أسعار الفائدة السلبية ليست الحل للمشكلات الاقتصادية في أوروبا
June 24, 2014

أسعار الفائدة السلبية ليست الحل للمشكلات الاقتصادية في أوروبا


في وقت سابق من هذا الشهر، قدّم البنك المركزي الأوروبي (ECB) سلسلة من التدابير الرامية إلى تحفيز الاقتصاد المتعثر في منطقة اليورو، وتشمل: تخفيض سعر الفائدة من 0.25٪ إلى 0.15٪، ووضع حد أقصى للقروض طويلة الأجل (لغاية 2018م) للبنوك بنسبة 7٪. كما أخذ البنك المركزي الأوروبي أيضا التسهيل الكمي بعين الاعتبار، ولكن لم يصل ذلك إلى حد إعادة إدخاله (أي اعتماده). إنّ هذه التدابير، الجديدة منها والقديمة، لن تحل أيٌّ منها المشكلة الاقتصادية.


ومع ذلك، فإن ما لفت انتباه معظم الناس هو قرار البنك المركزي الأوروبي استخدام أسعار الفائدة السلبية، حيث خفّض سعر الفائدة على الودائع في البنوك من صفر إلى -0.1٪؛ لتشجيع البنوك على إقراض الشركات بدلا من إبقاء المال بحوزتها. وقد لاقى القرار استجابة حذرة فيما إن كانت أسعار الفائدة السلبية يمكنها أن تكون فعّالة في تبادل الثروات الاقتصادية في أوروبا فيما بينها. وقال هوارد آرتشر (كبير الاقتصاديين في المملكة المتحدة وأوروبا، والذي يعمل في اي اتش اس جلوبال انسايت): "على الرغم من أن المتوقع على نطاق واسع هو انتقاد بعض الدوائر لتلك التدابير، إلا أنها لا تزال خطوة جريئة وغير اعتيادية من قبل البنك المركزي الأوروبي. يجب أن لا تكون هناك شكوك كبيرة فيما يتعلق بكيفية تأثير أسعار الفائدة على الودائع السلبية".


منذ الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008م، والبنك المركزي الأوروبي يقوم بخفض أسعار الفائدة بشكل مستمر، في محاولة منه لتثبيط اكتناز السيولة النقدية، وتحفيز الإقراض، على أمل تحقق النشاط والنمو الاقتصادي. ولكن بالنسبة لاقتصاديات منطقة اليورو، فإن هذا لم يتحقق بعد، والسبب هو سعر الفائدة، ففي التفكير الاقتصادي الغربي سعر الفائدة هو الأداة الوحيدة التي يمكن للبنك المركزي استخدامها للسيطرة على المعروض النقدي وتعزيز النمو الاقتصادي. وهناك أيضا الضرائب، ولكن تأثيرها لا يكاد يُذكر مقارنة برفع سعر الفائدة أو خفضها. فعندما ينمو الاقتصاد بسرعة كبيرة، يرفع البنك المركزي عادة سعر الفائدة؛ لجعل الاقتراض أكثر تكلفة، وهذا بدوره يؤثر على المعروض من النقود. والعكس عندما يكون الاقتصاد في حالة ركود، فإن البنك المركزي يخفّض من سعر الفائدة؛ لتشجيع الإقراض وتوسيع عرض النقد.


ولكن في الواقع العملي فإن تعديل البنك المركزي لسعر الفائدة يجهد النظام المصرفي، وفي وقت الأزمة حُرِمت العديد من البنوك من النقد، فكان على البنوك العمل بكفاءة لتحقيق أرباح للمودعين، ولكن المودعين بحاجة إلى حوافز للاحتفاظ بأموالهم في البنوك، وطبعا هذه الحوافز هي الفوائد على إيداعاتهم. فإذا كانت الفائدة عليها عالية، فإن الرأسماليين الأثرياء يسحبون أموالهم من التداول ويودعونها في البنك، وعادة ما يرافق ذلك بيعٌ مكثّف للأصول والسلع، فتنخفض أسعارها بشكل كبير، وهذا يعني أن البنوك تتمتع بسيولة وفيرة، ولكنها تكون غير قادرة على إقراضها لأن الاقتراض مكلف. ومن ناحية أخرى، فإنه إن كانت الفائدة المدفوعة على الودائع منخفضة، فإن الرأسماليين الأثرياء يسحبون أموالهم من البنوك، ويستثمرونها في مكان آخر، وبالتالي يُحرم البنك من النقد، ومرة أخرى يكون غير قادر على الإقراض على الرغم من أن الظروف تكون مواتية لذلك، لأن مثل هذا النظام المصرفي لا يخدم الأثرياء فقط، بل ويكون تحت تصرفهم أيضا.


إنه، وللتغلب على حالات مثل هذه، تعتمد البنوك عادة مقياسين رئيسين: أ) اقتراض الأموال من الأسواق المالية بسعر فائدة منخفض ثم عرضها في وقت لاحق بمعدل فائدة أعلى، والفرق في سعر الفائدة هو الأرباح التي يجنيها البنك. ب) اقتراض المزيد من المال من الودائع من خلال نظام يُعرف باسم الاحتياطي الكسري. وبالرغم من أن هذه التدابير قد تنفع في الظروف العادية، إلا أنها تفشل في الظروف الاقتصادية الصعبة، وعادة ما تكون البنوك مثقلة بكميات كبيرة من الديون، في الوقت الذي يطلب فيه المودعون أموالهم، وحينها تتدخل الحكومات لإعادة النظام المصرفي. وهذا ما حدث في أعقاب الأزمة الاقتصادية عام 2008م، ولكن القطاع المصرفي هو دائما عرضة للمشاكل نفسها.


إنّ توفير المال في الإسلام ليس خاضعًا لسعر الفائدة، بل على العكس من ذلك، حيث يستند المعروض النقدي على كمية معينة من الذهب والفضة، أي يكون النقد مدعوماً بهما. وبالتالي، فإن المعروض من النقود لا يمكن أن يكون مبالغا فيه كما يحدث في النظام الاحتياطي في المجتمعات الرأسمالية، وبالتالي تكون أسعار السلع والخدمات مستقرة للغاية.


وعلاوة على ذلك، فقد حدّد الإسلام قواعد صارمة تحدّ من الثراء الفاحش، حيث حرّم كنز الثروات، فالتركيز كله في النظام الاقتصادي الإسلامي يكون على تعزيز تداول الثروة في المجتمع، بحيث يزيد النشاط الاقتصادي، فينمو الاقتصاد. وهذا بخلاف المجتمعات الرأسمالية، التي تركّز على زيادة ثروة الأثرياء، على حساب البقية المسحوقة.


يجب على المسلمين الذين يعيشون في أوروبا أن يأخذوا على عاتقهم شرح عيوب الرأسمالية وتوضيحها، وتسليط الضوء على فوائد الاقتصاد الإسلامي على جميع مستويات المجتمع.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو هاشم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو