August 30, 2014

حمل الدعوة بين تحريك الشعور الفكري وخطر اتباع المشاعر - الجزء الثاني -


تعرضنا في الجزء السابق إلى الشعور بنوعيه الفطري الجبليّ والفكري وبيّنا أهمية الأخير في حمل الدعوة. وقد أشرنا لأثر الشعور في حمل الدعوة وخطره على عملية التفكير في اتخاذ الأحكام على واقع الأمة حين التفاعل معها. وسنتعرض بإذن الله في هذا الجزء الثاني من المقال إلى تأثير المشاعر على حامل الدعوة والأخطار التي يمكن أن تواجهه.


إن حامل الدعوة صاحب حس مرهف وصاحب الشعور الفكري الأقوى - ويجب أن يكون - إلا أنه الأقدر على عدم الانجرار وراء المشاعر ولا ينبغي له حتى يبقى الفكر الذي يعمل به واضحا صافيا وتبقى الغايات المرسومة بائنة جلية. فهذا قد يجعل حامل الدعوة يذوب في الجماعة فتغلب مفاهيمها مفاهيمه وعوض أن يغير فيها هو ويؤثر فيها، يتأثر هو بالحراك المشاعري حوله فيصبح في أحسن حالته مجرد مترجم لما يشعر به الناس وقد يجره هذا للتعبير بأساليب خاطئة وشعارات تناقض الفكر دون وعي كشعارات العروبة أو الميل للعمل المادي بقصد التغيير. حتى إذا زال هذا الشعور وفتر وجد حامل الدعوة صعوبة في التفاعل مع الناس وبناء الوعي العام لديهم ما يسبب تفويت فرص كسب أشواط ويقدّم في المقابل سبيلا للعدو لمزيد من التغلغل ماديا وفكريا وفرصاً لنهش الأمة لمزيد من الزمن.


إن حامل الدعوة يستغل تأثر الناس بما يحدث للأمة وتَحرّك مشاعرهم ليبني الرأي العام الصحيح على الوعي العام الصحيح تجاه قضايا الأمة. فهو بالأساس يحاول في دعوته تحريك مشاعر الناس حتى تهوي القلوب إليه وتطمئن لمشروعه وترتقي لمستوى تفكيره لأن عامة الناس يحركها الشعور الجماعي إزاء الواقع العام، وكلما كانت الدعوة أقرب لمشاعرهم كان إيجاد الرأي العام بينهم أيسر وأوضح. ولهذا عمد العدو إلى قتل المشاعر الإسلامية في بلاد المسلمين بتلويث مفاهيمهم ودس سموم أفكاره فيها حتى يغيّب عنهم اتباع الطريق القويم ويرسم لهم طرقاً مجانبة للسبيل القويم للنهضة مرةً بالإسلام المعتدل وقبلها بالإسلام الكهنوتي واليوم يضخم صورة التنظيمات القتالية فيجذب الشباب المتحمس لتبني هذا المنهج وتنفير البقية من الإسلام بالتركيز على أخطاء ومخالفات هذه التنظيمات فيتوجه الرأي العام للمسلمين بين مدافع عنها وخائف منها، فيصير السؤال أي نموذج للإسلام تريدون؟ بدل أن يكون ما حكم الإسلام في هذه النماذج، فيتشتت فكر الناس عن المشروع الحقيقي للأمة.


لقد أتيحت اليوم فرصة بيان ضعف الكفار أمام عزم المسلمين بعد أحداث غزة، فما على المسلمين إلاّ اتخاذ الإجراء الصحيح لقلع الكيان الغاصب وتحريك جيوش المسلمين لنصرة أهل غزة بل فلسطين وكل المسلمين في العالم. إن إشعار الناس بوهن المحتل وضعف من وراءه أمام عزيمة المسلمين وإرادتهم لا يكون بتصوير أعمال المجاهدين المخلصين انتصارات، لأن عملهم هذا واجب يلقون بإذن الله جزيل الثواب عليه في الآخرة لذودهم عن الأرض والعرض، بل ببيان أن هذه الأعمال، على جميل أثرها في نفوس المسلمين وشديد وقعها على الكيان المغتصب لا تكفي لتحقق التغيير الجذري المنشود ولا يمكنها قلع الاستعمار وإن طالت ولن تحرر الأرض مهما بلغت أذيتها للمحتل، فأقصى ما قد ينتج عن هذه الأعمال المباركة هو درء الأذى ودفعه لفترة من الزمن قد تقصر أو تطول. على حامل الدعوة أن يحرك مشاعر الناس نحو التغيير الجذري ببناء الرأي العام بضرورة حمل الإسلام مشروعا مفصلا كحل لإنقاذ كل بلاد المسلمين من قيود النظم الجائرة والحكام الخونة والمستعمرين المجرمين.


إن من أصعب المراحل التي يمر بها حامل الدعوة وأخطرها حين يتعارض ما يحمله مع ما يطلبه الناس من حلول آنية ملحة يلتمس فيها الناس منفذا ومتنفسا من وحل الانحطاط، دون وضع أهداف واضحة ورسم غايات دقيقة من الأعمال المُطالَبُ بها حامل الدعوة أمام أمته. على حامل الدعوة أن يدرك أن الخطأ في تقدير التعبير عن المشاعر والانقياد لها قد يؤدي لاتخاذ إجراءات خاطئة وتبني مواقف مجانبة للصواب وبناء أحكام قد تخالف المبدأ.


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾



كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسامة بن شعيب - تونس

لقراءة القسم الأول اضغط هنــــا

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو