره أحدًا على التصديق أو التكذيب، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾. [البقرة: 256] والإيمان قائم على البحث والنظر والاستدلال والاختيار، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. [الكهف: 29] لذا كان الإكراه في الدين غير متصور لا شرعًا ولا عقلاً. هذا جانب من الآية الكريمة التي قال الله فيها: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. [البقرة: 256]


ثانياً: أما قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. [البقرة: 193] فقد شرع الجهاد وهو القتال في سبيل الله لمقاتلة الكافرين حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، فكيف لنا أن نقاتل حتى يكون الدين لله، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. [البقرة: 256]؟!


وحتى ننفي وجود التعارض بين الآيتين نقول: إن الآية الأولى وهي قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. إنما تتكلم عن العقيدة فالدين عقيدة ونظام (سلطان) فقد منع الله تعالى الإكراه على الاعتقاد وعلى دخول الإسلام، ولكنه ألزم بالقيام على سلطان الإسلام، والآية الأولى إنما تتحدث عن الكفر الفردي ولو كثر، فلا يجوز الإكراه على الإسلام؛ لأنه سيكون من أهل ذمة المسلمين. ولكن الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. تتحدث عن سلطان الإسلام فيترك للكافر أن لا يؤمن لكن بشرط الالتزام بسيادة الإسلام وسلطانه، وأن يخضع لأحكامه، والآية الأخرى التي تؤكد هذا المعنى هي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. [التوبة: 29]


وهذا الفهم ما كان عليه السلف الصالح والعلماء بناء على حديث بريدة كما في صحيح مسلم في وصيته عليه الصلاة والسلام لأمراء الجيوش، فَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ والفيء شيء إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ».


وَلِكَي نَفْهَمَ حَدِيثَ بُرَيدَةَ هَذَا فَهمًا أُصُولِيًا نَقُولُ وَبِاللهِ التَّوفِيقُ:


أولاً: قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ». هذا هو الخيار الأول، فإن قبلوا بالخيار الأول أي إن أسلموا بإرادتهم فادعهم إلى التحول من سلطان الكفر إلى سلطان الإسلام، بقوله: «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ». ونسب الدار لهم بقوله: «دَارِهِمْ» نسبة سكنى، ونسب المدينة بقوله: «دار المهاجرين» نسبة للسيادة والسلطان معًا، حيث كانت الهجرة لها من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهي دولة الإسلام حيث السيادة والسلطان معًا، وقد ورد في الرواية: «وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ». فلهم جميع الحقوق التي للمسلمين، وعليهم جميع الالتزامات التي على المسلمين، ولكن إن أسلموا وظلوا في ديارهم ولم يهاجروا، فهم مسلمون، ولكن هناك أحكام تترتب على اختلاف الدارين، وليس كما يزعمون أنه تقسيم واقعي، ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ والفيء شيء إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ». فهناك اختلاف في الأحكام الشرعية تترتب على اختلاف الدار. إن كانت دارًا للمهاجرين أي إن كانت دار إسلام: للإسلام فيها سيادة، أو للمسلمين عليها سلطان. أو إن كانت دارًا للكفر: ليس للإسلام فيها سيادة، أو ليس للمسلمين عليها سلطان، وهنا ذكر الحديث بعض الاختلاف الذي يترتب على اختلاف الدارين فيها التزامات الدولة المالية تجاه تابعيها، ويحق لهم من الفيء والغنيمة إن اشتركوا في الجهاد.


ثانياً: قَولُهُ عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ». هذا هو الخيار الثاني وفيه تتجلى آية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. [البقرة: 256] أي لا إكراه في العقيدة فقط، فإن أبوا الإسلام، أي إن أبوا أن يؤمنوا فاطلب منهم الخضوع لسلطان الإسلام، وأن يعطوا الجزية. ولكن إن رفضوا الخيار الثاني، فلا نتركهم، بل نقول لهم: كما تريدون، ونحن قادمون على رأس جيش لقتالكم!! ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ». وهنا تتجلى آية: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. [البقرة: 193] ولفظة (الدين) هنا بمعنى السلطان، فخضوعهم لسلطان الإسلام ليس خيارًا اختياريًا إن لم يؤمنوا بل خيار يترتب عليه الحرب بين دولة الإسلام ومن يقف في وجهها حاجزًا ماديًا وعائقًا يحول بينها وبين بقية شعوب العالم لتبلغهم رسالة الإسلام! نعم نحن لا نكره أحدًا على العقيدة أي أن يؤمن بها، ولكن لن نقبل بغير سلطان الإسلام أن يسود الأرض، وهنا ننفي أي ادعاء للتعارض بين الآيات والله تعالى أعلم!


ثالثاً: أما الحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه». فمسألة أخرى لا علاقة لها بالمسألة الأولى، ولا علاقة لها بموضوع الإكراه على الدخول في الإسلام. بل إن مسألة الردة هي بحث آخر وموضوع قائم بذاته بعيدًا عن المسألة الأولى، فمسألة الحفاظ على العقيدة غير مسألة الإكراه عليها؛ لأنه سبق أن بينَّا أن الإكراه المحرم والمحدد في الآية الكريمة التي يقول الله تعالى فيها: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. [البقرة: 256] هو الإكراه على دخول الإسلام قسرًا وجبرًا، ولم تتناول الآية مسألة الكفر بالإسلام لنقول بالتعارض. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تعالوا بنا نقرأ تفسير الطاهر بن عاشور لهذه الآية. يقول رحمه الله: "وليس هذا، أي قتل المرتد، من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. [البقرة: 256] وقال رحمه الله: وقال: "وحكمة تشريع قتل المرتد مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية، فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادى على أنه لما خالط هذا الدين وجده غير صالح، ووجد ما كان عليه قبل ذلك أصلح، فهذا تعريض بالدين واستخفاف به، وفيه أيضا تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين، وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة، فلو لم يجعل لذلك زاجرٌ ما انزجر الناس، ولا نجد شيئًا زاجرًا مثل توقع الموت، فلذلك جعل الموت هو العقوبة للمرتد؛ حتى لا يدخل أحد في الدين إلا على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: ﴿لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ على القول بأنها غير منسوخة لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم، والدخول في الإسلام، وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام". (الجزء الثاني، صفحة 336 - 337)


رابعًا: وكيف لهؤلاء أن يفهموا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسائله للملوك والرؤساء: «أسلم تسلم». يسلم من ماذا، وهي رسالة دعوة وتهديد، وإن وراء هذا التهديد دولة تطبق ما تقول؟؟!!


خامسًا: أمَّا مسألة الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. [البقرة: 217] فهذه الآية تبحث ارتداد المسلم عن دينه أي عن الإسلام لقوله تعالى: (منكم) فالردة عن الإسلام جريمة كبرى، وليست حرية معتقد للفرد أو الجماعة أو المجتمع. يقول ابن عاشور رحمه الله تعالى: "وقد أشار العطف في قوله تعالى: (فيمت) بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد، وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد، فيعلم السامع حينئذ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية، فتكون الآية دليلا على وجوب قتل المرتد". (الجزء الثاني، صفحة 335) ويعضده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». وخلاصة المسألة أن الإكراه قد يراد به الإكراه على الاعتقاد، وهو هنا الدخول في الإسلام، وقد يراد به الإكراه على السلطان أي على الالتزام بحكم الله، وقد دلت الآية على الإكراه في الاعتقاد بدليل قوله تعالى بعدها: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. [البقرة: 256] ويبقى الإكراه على الالتزام بحكم الله قائمًا من هذه الآية وغيرها من أدلة سبق ذكرها.

قال القرطبي رحمه الله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. [البقرة: 256] الدين في هذه الآية المعتقد والملة بقرينة قوله تعالى: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. [البقرة: 256]


سادسًا: ومسألة الإكراه على الدخول في الإسلام ليست عامة لكل الناس، فقد يكره بعض الناس على الدخول في الإسلام قسرًا وجبرًا، وهذه المسألة خروج من عموم الإكراه، والدليل عليها قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّـهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. [الفتح: 16] فقد حددت الآية لهؤلاء الأعراب خيارين فقط: إما الإسلام، وإما القتل. قال أبو عبيد رحمه الله: "تتابعت الآثار عن رسول الله عليه السلام والخلفاء من بعده في العرب من أهل الشرك أن من كان منهم ليس من أهل الكتاب، فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل". وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: "أجمعوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب، ولم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف". وقال ابن حزم رحمه الله: "لم يختلف مسلمان في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل من الوثنيين العرب إلا الإسلام أو السيف إلى أن مات عليه السلام فهو إكراه في الدين". فأسألكم بالله أين أضع كلام الغنوشي وشيخه من قبله؟؟!!


سابعًا: وأخيرًا أنقل لكم كلام بعض العلماء وليس كل العلماء في هذه المسألة:


1. يقول الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله في كتابه "السير الصغير": قلت والكلام لأبي حنيفة: أرأيت الرجل إذا ارتد عن الإسلام كيف الحكم فيه؟ قال: يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه". (صفحة 197)


2. ورد في كتاب "الأم" للشافعي رحمه الله قوله: "فلم يختلف المسلمون أنه لا يحل أن يفادى بمرتد بعد إيمانه، ولا يمنُّ عليه، ولا تؤخذ منه فدية، ولا يترك بحال حتى يسلم أو يقتل". (الجزء السادس صفحة 169)


3. يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسائل عبد الله: سمعت أبي يقول في المرتد: يستتاب ثلاث، فإن تاب، وإلا قتل على حديث عمر بن الخطاب". (صفحة 430)


4. ويقول الإمام الطبري رحمه الله: "المسلمون جميعًا قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره على الإسلام قومًا، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر". (الجزء الثالث صفحة 17)


5. ويقول الإمام ابن عبد البر: "من ارتد عن دينه حل دمه، وضربت عنقه، والأمة مجمعة على ذلك".


6. ويقول ابن حزم في كتابه "المحلى": هذه الآية ليست على ظاهرها؛ لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه، وذكر أقوال العلماء".


والحمد لله رب العالمين




كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
حسن حمدان / أبو البراء

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر