التجربة الاجتماعية الخطرة لتكريس المساواة التامة بين الجنسين في الدستور التونسي الجديد تحمل عواقب وخيمة على النساء والأطفال وبنية الأسرة (مترجم)
February 02, 2014

التجربة الاجتماعية الخطرة لتكريس المساواة التامة بين الجنسين في الدستور التونسي الجديد تحمل عواقب وخيمة على النساء والأطفال وبنية الأسرة (مترجم)


يكرّس الدستور التونسي الجديد المصادق عليه يوم 26 كانون الثاني/يناير من قبل المجلس الوطني التأسيسي، يكرّس المساواة التامة بين الجنسين. وبالتالي يجبر الأغلبية المسلمة في البلاد أن يعيدوا تشكيل حياتهم وبنية أسرتهم، لا وفق أحكام الإسلام الاجتماعية العظيمة بل وفقا للقوانين التي تقوم على المثل العلمانية الغربية الفاشلة. فالفصل العشرون من الدستور الجديد ينص على الآتي "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز".


علاوة على أن هذا الدستور العلماني جريمة في حق الله سبحانه وتعالى لأنه يجعل التشريع حقًّا للبشر بدل أن يكون حقاًّ لله وحده، إلا أنه يحتمل أن الفصل العشرين قد يضع مسارا مقلقا لإلغاء الأحكام الاجتماعية الإسلامية بطريقة أكثر ضراوة وتطرفا من مجلة الأحوال الشخصية التي اعتمدها الحكام العلمانيون المستبدون بورقيبة وبن علي والتي حظرت تعدد الزوجات وشرعت الإجهاض، ورفضت الأحكام الإسلامية في الطلاق والوصاية على المرأة في إطار الزواج.


وينص الإسلام على نفس الحقوق للرجال والنساء في التعليم مثلا، والحياة الاقتصادية والسياسية، ولكنه يرفض بشكل قاطع فكرة المساواة بين الجنسين التي تنص على أنه ينبغي أن يكون للرجال والنساء أدوار، وحقوق ومسؤوليات مماثلة في جميع مجالات الحياة في المقابل، الأحكام الشرعية الإسلامية الخاصة بالنظام الاجتماعي تحدد اختلافات واضحة في حقوق وواجبات محددة للجنسين، وخاصة في الحياة الأسرية كما هو الحال في قوانين الميراث، وتعدد الزوجات وأدوار وحقوق للزوج والزوجة، بما في ذلك واجب الرجل في أن يكون الوصي والمعيل لعائلته والمرأة في أن تكون ربة البيت والمربية لأطفالها. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ويقول سبحانه: ﴿وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُہُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ‌ۚ﴾ ويقول سبحانه: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِۚ﴾ ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، - قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ۬‌ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ۬ مِّمَّا ٱڪۡتَسَبُواْ‌ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ۬ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَ‌ۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦۤ‌ۗ إِنَّ ٱللَّهَ ڪَانَ بِكُلِّ شَىۡءٍ عَلِيمً۬ا﴾.


إن مفهوم المساواة بين الجنسين هو مفهوم دخيل مستوحى من الغرب وله جذور تمتد إلى التجربة النسوية التاريخية في الغرب، والتي ولدت نتيجة الظلم وغياب الحقوق التعليمية والاقتصادية والقانونية والسياسية الأساسية التي حرمت منها النساء تحت حكم أنظمة علمانية من وضع البشر في الغرب. هذا التاريخ الذي لم يشاركه الإسلام إياهم لأن هكذا حقوق موجودة في نصوص الشريعة، ومضمونة تحت ظل أول دولة إسلامية أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وطبقّت على مدى قرون تحت حكم دولة الخلافة الإسلامية. إن المساواة بين الجنسين فكرة متعارضة مع ثقافة المسلمين في تونس، الذين يمثلون 98% من سكان البلاد والمتجذرة فيهم المعتقدات الإسلامية والتراث والتاريخ الإسلامي.


إن "المساواة في الحقوق والواجبات" ستثقل كاهل النساء في تونس بمسؤوليات الرجال، بما في ذلك كسب قوت عائلاتهن وتسلبهن في الوقت ذاته الامتيازات الإسلامية التي تجعل إعالتهن واجباً دائماً على أقاربهن من الرجال أو الدولة. وستجردهن من الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة في أن تنفق أموالها وميراثها على النحو الذي تراه مناسبا بحسب أحكام الشرع بدل أن تكون ملزمة "على قدم المساواة" مع الرجل في إنفاقها على العائلة. كما إنهن سيخسرن أيضا حقهن الذي تضمنه لهن الشريعة الإسلامية في حالات الميراث التي يفوق فيها نصيب المرأة نصيب الرجل. فمن الحالات الثلاثين المحتملة للميراث بين الأقارب في الشريعة الإسلامية، فإنه في أربع حالات تحصل المرأة على نصف نصيب الذكور بينما في بقية الحالات تحصل على نصيب يساوي أو يفوق نصيب الرجل من الميراث. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى حالة الشلل الاقتصادي في تونس والتي نتجت عن تبنيها للنظام الرأسمالي المدمّر، فإن المساواة بين الجنسين تحمل كذلك إمكانية "المساواة" في تحمل الديون ومستوى البطالة، والفقر، والتدهور الاقتصادي مع الرجال.


إن المساواة بين الجنسين ليست حلا للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المرأة في تونس أو في أي بلد مسلم. حيث إنه في رواندا، مثلا يفوق عدد النساء الرجال في البرلمان (64% من نوابه نساء). ومع ذلك، لا يزال 40% من سكانها تحت خطّ الفقر، وهي نسبة تشمل الملايين من النساء. وفي جنوب أفريقيا، أكثر من 40 % من الممثلين في المجلس الوطني هم من النساء، مع هذا اكتسبت البلاد سمعة سيئة لكونها واحدة من عواصم أعلى نسب الاغتصاب في العالم، ووفقا لمجلس البحوث الطبية في أفريقيا، لديها أعلى معدّل للعنف ضد المرأة لم تشهده أي دولة أخرى. وفقا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2013، فإن بعض أعلى معدّلات مشاركة المرأة في سوق الشغل في العالم أجمع كان في كل من مالاوي وموزمبيق وبوروندي، حيث تشكّل النساء جزءا أكبر من الرجال في القوى العاملة. ومع ذلك، فإن هذه البلدان ليست مثالا للرفاهية الاقتصادية للمرأة أو التحرر من الفقر والمتاعب المالية. إن المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها النساء داخل العديد من الدول، ليست نابعة من عدم وجود "المساواة بين الجنسين" ولكنها نابعة من طبيعة النظام العام الذي يحكم العالم. للأسف فقد بدد المجلس التأسيسي التونسي آمالاً مشرقة لبداية جديدة مستوحاة من الربيع العربي، وذلك من خلال تبنيه لنفس مبادئ العلمانية واللبرالية والرأسمالية الفاشلة ونظام الدكتاتوريات الساقطة والدول الديمقراطية والاستبدادية الحالية التي أفشلت النساء في جميع أنحاء العالم.


هذا وقد ادعى البعض أن الفصل العشرين يشكّل قانونا تقدميّا في مجال حقوق المرأة وسوف يكرّس الاحترام والعدل وحياة أفضل لنساء البلاد. ولكن، مثل هذه الوعود من قبل دعاة المساواة بين الجنسين ليست سوى خدعة لغض الطرف عن الخطر الذي يواجه تونس أو أي بلد آخر يتبنى هذه الفكرة. الدول الأسكندنافية مثلا هي الدول الأكثر مساواة بين الجنسين حسب مؤشر الأمم المتحدة لعدم المساواة بين الجنسين لسنة 2011 والمنتدى الاقتصادي العالمي في 'تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين' لسنة 2013، وأيضا لديها نسبة لا تحسد عليها من الولادات خارج إطار الزواج (55% في السويد و54 % في النرويج، وفقا للمركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها). علاوة على ذلك، فإن 40 سنة من ممارسة سياسة المساواة بين الجنسين من خلال هذه الحكومات لتحقيق "حضور متساوٍ "للرجال والنساء في سوق العمل، قد أجبر النساء العاملات على تسليم أطفالهن لدور الحضانة من أجل العمل. وفي السويد، أكثر من 90 %من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 شهرا و5 سنوات يوضعون في الحضانة النهارية. وقد تم منع الأمهات من البقاء في المنزل وذلك من خلال نظام ضريبي يعاقب النساء اللاتي يرغبن في البقاء في البيت لرعاية أطفالهن. كل هذا قد قلل من قيمة الأمومة، وساهم في تآكل الأسرة، وتسبب في تربية الأطفال على يد مربيّات بدلاً من والديهم. وقد ألقي باللوم على هذه السياسة المتبعة لأنها تسببت في مشاكل نفسية وسلوكية، ومشاكل في عملية التعلم لدى الأطفال والشباب في السّويد. هذا وقد سجّلت المدارس السويدية أعلى معدلات التغيب عن المدرسة واضطراب الفصول الدراسية وكذلك أسوأ مشاكل الانضباط في أوروبا. كل هذا ليس دليلا على التقدّم! هذه التجربة المدمرة للنسيج الاجتماعي هي أبعد من أن تكون مثالاً يحتذى به. بالتأكيد ليس هذا نوع المستقبل الذي يرغب التونسيون في صناعته للجيل القادم!


بغض النظر عن أنهن قد دفعن ثمنا باهظا لحياة عائلاتهن ورفاهية أطفالهن بسبب فرض سياسة المساواة بين الجنسين التي تسببت في تآكل اجتماعي، فإن النساء في السويد اليوم لا زلن يتلقين أجورا أقل من الرجال وتقدر الفجوة في الأجور بين الجنسين بحوالي 15%. ووفقا لكاترين حكيم وهي عالمة اجتماع بريطانية بارزة ومتخصصة في قضايا المرأة وتشغيل المرأة، فإن 75 %من النساء في السويد يعملن في القطاع العام الذي هو عادة أقل أجرا وأدنى مؤهلات في سوق العمل. من الواضح إذن أن الوعود التي بشّرت بها سياسات المساواة بين الجنسين التي ضحت من أجلها المرأة بأمومتها وبوقت ثمين مع أطفالها لكي تدخل لميدان العمل ولتلقى أجورا متساوية بذلك مع الرجل ظنا منها أن هذا سوف يحسن من وضعها، لم تتحقق حتى في المجال الاقتصادي لحياتها. علاوة على ذلك، فإن فكرة المساواة بين الجنسين غير الرشيدة للمساواة بين اثنين من البشر يختلفان بطبيعتهما جسديا، ما أجبر النساء على لعب دور الرجال، وأصبح شكلاً من أشكال الاضطهاد الممارس عليهن بتجاهل وتقويض وعدم تقدير طبيعتهن وكونهن اللاتي ينجبن ويرعين الأطفال في المجتمع. هذا وقد تضاعف الاكتئاب بين النساء في أوروبا على مدى الـ 40 سنة الماضية، ويعود ذلك إلى عدم قدرتهن على الموازنة بين أعباء العائلة والبيت والعمل (كما ذُكر من قبل الجامعة الأوروبية لعلم الأدوية النفسية والعصبية). وهذا أبعد من أن يكون جنة من العدل والإنصاف للنساء وهذا هو المستقبل الذي يبشرون به المرأة في تونس إذا تم تكريس سياسة المساواة بين الجنسين من قبل الدولة.


في الحقيقة، إن المساواة بين الجنسين كانت دائما شعارا مستغلا من قبل الأنظمة الرأسمالية لمجرد دفع النساء نحو العمل من أجل زيادة حجم القوى العاملة والأرباح مع تجاهل تام لرفاهية النساء والأطفال والحياة الأسرية وحالة المجتمع بشكل عام. إنها هذه العلامة الأيديولوجية وهي التي تضع دائما وبشكل منهجي 'تكديس الثروة' أمرا أهمّ من القيم والاحتياجات الإنسانية.


يجب وضع حد للتجارب المستوحاة من الغرب والتي تستعمل المفاهيم الغربية الخاطئة، فالمساواة بين الجنسين ليست سوى أفيون في النضال من أجل حقوق المرأة وكانت بمثابة الظلم بمضادة رفاهية النساء والأطفال. بل هي معيار كاذب ومضلل لتقييم التقدم والازدهار لحياة المرأة. فقد كان الربيع العربي بحاجة إلى رؤى سياسية جديدة وليس لإعادة صياغة أفكار فاشلة غير قابلة للتطبيق. فلن يرفض الأفكار الأجنبية كلها إلا دستور مبني على أساس الإسلام، بما في ذلك فكرة المساواة بين الجنسين، والذي سيضمن مستقبلاً مشرقًا للمرأة في تونس. يحدد النظام الاجتماعي الفريد في الإسلام الأدوار والحقوق بين الرجال والنساء والتي تمثل علاقة تكامل لا علاقة تنافس، ويضمن خلق حياة زوجية وأسرية متناغمة. فلا يؤسس النظام الاجتماعي في الإسلام لحياة أسرية على أساس غير عقلاني يسمح فيه للمرأة أو الرجل أن يحددوا بأنانية حقوقهم الخاصة وواجباتهم وفقا لرغباتهم الفردية وهذا من شأنه أن يزرع شيئا من الشقاق في الزواج والمسؤوليات الأبوية، بل بطريقة عادلة ومنصفة وأفضل للجميع سواء أكان رجلاً أم امرأة أم طفلاً. وأحكام النظام الاجتماعي تضمن وتحافظ على النظرة المشرفة للمرأة داخل المجتمع، وهذا ما يضمن توفير الأمن والدعم المالي لها دائما، وتمكينها من لعب دورها الحيوي كأم. وهذا يضمن أيضا حقوق الأطفال الذين تتم رعايتهم وتربيتهم لكي يكونوا شخصيات لامعة ومستقيمة في تفكيرهم وسلوكهم، ويصبحوا بذلك مصدرا لازدهار مجتمعهم. كل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل دولة الخلافة التي أنعم الله عليها بنظام سياسي واقتصادي وتعليمي وقضائي إسلامي، وهذه الأنظمة بدورها تحرص على تطبيق كل الحقوق الإسلامية التي وهبها الله للمرأة، وعلى إيجادها واقعا ملموسا في حياتها بدلا من بقائها مجرد وعود فارغة وحبر على ورق في دساتير معيبة.


﴿أَفَمَن يَمۡشِى مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦۤ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِى سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٲطٍ۬ مُّسۡتَقِيمٍ۬﴾

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. نسرين نواز
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو