تتسارع الأحداث تترى في الجزائر وليبيا مرورا بتونس بعد فترة من الهدوء النسبي الذي يسبق العاصفة في تونس، بعد سن دستور وتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مهدي جمعة، ونجاح فترة الانتخابات لعهدة رابعة لصالح بوتفليقة في الجزائر في انتظار الانتهاء من تعديل الدستور دون اضطرابات وقلاقل، نفس الأوضاع كانت في ليبيا بقيادة عبد الله الثني ومن بعده معيتيك بالرغم من وجود انتهاكات واختراقات من هنا وهناك لا تشكل خطرا كبيرا.
في الأثناء وفي دهاليز السياسة تنسج خيوط المؤامرة من قبل المارد الأمريكي بالتعاون مع الضب الفرنسي لدخول المنطقة واقتسام الكعكة بعدما استقر الأمر نسبيا للثعلب الخبيث الماكر البريطاني، إلى أن وجدت الثغرة في ليبيا المضطربة سياسيا بقيادة حفتر تحت مسمى محاربة الإخوان الجناح الحامي للإرهاب والذي يشكل خطرا على الأمن القومي ويطهر ليبيا بزعمه من الإرهابيين المارقين عن القانون إلى حين تشكيل حكومة يختارها البرلمان مستيقنا مسبقا بنجاح الإخوان بسباق الانتخابات، المبرر الوحيد للتدخل العسكري الأمريكي الفرنسي بالتعاون مع الجيش الجزائري التونسي.
وكالعادة كان الخبث الإنجليزي حاضرا لقطع الطريق أمام الأمريكان والفرنسيين ومنع أي تدخل عسكري في ليبيا. فأوعزت للإخوان الخروج من سباق الانتخابات لتكون مدنية بحتة. هنا أدرك الأمريكان خطورة الموقف وأيقنوا أن البوابة الأفريقية موصدة أمام أي تدخل خارجي، وتأكد لديهم ذلك خاصة بعد تعديل بوتفليقة المادتين 25 و173 من الدستور اللتين تحددان دور الجيش في حماية الحدود والحفاظ على وحدة الإقليم الجزائري ومنعه من تدخلٍ خارج الحدود إلا في حالة واحدة هي إنشاء قيادة للأمم المتحدة أو قيادة عربية موحدة في إطار الاتفاقية العربية للدفاع المشترك التي أرسلت الجزائر بموجبها قوات للمشاركة في حربي 67 و73.
هنا تدور العجلة من جديد لتتحرك فزاعة الإرهاب في كامل المنطقة فيقع تفجير قنبلة تودي بسبعة أفراد من الأمن الجزائري من قبل المخابرات كرسالة مشفرة للحكومة للعدول عن قرارها الأخير، إضافة إلى اقتتال متواصل في مدينة غرداية وحرائق هائلة تطال مساحات كبرى من الغابات الجزائرية ومصانع ذات أهمية...
في الأسبوع نفسه وبالتحديد في جبل الشعانبي البوصلة السياسية في تونس، يتم اغتيال 14 فردا من الجنود التونسيين ثم 4 آخرين بالكاف و6 حرائق متفرقة في العديد من المدن لتربك الوضع السياسي في تونس، وإثارة فزاعة الإرهاب من جديد واتهام المخابرات الجزائرية في هذه الأعمال الإجرامية، وتونس تستعد لانتخابات برلمانية ورئاسية، وتتبعثر كل الأوراق لتطال المؤسسة الأمنية والعسكرية، اتهامات بالعمالة وانشقاقات واستقالات أبرزها الجنرال الحامدي...
لم يكتفِ الأمريكان بإحداث فوضى خلاقة في كل من تونس والجزائر لتنتقل الشرارة إلى ليبيا لإبراز خطورة الجماعات المسلحة خاصة بعد تفجير محطة البترول وتفجير واختطاف طائرات مدنية بمطار طرابلس، إضافة إلى توحد كل الكتائب في حرب الكرامة ببنغازي ضد حفتر الذي مني بخسائر فادحة ومعلومات تفيد بهروبه إلى مصر، وإعلان بنغازي إمارة إسلامية تتوسع لتصل إلى الجنوب التونسي بعد الاتفاق المبرم بين مختار بلمختار الجزائري زعيم الموقعين بالدم وأبو عياض التونسي زعيم أنصار الشريعة لمحاربة الجيش التونسي في خبر نشرته صحيفة الصباح نيوز.
بركان سينفجر وخطر يحدق بالمنطقة بمجملها سارع بالخارجية التونسية ونظيرتها الجزائرية لعقد اجتماع لبحث خطر تدفق الليبيين إلى تونس، كما أعلن مهدي جمعة في خبر نشرته صحيفة النهار الجديد درجة التأهب القصوى على الحدود مع ليبيا ودعا الجزائر ومصر إلى قمة طارئة لمناقشة الوضع الأمني في ليبيا حسب ما نشرته صحيفة الفجر الجزائري.
في خضم هذه الأحداث المتتالية يظهر جليا إصرار أمريكا على دخول المنطقة بكل الوسائل والأساليب الممكنة وطرد أوروبا من مستعمراتها لتحل محلها وتبقى الدولة الأولى على الدوام، كما عبر عن ذلك محلل سياسي روسي مقرب من بوتين حينما قال: "إن الحرب العالمية الثالثة بدأت رسميا فلذلك بالنسبة لأمريكا كل الجيوش يجب أن تكون تحت السيطرة التامة فلا تتوقعوا أن يكون مستقبلا على رأس الجيش أحد لا يأتمر بأوامر أمريكية مباشرة".
وتبقى تونس والجزائر وليبيا وسائر بلاد الإسلام مسرحا للصراع الدولي بأدوات من الداخل لمزيد الخضوع والخنوع لإملاءات الغرب ومزيد تكريس الاستعمار، والشعوب الإسلامية تعاني الويلات لعقود من الزمن نتيجة لسياسة حكام باعوا الأرض وانتهكوا العرض واستكانوا...!!
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سالم أبو عبيدة - تونس