November 15, 2013

الثورات تمهد للتغيير الصحيح

الإنسان بطبيعته يكره الظلم والقهر والتسلط من قبل الآخرين ويسعى نحو الانعتاق من التسلط والارتقاء بأوضاعه نحو الأفضل، وهذه الحركة الإنسانية قد تكون غريزية تنطلق بحركة غريزية دون أي فكر مسبوق؛ كحاجة الإنسان للطعام أو الشراب أو غيرها من الحاجات، أو كحركته نحو الانعتاق من القيد والاستعباد، وقد تكون هذه الحركة مسبوقة بعملية فكرية؛ أي مسبوقة بتفكير بالواقع وحكم على هذا الواقع أنه بحاجة إلى تغيير، ثم الانطلاق بما توصل إليه فكره من أحكام للعمل نحو التغيير.


وهذه الحركة سواء أكانت غريزية، أم مسبوقة بفكر إما أن تكون بشكل فردي يقوم بها كلُّ فرد بما يراه مناسباً، أو تكون حركة منظمة لها قيادة وتوجيه معين حتى تصل إلى غايتها.


وتُسمّى هذه الحركة الجماهيرية أثناء سيرها نحو التغيير واصطدامها مع حراس الواقع السيء ماديا وفكرياً، وقيامها بأعمال عديدة من الإنكار على هذا الواقع كالمسيرات والهتافات أو الاعتصامات أو الاقتتال والمناوشات، التي تصاحب الاحتجاج، أو الأعمال العسكرية أو غير ذلك من أساليب، تسعى من خلالها الشعوب للقيام على هذا الواقع وإنكاره، وتسعى لتغييره، تسمى ثورة وانتفاضة، وهناك فرق بين العملية الانقلابية للواقع؛ عن طريق أصحاب القوة والمتنفذين في الدول، وبين الثورة والانتفاضة؛ لأن الأولى تكون عن طريق وصول الفكرة؛ أي فكرة التغيير سواء أكانت خاطئة أم صحيحة، وصولها إلى مراكز القوة والنفوذ - أو ما يسمون بأهل النصرة - المتحكمة بالأمور واقتناعها بها دون اصطدام معها، قبل أن يقوم هؤلاء - من أصحاب القوة - بعملية انقلاب على الواقع وتسليمه لأصحاب الفكر الجديد، دون اصطدام واسع بارز أو ظاهرٍ مع من يعارضهم ويقف في طريقهم، أما الثورات فإنها تواجه أصحاب القوة وحراس الواقع وتصطدم معهم بشكل واسع وظاهر، حتى تستطيع أن تتغلب عليهم وطردهم عن هذه المراكز، أو تستطيع تطويعهم نحو أهدافها بالإقناع؛ سواء أكانت هذه الأعمال الإنكارية منظمة لها قيادة، أم فوضوية دون قيادة... فهذه الأعمال كلها تسمى ثورة أو انتفاضة نحو تغيير الواقع السيء، أو غير ذلك من أسماء..


وقد قامت الشعوب في بلاد المسلمين - وخاصة بعد هدم الخلافة - بثورات عدة ضد الظلم والاستعباد والتسلط من قبل الحكام الظالمين، منها على سبيل المثال الثورات التي حصلت في إيران والجزائر ومصر وتركيا...، وغيرها من الدول في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي؛ ومنها هذه الثورات الحاصلة اليوم وما زالت مستمرة في بعض الدول العربية..


فهل يمكن أن تصل هذه الثورات الحالية بالشعوب الثائرة في بعض بلاد المسلمين إلى عملية تغيير انقلابية صحيحة، وكيف يمكن حمايتها من العبث والانحراف إذا ما انحرفت عن مسارها الصحيح؟!


وللإجابة عن هذين السؤالين أقول:-


إن أية عملية تغيير انقلابي صحيحة يجب أن تكون مسبوقة بفكر صحيح يسبق حركة الشعوب، أو يواكبها أثناء الثورة، وإذا لم يكن كذلك فإن هذه الثورات أو غيرها من أعمال لا تصل إلى تغيير صحيح، حتى وإن وصلت إلى عملية تغيير للواقع بواسطة الثورة، لأن الفكر الخاطئ يؤدي إلى تغيير خاطئ للواقع، وذلك حسب وجهة نظرنا النابعة من الإسلام، والحركة الفوضوية أو الغريزية أيضاً تؤدي إلى تغيير خاطئ حتى وإن حصل التغيير بشكل كامل، لأنها لم تسبق بفكر صحيح، ولا حتى بفكر خاطئ...


والحقيقة أن الشعوب التي تثور على الظلم في العالم الإسلامي أو في غيره، هي شعوب حيوية تحب الحركة والتغيير، وترفض الذل والاستعباد...


وهذا الأمر يساعد ويمهد لعملية تغيير صحيحة؛ لأن الشعوب الخاملة التي لا تتحرك ولا تندفع نحو الانعتاق يصعب إيجاد التغيير فيها، أي تكون عملية التغيير فيها أصعب من الشعوب الأخرى الحيوية...


ولقد قامت الشعوب في بعض بلاد المسلمين هذه الأيام بثورات عارمة شملت معظم قطاعات الناس، وتوسعت شيئاً فشيئاً حتى صارت تطالب بتغيير النظام تغييراً شاملاً، أي لم تقف عند حد الظلم الاقتصادي، أو ظلم تقييد الحريات، كما جرى في تونس ومصر واليمن وكما هو جارٍ هذه الأيام في سوريا...


لكن هذه الثورات لم تسلك حتى الآن الوجهة الصحيحة في عملية التغيير، ولم تصل الشعوب إلى الوضع الصحيح الذي تحصل فيه عملية تغيير صحيحة، والسبب هو أنها لم تقرن عملية الثورة ضد الظلم بالفكر الصحيح المبني على تصور صحيح لطريقة العمل وللأهداف المنشودة، رغم استمرارية هذه الحركة الجماهيرية وعدم انتهائها...


فالشعب في تونس أو في مصر أو في اليمن قَبِل بتغيير شكلي غير مبني على أحكام الإسلام الصحيحة، فقبل بالحريات والديمقراطية وبالأحزاب العلمانية، وظن أنه قد وصل إلى تغيير الوضع تغييراً صحيحاً، وإذا بالأمور ترجع إلى نقطة البداية ليجد نفسه قد دار في حلقة مفرغة، فتستمر الثورة وتعود المعاناة لهذه الشعوب...


أما الوجهة الصحيحة في عملية التغيير الصحيح؛ فهي قناعة الناس ووعيهم - في بلاد الثورات أو غيرها - بأن التغيير يجب أن يكون على أساس الإسلام، وسيرهم خلف قيادات مخلصة تتبنى هذه الوجهة، وليس خلف غيرها من قيادات عميلة أو علمانية، أو تخلط بين الأمرين...


فإذا وصل الناس في أغلبهم إلى هذه القناعة عن وعي وإدراك للتغيير الصحيح، وساروا خلف القيادة التي تسعى لذلك فإنهم يصلون إلى تغيير صحيح...


ولكن رغم أن هذه الثورات لم تسلك حتى الآن الطريق الصحيح لعملية التغيير إلا أنها تمهد لهذا الأمر سواء أكانت هذه الثورات فكرية كما هو في تونس ومصر أم عسكرية كما هو في سوريا...


أما كيف يمكن أن تمهد هذه الثورات للتغيير الصحيح، فالأمر الأول: هو أن الشعوب تريد تحقيق العدل بدل الظلم، وتريد رفع مستواها الاقتصادي، وتريد أن تتحرر من عبودية الحكام، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالإسلام، وقد جربت الشعوب بالفعل في بعض البلاد التي حصلت فيها ثورات، ووضعت قوانين جديدة تستند إلى النظام الرأسمالي فبقي الأمر على ما هو عليه من الظلم والاستعباد، ولم يتحقق شيء من طموح هذه الشعوب، الأمر الثاني: هو أن الشعوب في بلاد المسلمين مسلمة وتحمل الفكر الإسلامي، وترغب في إيصال هذا الفكر إلى التطبيق، وهذا الأمر هو رأي عام عند أغلب الشعوب في العالم الإسلامي، لكنه غير نابع من وعي عام كامل، لذلك تضلَّل الشعوب في إيصالها للأهداف الخاطئة، وتُحرف عن الوضع الصحيح للتغيير... أما الأمر الثالث: فهو ارتباط السياسيين القائمين على التغيير في هذه الثورات بقوى استعمارية خارجية، وهذا الأمر لا يخفى على الشعوب نتيجة حركاتهم وارتباطاتهم وقبولهم لمشاريع الاستعمار، ولمؤسساته الدولية..


هذه الأمور الثلاثة لا يمكن التحايل عليها لأنها أمور عامة في المجتمعات الإسلامية لذلك تبقى الشعوب في حركة متجددة تريد وتسعى للتغيير الذي يوصل الإسلام الذي تحمله، ويرفع مستواها الاقتصادي ويبعد عنها الظلم، وفي الوقت نفسه تريد قيادات غير عميلة ولا مرتبطة بالاستعمار كالقيادات السابقة، لأنها اكتوت بنارها وبظلمها ولا تريد أن تكرر نفس المأساة القديمة.


هذه الأمور الثلاثة وهي استمرارية الظلم، واستبعاد الإسلام، وارتباط القيادات الجديدة بالاستعمار تجعل نار الثورة تخبو أحياناً ثم لا تلبث أن تعود مرة أخرى وتقفز إلى السطح..


ونصل إلى النقطة الأخيرة وهي ما هو واجب الواعين من أبناء الأمة تجاه هذه الثورات لجني عملية تغيير صحيحة؟!


إن الأصل في الواعين الساعين للتغيير أن يدعموا هذه الثورات مادياً ومعنوياً لاستمراريتها، واستمرارية حركة الأمة في رفضها للظلم، والعمل على عدم انطفاء شعلتها، لأن سكوت الأمة على الظلم، وعدم حركتها ليست ظاهرة صحيحة في الأمة الإسلامية، وخاصة أننا مأمورون بالتصدي للمنكر بكل وسيلة شرعية تغيّر هذا المنكر، وإن المناطق التي تسكت فيها الشعوب ولا تنتفض ولا تتمعّر وجوهها تجاه الظلم، ولا تستنكر المنكرات، فهذه مناطق صعبة العمل للتغيير، والمناطق التي تكثر فيها الأحداث وحركة الشعوب تكون أكثر أهلية منها للتغيير...


فالعمل الأول: يجب أن تنصب على استمرارية الإنكار والانتفاض - بشتى الوسائل ومنها الثورة - في وجه الحاكم وأعوانه..


العمل الثاني،
يجب أن تنصب الجهود على تنقية الثورات من الأفكار المسمومة، وبيان زيفها للأمة مثل الديمقراطية والحرية وغير ذلك من أفكار غريبة عن وجهة نظرنا..


العمل الثالث:
بيان واقع المجتمع وكيف تتم عملية التغيير الصحيحة في المجتمع، وأن المجتمع ليس هو شخص الحاكم وزمرته والجيش فقط، إنما هو أبعد من ذلك وأوسع، فيبين للناس أن المجتمع هو أفكار ومشاعر ونظام وعلاقات، وأن عملية التغيير الانقلابي يجب أن تنصب على هذه الأمور، حتى نصل بالمجتمع إلى الرأي العام النابع من الوعي العام نحو التغيير على أساس الإسلام، وأن أي عملية تغيير سوى ذلك تكون إما خاطئة تخالف فكر الأمة ودينها، وإما شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع، وإما عملية مرتبطة بمخططات الكفار الغربيين وعملائهم من السياسيين في بلاد المسلمين..


أما العمل الرابع: فهو توجيه الثورات، والعمل على أخذ قيادتها من القيادات العميلة عن طريق كشفهم وكشف أفكارهم وأهدافهم، وهذه من أصعب الأمور لأن فيها اصطدامًا مع هذه القيادات ومن وراءها، وهذا الأمر يكون بالاتصال بمراكز الثقل المؤثرين في الثورات؛ سواء أكانت سلمية أم عسكرية، وبأخذ التأييد للقيادة المخلصة ولفكرها في حال قلع النظام العميل عن سدة الحكم، ويكون أيضا ببث الأفكار الإسلامية النقية، وبيان زيف الأفكار الأخرى والقائمين عليها..


العمل الخامس:
الاتصال الدائم مع مراكز القوى الفاعلة في المجتمع، وكسر الطوق عنها وتفهيمها للواقع الموجود، واستغلالها من قبل الحكام ضد شعوبها لخدمة المخططات الاستعمارية، وتفهيمها أن الشعوب لا تريد إيذاءها ولا قتلها، بل تريد منها عدم حراسة الواقع السيئ، وتفهيمها أيضا أن الواجب عليها هو السير مع حركة الشعوب للتغيير الصحيح والانقلاب على حراس الاستعمار من الحكام..


وفي الختام أقول: بأن ما جرى في تونس ومصر واليمن لم يوصل أصحاب الثورة حتى الآن للتغيير الجذري لا الخاطئ ولا الصحيح، إنما هو تغيير شكلي؛ لأن الذي جرى هو عملية تلبيس أو ترقيع للنظام السابق ولم يتغير شيء من الأمور الجذرية كالعملاء السياسيين من الوسط السياسي، والأفكار السامة، والمؤسسات المبنية على تركيبة فكرية سقيمة، ولا المؤسسة العسكرية المرتبطة قياداتها بقوى استعمارية، وهذا الأمر يختلف عما يجري في سوريا لأن الثورة لم تصل إلى نهايتها، وأغلب السائرين فيها ينادون بخلع جذور النظام، وينادون بالفكر الإسلامي الصحيح، ويسمعون من الواعين نصائحهم في العمل لإعادة حكم الإسلام في حال سقوط النظام وخلع جذوره، لكن هذا لا يعني أن الأمور قد نضجت بشكل كامل، وأنه لا توجد مخاطر في هذا الأمر، فهناك بعض الفرق العسكرية لها ارتباطات مع الدول العميلة؛ من حيث الدعم المالي والتوجيه السياسي، وهناك عند البعض الآخر ضيق في الوعي الصحيح على أحكام الدولة الإسلامية، وهناك تنظيمات تحاول الدول الكافرة زرعها في هذه الثورة...


لكن يمكن القول بأن الصفة الغالبة حتى الآن على هذه الثورة هي الإخلاص والرأي العام نحو الإسلام وأن القلة هي من تحاول حرف مسارها..


وفي كلا الشكلين من هذه الثورات؛ - أي ما جرى في تونس ومصر واليمن، أو ما يجري في سوريا - يمكن القول: بأن حركة الشعوب لم تخمد ولن تخمد حتى لو تم تضليل هذه الثورات أو حرفها، فالشعوب - كما ذكرنا - لم تعد تنطلي عليها مثل هذه الأضاليل وسرعان ما تكشفها.. لأن الرأي العام في كل العالم الإسلامي هو لصالح الإسلام، وينقصه الوعي العام بشكل متفاوت في البلاد الإسلامية، وأن الظلم المستشري في بلاد المسلمين لا يمكن إزالته عن طريق هذه التغييرات الشكلية الخادعة، وأن بقاء العملاء السياسيين ضمن هذه التغييرات الشكلية الخادعة كذلك أمر لا تسكت عليه الأمة..


من هنا أقول: بأن هذه الثورات سوف تستمر مرحلة بعد مرحلة، حتى تستقر أخيراً في عملية تغيير انقلابي صحيح قائم على أساس الإسلام وينهض بأمة الإسلام نهضة صحيحة، لتعود هذه الأمة صاحبة رسالة عظيمة كما أراد لها ربها عز وجل ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾


فنسأله تعالى أن يعجل بالفرج لهذه الأمة عما قريب.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
حمد طبيب - بيت المقدس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر