علوُّ الهِمّةِ ودُنُوّها   الحلقة الأولى
May 15, 2011

علوُّ الهِمّةِ ودُنُوّها الحلقة الأولى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على دربهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )الذاريات56

هذا شعار المسلم السياسي المسئول، شعار ينبغي أن يقذف في قلوبنا الإحساس بالمسؤولية، والخوف على مصائرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ما خلَقنا الله عبثاً ولا من أجل الأكل والشرب والنوم والتناسل، فتلك مهمة البهائم، لتكون في خدمة بني البشر، أما الإنسان فقد خلقه الله تعالى لمهمة أسمى وأرفع وأعلى، هي عبادة الله تعالى وخلافته في الأرض وتطبيق حكمه, قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة30
وهذه المهمة السامية والعظيمة في آن واحد، ألا وهي استئناف الحياة الإسلامية, تحتاج همة عالية، ويقظة دائمة، وشعور بالمسؤولية لا يتوانى ولا يضعف، بقدر حجم هذه المهمة، وبقدر حاجياتها وتبعاتها.
رحم الله الفاروق عمر ورضي عنه حين قال فيما رواه عنه الهجنع بن قيس، قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (( والله ، إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبح الله)).كتاب السنن الكبرى للبيهقي

أحبتي الكرام: إن الإنسان يكون أشبه بالميت خارج دائرة الالتزام بأحكام الله، وحين يكون فيها (أي في دائرة الإلتزام بالأحكام الشرعية) يكون كالنخلة يانعة صيف شتاء, فيحمل همّ الأمة بهمّة عالية فيحزن لمصابها ويفرح لنصرها, يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, تكون مجسّاته متيقظة ليل نهار على حال الأمة يراقبها ويعيش معها لحظة بلحظة فإذا سمع عن مجازر سوريا وليبيا أو تقسيم السودان مثلا حزن وتفطر قلبه وهب هبة الأسد ناصحا واعظا مذكرا أبناء قطره أن يهتموا بمشاكل المسلمين حتى لو كانوا في بلاد الواق واق. بعكس من يسير بلا اتجاه ولا غاية ولا هدف محدد وطبعا بلا همّة، سوى تلبية الشهوات واتباع الهوى، شأنه شأن الأنعام، بل أضل سبيلا , كما قال رب العزة : (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا )الفرقان44

فالنقلة النوعية والميلاد الجديد يحدث للإنسان حينما يلتزم بدينه ويدخل في دائرة الإسلام ابتداءً, ومن ثم تعلو همّته أكثر فأكثر حين يعمل في حزب همّه استئناف الحياة الإسلامية من جديد وتطبيق شرع الله في العالم أجمع، حينئذ يحس بثقل المسؤولية وتبعات هذا الانتماء، متجسداً في تلك الأوامر الربانية والتوجيهات النبوية المتتالية في القيام بما عليه من واجبات.
أخواني الكرام:
هذه المقدمة تسوقنا إلى الحديث عن موضوعنا لهذه الليلة وهي: علو الهمّة ودنوها.
جاء في كتب اللغة: الهَمَّةُ والهِمَّةُ: ما هَمَّ به من أَمر ليفعله. وهي الباعث على الفعل، وتوصف بعلو أو سفول.. ويقال: إِنه لَعظيمُ الهَمّ وإِنه لَصغيرُ الهِمّة، وإِنه لَبَعيدُ الهِمَّةِ والهَمّةِ، بالفتح. ويقال الهِمة بالكسر: أي العزم, وتطلق على صاحب العزم القوي فيقال له ذو همة عالية. ويقال ملك همام: أي ذو ارادة عالية.
والهمة عملٌ قلبيٌ نفسي لا فكري فحين يدرك المسلم أن واقع عيش المسلمين اليوم منحط وفي أرذل الأمم لعدم حكمهم بما أنزل الله, وأن عليه العمل لتطبيق شرع الله من خلال دولة اسلامية, كان واجبا عليه أن يبادر بالعمل متلبساً به حتى يرفع عنها ما بها من ظلم وتقصير وهذا لا يكون إلا بهمّة وإرادة مسبقة للفعل.
فعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْرَابِيٌّ فَأَكْرَمَهُ ، فَقَالَ : " ائْتِنَا " ، فَأَتَاهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَلْ حَاجَتَكَ " ، فَقَالَ : نَاقَةٌ نَرْكَبُهَا ، وَأَعْنُزٌ يَحْلِبُهَا أَهْلِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ ! " ، فَقَالَ : " إِنَّ مُوسَى لَمَّا سَارَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ ضَلُّوا الطَّرِيقَ ، فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: إِنَّ يُوسُفَ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ : أَنْ لَا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ عِظَامَهُ مَعَنَا ، قَالَ : فَمَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ ؟ قَالَ : عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَأَتَتْهُ فَقَالَ : دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ ، قَالَتْ : حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي ، قَالَ : وَمَا حُكْمُكِ ؟ قَالَتْ : أَكُونُ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ ، فَكَرِهَ أَنْ يُعْطِيَهَا ذَلِكَ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : أَنْ أَعْطِهَا حُكْمَهَا . فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ إِلَى بُحَيْرَةٍ مَوْضِعَ مُسْتَنْقَعِ مَاءٍ فَقَالَتِ : انْضُبُوا هَذَا الْمَكَانَ ، فَأَنْضَبُوهُ ، قَالَتِ : احْتَفِرُوا وَاسْتَخْرِجُوا عِظَامَ يُوسُفَ. حديثٌ صحيحٌ حسنٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو يَعْلَى وابنُ حَبّانٍ في صحيحِهِ، وصَحَّحَهُ الحاكمُ

شتان ما بين همة وطموح وسمو هذه المرأة على الرغم من كبر سنها، وبين همة وطموح ذلك الأعرابي الذي سأل لنفسه بعض متاع الدنيا الزائل. ويحكى عن أبي عبيدة أنه قَال‏:‏ أجْريَتِ الخيلُ يوما، فجاء فرس فسبق، فجعل رجل من النَّظَّارة يُكَبْر ويَثِب من الفرحِ، فقيل له‏:‏ أكان الفرس لك‏؟‏ قَال‏:‏ لا، ولكن اللجام لي‏.‏
إن هذه المستويات المتواضعة من الرجال لا يمكن لها أن تنهض بالأمة، أو تُحدث تأثيراً.
والهمم كما هو معروف متفاوتة بين الناس, وأخص هنا بالحديث حملة الدعوة, فالأصل بحامل الدعوة أن يكون ذو همّة راقية عالية لا ترضى بسفاسف الأمور ولا أدناها, كما لا ينبغي للأنبياء والرسل أن يكونوا كذلك أيضا لا ينبغي لورثة الأنبياء والدعاة وحملة الدعوة ذلك.
وإن المتأمل لعظماء ورجالات الإسلام من الرعيل الأول ومن بعدهم ليرى أن علو الهمة هو القاسم المشترك بين كل هؤلاء الذين اعتزوا بالإسلام واعتز بهم الإسلام ، ووقفوا حياتهم لحراسة الملة وخدمة الأمة سواء كانوا علماء أو دعاة أو مجددين أو مجاهدين أو مربين أو عباد صالحين ولو لم يتحلوا بعلو الهمة لما كان لهم موضع في قوائم العظماء ولما تربعوا في قلوب أبناء ملتهم، ولما تزينت بذكرهم صحائف التاريخ و لا جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين. ولو لم يكونوا أصحاب همم عالية لكانوا أرقاما تضاف في عداد المسلمين لا غير.
فكم رجل يعد بألف رجل وكم ألوف تمر بلا عداد
وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم
وقال الحكماء: إذا كنت صفراً فكن ذا قيمة .

قال إبن القيم - رحمه الله تعالى - :علو الهمّة ألا تقف النفس دون الله .. ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية. فالهمّة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور.
فهذا الطبري قال يوما لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟
قالوا: كم يكون قدره؟
قال: ثلاثون ألف ورقة!
فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه!
فاختصره في ثلاثة آلاف ورقة، وأملاه في سبع سنين.
ثم قال لهم: أتنشطون لتاريخ العالم من آدم عليه السلام، إلى وقتنا هذا؟
قالوا: كم قدره؟ فذكر نحواً مما ذكره سابقا ( أي ما يقارب الثلاثين ألف ورقة أو يزيد)، فأجابوه بمثل ذلك، فقال رحمه الله: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو ما اختصر في التفسير.
وهذا ابن الجوزي:
سُئل عن تآليفه؟ فقال: زيادة على ثلاثمائة وأربعين مصنفاً، فكان كثير التأليف والتصنيف، قال الحافظ الذهبي عنه: ما علمت أحداً من العلماء مثل ما صنف هذا الرجل، فإنه لا يضيّع من زمانه شيئاً، وقد كان يكتب في اليوم: أربعة كراريس، مع اشتغاله بالتدريس والتأليف وافتاء السائلين.

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية جل فتاويه كتبها وهو في السجن ..
والإمام النووي رحمه الله وصف حياته لتلميذه ابن العطار.. فذكر له أنه كان يقرأ كل يوم اثنا عشر درسا على مشايخه شرحا وتصحيحا.. درسين في الوسيط , ودرسا في المهذب ,ودرسا في صحيح مسلم ,ودرسا في اللمع , ودرسا في إصلاح المنطق , ودرسا في التصريف ,ودرسا في أصول الفقه , ودرسا في أسماء الرجال , ودرسا في أصول الدين ,..قال وكنت اعلق على جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل.. ووضوح عبارة.. وضبط لغة..وبارك الله تعالى في وقتي ...

ومن أبرز صفات صاحب الهمة أنه ذو طموح ، الطَّمُوحُ : السَّاعي إلى المراتبِ العالية وصاحبُ الآمالِ العريضة؛ ويقال فرسٌ طموح، أيْ يعدو رافعاً رأسَه/ ويقال بحرٌ طموح، أي مرتفعُ الموج. والطموح كنز لا يفنى ولا يبلى ، ولا يسعى للنجاح من لا يملك طموحًا ، فصاحب الطموح دائمًا يتطلع للمعالي ، فهذا عمر بن عبد العزيز وكان صاحب همة عالية ، ونفس طموحة - يقول : " إنَّ لي نفسًا توَّاقة تمنت الإمارة فنالتها ، وتمنَّت الخلافة فنالتها ، وأنا الآن أتوق إلى الجنة ، وأرجو أن أنالها ".

أخي حامل الدعوة: همتك فاحفظها وارق بها، فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها، صلح له ما وراء ذلك من الأعمال. فشتان بين حامل دعوة يجلس ساعتين في الأسبوع متذمرا شبه نائم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر, متواكل على أخوته, مقصر في جنب الله, محمولا على الدعوة, كالورقة الصفراء في الشجرة اليانعة الخضراء, فهذا لعمري ثقل وجب انزاله لسير المركب أسرع فاسرع وسرعان ما يسقط وحده, وبين حامل دعوة ذو همة عالية مجد مثابر متفقه لا يرضي أن يكون عالة وثقلا أو رقما بل ترقى همّته إلى أن يصل ليله بنهاره حاملا الدعوة متصلا بالأمة, بل ويثقل كاهله في أن يرقى بشخصيته فيكون عالماً بما يلزمه من أحكام، مستزيداً من علوم الشرع ما وسعه ذلك، وفي الوقت نفسه تكون نفسيته إسلامية فيكون قائماً بأحكام الشرع، لا أن يعلمها فقط، بل يطبقها في كل أمره، مع خالقه، ومع نفسه، ومع غيره، على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه.

قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:" سبق درهم مائة ألف "، قالوا: يا رسول الله ، كيف يسبق درهم مائة ألف ؟! قال:" رجل كان له درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به ، وآخر له مال كثير ، فأخذ من عَرْضها مائة ألف "رواه أحمد وغيره

وإن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا بعض الوقت، ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً آثماً، وأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير ((عبء حمل الدعوة )) فماله والنوم ؟ وماله والراحة ؟ ماله والفراش الدافئ، والعيش الهادئ والمتاع المريح؟ فالمكارمَ مَنُوطَةٌ بالمكارِهِ، وأنَّ المصالحَ والخيراتِ واللذاتِ والكَمَالاتِ كلَّها لا تُنَالُ إلا بحظٍ من المَشقةِ، ولا يُعْبَرُ إليها إلا على جِسْرٍ منِ التَعَبِ.

ولقد عرّف رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة الأمر وقدره، فقال لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها : ((لا راحة بعد اليوم يا خديجة)) أجل مضى عهد النوم والدّعة ، وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب.

ونقل ابن قتيبة عن بعض كتب الحكمة :" ذو الهمة إن حُطَّ، فنفسه تأبى إلا عُلُوّاً، كالشعلة ِ من النار يُصَوِّبُها صاحبها، وتأبى إلا ارتفاعا ".
وقال صلى الله عليه وسلم:" من همَّ بحسنة، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة " رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم فيمن تجهز للجهاد، ثم أدركه الموت: " قد أوقع الله أجره على قدر نيته " أي قصده من العمل, رواه أحمد وغيره
وقال صلى الله عليه وسلم: " من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة". أَدْلَجَ القومُ إِذا ساروا الليلَ كله، فهم مُدْلِجُونَ.
وعَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وأَشْرَافَهَا ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا". رواه الطبراني
وقال ابن قيم الجوزية: كمال الإنسان بهمّة ترقيه وعلم يبصّره ويهديه.

مستمعينا الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:
كنا وإياكم مع موضوع : "علو الهمة ودنوها" على أمل اللقاء بكم مجدداً في حلقة أخرى إن شاء الله.

نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.