التلويث الفكري والإعلامي   في العالم الإسلامي   من إرث المفكر السياسي الدكتور    عايد الشعراوي   يرحمه الله   ح10
February 10, 2011

  التلويث الفكري والإعلامي في العالم الإسلامي من إرث المفكر السياسي الدكتور عايد الشعراوي يرحمه الله ح10

- سمات الإعلام في العالم الإسلامي- ج1

مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ما زلنا معكم مستمعينا الكرام في قراءتنا لبحث التلويث الفكري والإعلامي في العالم الإسلامي وهو من إرث المفكر السياسي الدكتور عايد الشعرواي يرحمه الله.

وفي هذه الحلقة نكون معكم إن شاء الله مع سمات الإعلام في العالم الإسلامي.

إن إعلام الدول القائمة في العالم الإسلامي هو إحدى المصائب التي يعيشها المسلمون، فهو إعلام تابع كلياً للغرب وهو إعلام يوقظ العنصرية من مرقدها، ويشيع الانقسام والتمزق بين المسلمين، ويتجاهل قضاياهم المصيرية ويركز على سفاسف الأمور، والأهم من ذلك أن الإعلام هو بوق الحكام وهاجسهم ولا ينقصه سوى أن يريح ويستريح.

أما السمة الأولى والتي سنكون معكم فيها في هذه الحلقة إن شاء الله فهي:

تبعية الإعلام:

من المعروف أن المستعمرين هم بناة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، وقد أسسوا هذا البنيان على شاكلتهم وحصنوه بحراس لفكر الغرب وحماة لمصالحه من أبناء المسلمين. وبصورة أوضح فإن انجلترا وفرنسا وإيطاليا حينما استعمروا غالبية البلاد الاسلامية قبل وبعد تقاسمهم لدولة الخلافة فإنهم وضعوا الخطط طويلة المدى لربط بلاد المسلمين بالغرب فكرياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً بصورة تصبح فيها المستعمرات جزراً نائية عن الغرب لكنها جزء منه، وبقي هذا الارتباط المباشر قائماً علناً بالنسبة لإنجلترا وبعض مستعمراتها مثل دول الكومونولث، وأوهمت الرأي العام بأنها أعطت بعض مستعمراتها الاستقلال، ولكن الحقيقة هي أن الاستقلال الذي تحدثوا عنه لم يحصل حتى الآن، فإذا كانت جيوش انجلترا وفرنسا قد رحلت في يوم مضى فإنها أبقت وراءها جيوشاً من المغتربين من أبناء جلدتنا ويتكلمون لساننا، وأبقت كل البنى الاساسية التي ابتنتها في كافة المجالات وأبقت رجالها المخلصين من قمة هرم السلطة إلى قاعدته، وليس معقولاً أن تسلم الامانة لأعداء الصليبية الجديدة لذلك كانوا منسجمين مع مكرهم وكيدهم للإسلام فسلموا الأمانة لأصدقاء الصليبية، ومن الطبيعي أن يكون أصدقاء الصليبية هم اعداء لشعوبهم فيحكمونهم بالقمع والإرهاب والإذلال، وإذا كان أنصار الصليبية قد خاضوا معارك ضد المسلمين جنباً إلى جنب مع جيوش الصليبية كما حصل مع الشريف حسين، فإن معارك اليوم تخاض بأبناء المسلمين وسلاحهم وذخيرتهم وأموالهم لصالح الصليبية الجديدة التي تدير الامرو بنظام التحكم عن بعد، لأن طاقم السياسيين والإداريين والاقتصاديين ورجال البنوك ومدراء الجامعات والمدارس والإذاعات والصحف وحتى المخاتير في القرى والأحياء، هؤلاء هم الأمناء الذين استلموا الأمانة من المستعمر الصليبي، وبقي المستعمر بشكل مقنع حتى الآن، والتغيير الوحيد الذي حصل هو أن أمريكا سلبت من انجلترا بعض مستعمراتها مما أدى إلى تغيير طواقم الحكم والسياسة والعسكر أما الطواقم الدنيا فلم يلحقها سوى تغيير طفيف "إن الكثرة الغالبة من الدول الإسلامية (هكذا يسميها) منقوصة الاستقلال السياسي والاقتصادي، تابعة بدرجات متفاوتة لدول كبيرة أو كبرى، وهذا أمر لا يجوز المكابرة فيه" وهكذا بقي الارتباط وبقيت التبعية الشاملة، وليس غريباً أن يكون الاعلام تتويجاً للتبعية والارتباط، ويترتب على هذا ان الإعلام المرتبط بكونه دائماً في خدمة المستعمر أكثر مما هو في خدمة المسلمين، لذلك نجد وسائل الاعلام في العالم الإسلامي تشجع الفساد والانحلال والتناقض والانقسام، لأنها تبث آخر ما توصل إليه الانحطاط الحضاري الغربي، فالافكار والقيم الوضيعة غرسها الغرب أثناء وجود عسكره في العالم الإسلامي، واستمر في تعهد غراسه ورعايتها عن طريق هيمنته على الإعلام وتوجيهه لما يذاع ويبث وينشر، لذلك لا أمل في الخلاص من هذه التبعية المطلقة سوى بإزالة الطواقم التي وظفها المستعمر، فتزال بذلك العقلية العفنة الجامدة التي سادت ولا زالت نيابة عن المستعمر الصليبي الحاقد.

ولم ينته دور المستعمر عند بناء إعلامنا بل استمر دوره في كونه المصدر للبرامج والأخبار التي تذاع وتنشر "ولا يخفى على أحد أن مصادر الاستعمار قد استغلت هذا الضعف (الإعلامي) إلى أبعد حد من خلال وكالات الأنباء الكبرى وغيرها من الأجهزة الإعلامية الأخرى وأصبحت مع التطور التقني والإعلام الالكتروني تتحكم في تدفق الاخبار بصورة مطلقة، الأمر الذي جعلها تنشر ما تشاء وتحجب من الأخبار ما تريد حجبه، كما لا يخفى أيضاً أن 80% مما تنشره وسائل إعلامنا المتواضعة في القارة الإفريقية والوطن العربي منقول عن هذه الوكالات وذلك بالإضافة إلى آلاف الصحف والنشرات والكتب ومجلات الاطفال التي توزع في بلادنا بلغات وبعقليات وإيديولوجيات دخيلة وتحت عناوين مختلفة" وهنالك دور للإعلام الراهن في تكريس الإستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي حيث "أن نظام الإعلام الراهن يعمل على إبقاء نوع من الاستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي ينعكس غالباً على تفسير الأنباء المتعلقة بالبلدان النامية، ويتجلى ذلك في إلقاء الضوء على أحداث تكون أهميتها محدودة أو معدومة في بعض الأحوال وفي تجميع وقائع متفرقة وإبرازها على أنها "كل" وفي إبراز الوقائع بصورة تجعل الاستنساخ الذي يستخلص منها مؤاتياً بالضرورة لمصالح تلك الشبكة العالمية، وفي تضخيم أحداث ضيقة النطاق بغية إثارة مخاوف لا مبرر لها، وفي السكوت عن أوضاع غير مؤاتية لمصالح الجهات المالكة لهذه الوسائل الإعلامية" ويشير الكاتب نفسه إلى أن هنالك اختراقاً ثقافياً وافداً إلينا عن طريق الأقمار الصناعية الصادر عن الدول الغربية وأوروبا خاصة إن هذا البث سيغمرنا ويدخل بيوتنا دون سابق استئذان منا... إذ أن وراء هذا الإختراق غزواً ثقافياً يتمثل في فرض نموذج حضاري معين ومطابق لتصور المجتمع المصنع" وعن كون البرامج المنقولة عن الغرب تحمل فكره وحضارته يقول "كما أن البرامج المنقولة تحمل طابع منتجها وقيمه الحضارية. وقد لا تخلو من توجيهات سياسية".

أما من حيث احتكار إذاعة الاخبار العالمية ونقلها فهو ينحصر في وكالات أنباء الدول الكبرى ويوضح ذلك مدى هيمنة الدول الكبرى على ما يذاع من أنباء في العالم "أما إذاعة الخبر العالمي ونقله في العالم فتحتكره خمس شركات كبرى: رويتر، الاسوشييتد برس، اليونايتد برس، فرانس برس، تاس... إن 80% من الأنباء الموزعة يومياً في العالم تتولى إنتاجها هذه الوكالات" وهذا يعني أيضاً أن صياغة تلك الأخبار وتسليط الأضواء على نوع من الأخبار والتعتيم على نوع آخر هو من إنتاج تلك الوكالات المرتبطة بأجهزة مخابرات الدول التابعة لها، إن لم يكن معظم موظفيها من أجهزة مخابرات تلك الدول، وإذا أضفنا إلى هذا ان وسائل الإعلام التابعة تنقل حرفياً عن المتبرع الذي يلفق لها الأخبار ندرك حينها مدى التسمم الإعلامي الذي نتعرض له. "إن وسائل الإعلام العربية تنقل أيضاً الكثير من التقارير والدراسات التي تعدها الوكالات والمراكز العلمية الأمريكية والأوروبية، وتعتبر الوكالات الأجنبية من أهم مصادر المعلومات للإعلام العربي والإسلامي وغالباً ما يتم نشر التقارير والدراسات كما هي بحذافيرها دون الاهتمام بمدى صحة النظريات والابحاث والإحصائيات التي تعتمد عليها، وهذا يعود إلى درجة (المصداقية) التي يوليها الإعلام في بلادنا لمثل هذه الوكالات والمراكز والمؤسسات".

هذا بالنسبة لتبعية الإعلام وفي الحلقة القادمة إن شاء الله نكون معكم مع السمتين الثانية والثالثة وهما تخلف الإعلام وعنصرية الإعلام.

وإلى ذلك الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.