غزة... لونُ الدّم وريحُ المِسك
غزة... لونُ الدّم وريحُ المِسك

عندما أصيب المسلمون في معركة أحد، وخسروا سبعين منهم وكُسرت رباعيةُ الرسول عليه الصلاة والسلام وشُج وجههُ الكريم وأرهقه المشركون، وأثخِن أصحابه بالجراح، أنزل الحق سبحانه في حقهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي لا يصيبكم الضعف والحزن لما أصابكم ولما فاتكم وأنتم الأعلون؛ أنتم الأعلون بعقيدتكم، أنتم الأعلون بدينكم، أنتم الأعلون بمعية الله لكم.

0:00 0:00
السرعة:
January 20, 2025

غزة... لونُ الدّم وريحُ المِسك

غزة... لونُ الدّم وريحُ المِسك

عندما أصيب المسلمون في معركة أحد، وخسروا سبعين منهم وكُسرت رباعيةُ الرسول عليه الصلاة والسلام وشُج وجههُ الكريم وأرهقه المشركون، وأثخِن أصحابه بالجراح، أنزل الحق سبحانه في حقهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي لا يصيبكم الضعف والحزن لما أصابكم ولما فاتكم وأنتم الأعلون؛ أنتم الأعلون بعقيدتكم، أنتم الأعلون بدينكم، أنتم الأعلون بمعية الله لكم. قال الفخر الرازي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "أنتم الأعلون لِأنَّ قِتالَكم لِلَّهِ وقِتالَهم لِلشَّيْطانِ، لِأنَّ قِتالَهم لِلدِّينِ الباطِلِ وقِتالَكم لِلدِّينِ الحَقِّ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَكم أعْلى حالاً مِنهم، وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ بِالحُجَّةِ والتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ، وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ بَقِيتُمْ عَلى إيمانِكم". هكذا يبين الله سبحانه للمؤمنين أن ميزانهم ليس كميزان الكفار، وأعمالهم لا تقاس بالمقاييس الأرضية الوضعية.

نعم أصيبت غزة في جسدها وذهب الكثير من أهلها، ودُمرت منازلهم وسُويت بالأرض، ولكنها لم تُصب في دينها، خسرت الكثير من أبنائها ولم تخسر مبدأها، لأن الهزيمة أن تنحني أمام العدو، الهزيمة أن تذل لعدوك، الهزيمة أن تخسر مبادئك وتتنازل عن عقيدتك، الهزيمة أن تعطي الدنية في دينك، أما أن تخسر أرواحا وأموالا وبنيانا لأنك ثابت صابر مصابر فهذا هو النصر. النصر أن تقف شامخا ثابتا كالجبال متعاليا بدينك معتزا بربك حتى لو فقدت حياتك. وإننا نشهد لأهل غزة بأنهم صبروا وثبتوا ورابطوا وجاهدوا ولم يعطوا الدنية في دينهم، وحملوا من أجل دينهم ما لم تحمله الجبال الراسيات، ولا نزكي على الله أحدا، فاللهم تقبل أعمالهم وشهداءهم وآجرهم على بلواهم.. أنت رب المستضعفين.

عندما طُعن حرام بن ملحان يوم بئر معونة برمح من خلفه حتى أنفذ من صدره قال: "فُزتُ وربّ الكعبة"، وعندما أُلقي أصحابُ الأخدود في الخندق وقتلوا وأبيدوا عن بكرة أبيهم، قال فيهم رب العزة: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.

نعم، أصيبت غزة، ولكنها كشفت خيانة الخائنين، وتآمر الساقطين من حكام وعملاء وسقط المتاع...

أصيبت، ولكنها أسقطت هيبة الدولة الأولى في العالم وربيبها كيان يهود اللقيط.

أصيبت، ولكنها صمدت لأعتى آلة حربية على وجه الأرض، صمدت لقنابل أمريكا الذكية والغبية، صمدت لطائرات القتل والدمار، صمدت لقوات النخبة في كيان يهود، فأذلت رؤوسهم وأهانت كرامتهم.

أصيبت، ولكنها أظهرت وجه يهود القبيح أمام العالم فلم يعد لهم من نصير بين الأمم سوى أعوانهم من أنظمة وحكومات مجرمة.

أصيبت، ولكنها صمدت لخيانة "الأصدقاء" وخَوَر "الحلفاء" وطعن الجيران وخذلان "الناصرين".

أصيبت، ولكنها أسقطت القناع عن وجه النظام الدولي القبيح ليظهر تحيزه وظلمه ووحشيته للقاصي والداني.

أصيبت بقرح، وأصابت القوم بقرح عميق، لم تستطع كل الأنظمة المحيطة - على مدار عقود - أن تصيبهم بشيء مما فعله أهل غزة.

أصيبت نعم، ولكن الله اختار من أهلها شهداء ﴿وَیَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ عسى أن يتقبلهم عنده في عليين.

أصيبت غزة، ولكنها انتصرت...

انتصرت، ولكن بقيت الثكالى والأرامل، بقيت دماء الشهداء وجراح المكلومين نازفة دون معين.

عندما أغار بنو بكر (حلفاء قريش) على خزاعة حلفاء النبي عليه الصلاة والسلام وقتلوا وذبحوا ونكّلوا فيهم، ماذا رد رسول الله ﷺ على هذا العدوان؟ قال لزعيم خزاعة: «نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ» ونصره وأخذ بثأره ورد الحق لأهله وفتح على أثرها مكة.

يا أمة المليارين: إن غزة قطعة منكم، فمن لثاراتها؟ من لثارات الشهداء والجرحى والأرامل؟

لقد احترقت غزة لتضيء لكم الطريق، لقد قدمت ما قدمت من تضحيات لتسيروا على دربها فلا تخذلوها!

يا جيوش المليارين: لن يُضمد جُرح غزة إلا سواعدكم، ولا يأخذ لها بثأرها إلا رجالكم، فلا تتركوا دماءها تذهب سدى.

ألا إن زرع الخير الذي رأيناه في غزة لا بد أن يثمر يوما بإذن الله، وإن ثماره لا تزهر إلا في ظل الإسلام، وإن زرع الباطل في الأرض المباركة قد نما وآن حصاده، ولا تحصده إلا يد الإسلام، فاللهم هيئ لهذه الأمة أياديَ طاهرة ترعى ثمار الخير وتحصد زرع الباطل.

اللهم مُنّ على هذه الأمة بالنصر والتمكين لتحمل رسالتك ورحمتك للعالمين.

﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خالد علي – أمريكا

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو