November 07, 2010

التطرّف والإعتدال

 {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ }(البقرة: ١٠٩)

 كثيرا ما نسمع هذه الأيام على ألسنة الحكام والساسة الغربيين وأعوانهم من حكام المسلمين ألفاظاً مثل التطرّف والإعتدال، والتشدد والوسطية، والأصولية وغيرها من الألفاظ التي ترمي إلى التمييز بين إسلام يقبله الغرب وإسلام مرفوض عندهم، أو للتمييز بين حركات مقبولة أو مرفوضة عندهم، ولكن قبل الخوض في هذه المسألة لا بد من الوقوف عند حقيقة أقرّها الإسلام قبل 14 قرناً، وهي أن الغرب لن يرضى عن الإسلام مهما كان شكله فلا إسلام معتدل ولا متطرّف، ولا وسطي ولا أصولي، بل إن الإسلام منبوذ عندهم جملةً وتفصيلاً، وما التمييز بين متطرّف ومعتدل إلا من باب ذر الرماد في العيون لصرف المسلمين عن الإسلام بالكُليّة، وذلك ما أخبرنا به سبحانه وتعالى في قوله: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم (البقرة120) فما هي حقيقة هذا التصنيف بين معتدل ومتطرّف، ومتشدد ووسطي وغيرها من تلك الأوصاف؟

إن الناظر في حال الأمة الإسلامية اليوم يرى أن هذه الأمة وبعد انهيار كيانها السياسي، وتقسيمه على يد المستعمر، وبعد زمن مرير من سقوط حضارتها وانحطاطها عن ركب الأمم، بدأت اليوم تدب فيها حيوية الإسلام، وبدأت تفيق من غفوتها شيئاً فشيئاً، مما أيقظ عيون الغرب عليها، بل أدهشه ما رأى من صمودها وجلَدِها، وكأن لسان حاله يقول: «أليست هذه هي الأمة التي قَتَلت أمها في إستانبول قبل تسع وثمانين سنة؟ أليست هذه هي الأمة التي مزقتُها إلى ما يزيد على خمسين مِزقة حتى لا تقوم لها قائمة؟ ألم نضع عليها حكاماً نواطير لنا يحرسون مصالحنا، يقتّلون أبناءها المخلصين، ويسومونهم سوء العذاب حتى تبقى في الدرك الأسفل من الأمم؟ ألم نغرس في قلبها خنجراً مسموما يُسمّى «إسرائيل» ليُبقي على ضعفها وهزالها؟ ألم ننهب خيراتها وثرواتها وننشر فيها كل أنواع الفساد والأمراض من قومية وقبلية وغيرها؟ فلو أن ما نزل بهذه الأمة قد نزل بالجبال الراسيات لهدّها! فما بالها وبعد كل ذلك قد بدأت تتعافى من جرحها، وتفيق من غفوتها، وتكاد تقف على قدميها من جديد؟ بل وتكاد تقف في وجهنا نداً لِنِدّ؟؟»

نعم لقد هالَ الغرب ما رأى من صمود هذه الأمة العظيمة، حتى جُنَّ جنونه، وفقد صوابه، فراح يشنُّ عليها حروبه الشرسة، تارة بالتصريح وتارة بالتلميح، تارةً يعلنها حرباً صليبية على الإسلام كما صرّح بذلك جورج بوش في أكثر من موضع، وتارة بالتضليل والتلبيس على المسلمين، حتى يتسنى لهم القضاء على الإسلام قضاءً مبرماً، وما فكرة التطرف والإعتدال إلا حلقة في مسلسل الحرب الخفية على الإسلام والتي لا بد من كشفها وإظهار حقيقتها للأمة.

إن ألفاظ التطرّف والإعتدال لم ترد في النصوص الشرعية ولم يستعملها فقهاء الإسلام في المعاني الشرعية فليس لهما إلا الدلالة اللغوية.

والتطرّف في اللغة: هو مجاوزة حدّ الشيء، فيقال: تَطرَّفت الناقة أَي رَعَتْ أَطرافَ المرعى ولم تَخْتَلِطْ بالنوق، رجل مُطرِف: بعيد عن قومه، وإذا أردنا أن نستعمل اللفظة في معنى شرعي نقول: إن التطرّف هو تجاوز الحدود التي وضعها الشرع، أي مخالفة أحكام الإسلام. أما الإعتدال في اللغة فمعناه: الإستقامة والإستواء، فهم يقولون: إستقام الشيء إذا استوى واعتدل، وبهذا يصبح معنى الإعتدال شرعاً هو الإلتزام بالأحكام الشرعية والإستقامة عليها.

فالذي يزيد أو يُنقِص في عدد ركعات الفريضة، أو يطوف حول الكعبة في الحج عشرة أشواط بدل سبعة، أو يمتنع عن الزواج لأنه يلهي عن العبادة، ويقتصر على العبادات ويترك باقي الفرائض فذلك يعتبر متطرّفاً لأنه تجاوز حدود الشرع التي وضعها الله سبحانه.

وأما الذي يلتزم أحكام الله تعالى ويبتعد عن نواهيه، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقول الحق أينما كان ويحمل الدعوة في الأمة ليعود الحكم بما أنزل الله، ويلتزم حدود الله كما هي حتى لو ناقضت مصالحه وأهواءه، فذلك هو المعتدل، قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (البقرة229)، فالتطرّف شرعا هو تعدي حدود الله، والإعتدال هو التمسك والإلتزام بشرع الله في كل صغيرة وكبيرة.

هذه حقيقة معاني التطرف والإعتدال عند المسلمين فيما أخبر به الحق سبحانه وتعالى في القرآن، أما حقيقة معاني التطرف والإعتدال التي يريدها الغرب وعلى رأسه أمريكا فهي مغايرة تماماً لما يفهمه المسلمون عن معنى الإعتدال والتطرّف، فالمتطرف عند الغرب هو كل مسلم يلتزم أحكام الإسلام إلتزاما كاملاً، ويدعو إلى تطبيق الإسلام في واقع الحياة، وكل من يرفض اللعبة الديمقراطية، أو يرفض تطبيق أحكام الكفر، أو يدعو إلى الخلافة أو إقامة دولة إسلامية، فكل هؤلاء في نظر الغرب متطرفون سواءً أكانوا أفراداً أم جماعات، فموسوعة «سبكتروم» الأمريكية عرّفت مصطلح الأصولية بقولها: «الأصولية، مصطلح جامع يشير إلى المجموعات الإسلامية المتعددة التي تعتمد الإسلام كسلاح سياسي، وتتطلّع إلى دولة إسلامية. وهذا يعني، قيام نظام الدولة بأكمله على الشريعة الإسلامية...» ويقول البروفيسور الأمريكي أموس بيرلموتر AMOS PERLMUTTER - في مقال نشرته صحيفة الواشنطن بوست في 19/1/1992م: «إنّ الأصولية الإسلامية هي حركة عدوانية وقائمة على الإرهاب والفوضى كالحركات الإرهابية والحركات البلشفية والفاشية والنازية».

وقد جيّشَ الغرب وعلى رأسه أمريكا جيوشاً من المغرضين المضِلّين لنشر معاني التطرف والإعتدال التي يريدها، واستخدم لذلك حكام المسلمين وعلماء السلاطين في سلسلة من الأعمال التي يراد من ورائها تطويق صحوة المسلمين وخنقها، ومن مظاهر هذه الحملة على الإسلام ما نسمع كل يوم عن الدعوة إلى تطوير الخطاب الديني، وتطوير مناهج التعليم، وتأهيل الخطباء والوعاظ الذين يرضى عنهم النظام فلا يسمح لغيرهم بالخطابة، بل إن مواضيع الخطب في المساجد لا بد أن تأخذ موافقة الأنظمة العميلة للغرب، حتى أصبحت المساجد في بعض البلاد الإسلامية منابراً للتسبيح بحمد الأنظمة، فالسعودية مثلاً فرضت رقابة الكترونية على المساجد بوضع كاميرات على المسجد والمصلين والإمام، ومنعت العلماء من إصدار الفتاوى إلا الذين يسمح لهم النظام بذلك، وفي رمضان هذا العام فرضت على كل من يريد الإعتكاف إعطاء إسمه ومعلوماته كاملة حتى يسمح له بالإعتكاف، أما في تونس فقد فرضت على المصلين أن يحملوا بطاقة مغناطيسية عليها إسمه ومعلوماته والمسجد الذي ينوي أن يصلي فيه، وطرد كل مسلم لا يحمل هذه البطاقة.

أما فيما يتعلّق بالحركات والجماعات الإسلامية، فقد أظهر الغرب سياسة جديدة تقوم على اساس دعم الحركات الإسلامية «المعتدلة» للوقوف في وجه الحركات التي تسميها «متطرّفة» لكي يتسنى لهم هزيمة الإسلام فكرياً، وفي هذا السياق.يقول توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، في مقال له بعنوان «معركة القيم العالمية»: «إننا لن نستطيع هزيمة الأيدولوجيا المتطّرفة عند المسلمين عن طريق القتل أوالسجن، بل لا بدّ لنا من أن نهزمها فكرياً، وحتى نستطيع أن نهزم أيدولوجيا الإرهاب والتطرّف لابد من دعم الإسلاميين المعتدلين في العالم الإسلامي ليخوضوا هم أنفسهم هذه المعركة داخليا»، أما وزير التخطيط السابق في وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد هاس فيوصي بـ «إيصال حركات إسلامية معتدلة إلى الحكم عن طريق الإنتخابات بشرط القبول باللعبة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ونبذ العنف والإرهاب»، وكذلك قدّمت زينو باران، مديرة قسم الأمن الدولي وبرامج الطاقة في مركز نيكسون توصية للكونغرس الأمريكي قالت فيها: «إن أفضل الحلفاء في هذا الصراع هم المسلمون المعتدلون، ويجب إعطاؤهم مساحة سياسية كي لا يبقى الإسلام أسيراً في أيدي المتطرّفين، بينما يبقى المسلمون المعتدلون على الهامش».

أما الصحفي دافيد كابلان في دراسة نشرت في (US News & World Report) يقول: «يتفق كبار موظفي الإدارة الأمريكية على أن العدو العقائدي الأكبر هو الصورة المسَيّسة للإسلام المتطرف وأن واشنطن وحلفائها لا يستطيعون مواجهتها لأنها تزداد قوة)، وفي مقالة له بعنوان «القلوب والعقول والدولارات» يقول: (إن أميركا تنفق الملايين لكي تغير صورة الإسلام، ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن داخل الإسلام ذاته، ويقول: إن واشنطن ترى أن العقيدة السياسية في الإسلام هي الأسباب الجذرية للإرهاب وليس الفقر أو السياسة الخارجية للولايات المتحدة».

ويكمل كابلان «إن حكومة الولايات المتحدة تقود حملة من الحرب السياسية لا مثيل لها منذ قمة الحرب الباردة، ولهذا قامت واشنطن وبهدوء بتمويل برامج إسلامية للراديو والتلفزيون، وتدريس مقررات بالمدارس الإسلامية، ودعم مؤسسات وجماعات بحث إسلامية، وورشات عمل سياسية، أو أي برامج تدعم الإسلام المعتدل. وتتجه المساعدات الفيدرالية إلى ترميم المساجد والمحافظة على نسخ القرآن التاريخية القديمة وصيانتها، وحتى بناء مدارس إسلامية... وتقوم محطات فردية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية بضخ المال من أجل تحييد الأئمة المعادين للولايات المتحدة وأتباعهم. يفسر لنا هذا الموقف أحد الموظفين الرسميين المتقاعدين حديثا قائلا: «إذا وجدت الملا عمر يفعل هذا في أحد أركان الطريق، فكن أنت الملا «برادلي» على ركن الطريق الآخر لتقاوم وتفسد ما يفعل» لقد قام عملاء الاستخبارات بتشييد مواقع إسلامية زائفة على شبكة المعلومات ورصد وسائل الإعلام والأنباء العربية».

ماأشبه اليوم بالبارحة! فهذه الأعمال تذكرنا بحملة نابليون الصليبية على مصر عندما خاطب أهل مصر قائلاً: «إنني قدمت إليكم لأخلّص حقكم من يد الظالمين.. إنني أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم...أيها المشايخ والقضاة، قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون..» (عجائب الآثار في التراجم والآثار- عبد الرحمن الجبرتي ص 183) مع أنه كان في نفس الوقت يقصف الأزهر الشريف بالمدفعية !

هذا غيض من فيض الأعمال التي يقوم بها الغرب لا لإقناع المسلمين بالتعريف الغربي لـ«الإسلام المعتدل» فحسب، بل لطمس معالم الإسلام كلياً ومحوها عن الوجود ليطفئوا نور الهدى والحق عن الناس، ولكن الفضل والمنة لله سبحانه وتعالى، الذي تكفل بحفظ دينه، وسخر لهذا الدين من يدافع وينافح عنه، ليعم الحق والعدل وجه الأرض ويظهر دين الله رغم كيد الكائدين. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (التوبة:33)

اعده الى الاذاعة

ابو زيد

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.