التعليم... صناعة أجيال وصياغة أفكار
November 27, 2014

التعليم... صناعة أجيال وصياغة أفكار


إن السياسة التعليمية في السودان قائمة على التغريب والتجهيل، فالتدهور المستمر في مستوى جودة التعليم بكافة مستوياته واضح للعيان بلا بيان، والحقيقة أن هناك أزمة تعليمية كبيرة وهي أزمة ناتجة من سياسة تعليمية فاشلة، سياسة قائمة على إملاءات الغرب التي تعتمد على تغريب أبناء الأمة عن حضارتهم العظيمة، وجعلهم بلا هُوية حضارية تعبر عن عقيدتهم ومنظومتهم الفكرية والتشريعية العظيمة...


إليكم بعض الأمثلة التي تدلل على فساد المنظومة التعليمية وما آلت إليه من تردٍّ خطير:


1/ لا منهجية يؤسس عليها التعليم!، فما هي الغاية من العملية التعليمية التربوية بأسرها، الجواب: (إخراج جيل مسخ يعيش غربة عن أمته وحضارته بل وتراثها الحضاري والتشريعي كله)، فالسياسة الاستعمارية في التعليم تعتمد على المناهج التي تقطع الصلة بين المسلمين والعقيدة الإسلامية، وذلك من خلال تعزيز مفاهيم العلمانية والديمقراطية وغيرها من المفاهيم التي تفرض سيادة الحضارة العدوة لنا (الحضارة الغربية)... وقد وضع الإنجليز هذه السياسات قبل خروج جيوشهم من السودان في 1956م. فـ(كتشنر) ذلك القائد المتوحش الحاقد على الإسلام والمسلمين، الذي قام - في سبتمبر 1898م بعد تبشيعه بجيش المهدية في معركة (كرري) ودخوله لأم درمان العاصمة - بمبادرة وحشية عندما أمر بإخراج جثة الإمام محمد أحمد المهدي وتمزيقها وأخذ جمجمة المهدي وإرسالها إلى بريطانيا انتقاما من المهدي لما فعله بـ(غوردون) وحاميته. فمنعت الصلاة والآذان لعامين متتاليين في أم درمان عاصمة الدولة المهدية... هذا المجرم هو ذاته الذي أسس للنظام التعليمي في السودان عبر تشييده لكلية (غوردون باشا)، جامعة الخرطوم حالياً، والتي تخرجت منها العقول المؤسسة لمناهج التعليم في كل بقاع السودان!، حتى صار المسلم في بلادنا أمره عجباً، يُصلي في الصف الأول بالمسجد فيخرج ليضع قانوناً يبعد أمر الله من بين البشر تحت قبة البرلمان!... أما اليوم فإنّ أمريكا وأوروبا العجوز ومؤسساتهم الاستعمارية هي التي تشرف عن كثب على منهاج التعليم في بلادنا فتطلب تغيير المناهج وحذف آيات الجهاد، وإلغاء المواد التي تفاصل بين المسلم والكافر...، والهدف النهائي هو إنتاج الشخصيات التي تحمل أيدلوجيات غربية رأسمالية غريبة عن أمتها... ناهيك عن تعمد إدراج الأخطاء فيما يتعلق بالإسلام، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما أوردته صحيفة التيار بتاريخ 2014/11/8م: "كشفت باحثة تحمل درجة الدكتوراة في جامعة الجزيرة عن 21 خطأ طباعة في الآيات القرآنية المدرجة في المنهج الدراسي للعلوم الإسلامية بالمرحلة الثانوية. وقالت د. فتحية عبد الله الأستاذ المساعد بكلية علوم الاتصال بجامعة الجزيرة في حوار معها نشرته صحيفة الجزيرة اليوم...، قالت إنها أجرت بحثا في المنهج كشفت من خلاله هذه الأخطاء وأضافت أنها أبلغت الجهات المختصة بذلك وكتبت خطابات ورسائل متعددة بما فيها خطاب إلى مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي بالاتحادية، لكنها لم تجد رداً ولم يتم تعديل الأخطاء!... وما زال العمل جارياً بهذه الطبعة. وأوضحت فتحية أن الأخطاء المطبعية توجد داخل الآيات القرآنية الدالة على بعض الأحكام في الطبعة الثانية المنقحة من كتاب القرآن وعلومه للصف الأول الثانوي 2009، وقالت هذه الأخطاء لا توجد بالطبعة القديمة من نفس المنهج!". ويحكم ماذا تفعلون؟!.


2/ مستوى أداء المعلمين متردٍّ جداً، والأسباب تتوزع ما بين اقتصادية واستراتيجية وغيرها، ومن أهم الأسباب أن لا منظومة تدريبية مُحكمة ولا غير مُحكمة!، والطامة الكبرى أن وزارة التربية والتعليم في السودان تتفق معي على هذا التقييم!، نقلت صحيفة أخبار اليوم في 2014/9/21م الآتي: "التربية تقر بتأثير ضعف تدريب المعلمين على تحصيل الطلاب، مسؤول التدريب يشدد على حتمية إعداد دليل تدريبي للمعلمين... أقرت وزارة التربية والتعليم العام بضعف تدريب المعلمين أثناء الخدمة مما انعكس سلباً على التحصيل الأكاديمي للتلاميذ خاصة في اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات".


3/ يقول أحد أبرز النواب البرلمانيين السودانيين في ما نقلته عنه صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 2009/11/7م: "نائب برلماني: التعليم متدن والمناهج قائمة على التحفيظ ولا تنمي قدرات التلاميذ"، والحقيقة أن طرق التدريس فاشلة مفشلة للأجيال!، فالطرق المتبعة تركز على الحفظ المجرد في التعليم دون الفهم، أي أنها لا تركز على بناء المفاهيم من خلال ربط الأفكار بالوقائع بطريقة واضحة، وهذا الأمر هو الذي أدى إلى الخروج عن طريقة التفكير العقلية التي اتبعتها الحضارة الإسلامية فأنشأت جيلاً مبدعاً عالماً، وذلك في كافة ضروب المعرفة، سواءً العلوم التجريبية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء؛ أو العلوم الشرعية الإسلامية، فمثلاً يُدرس الإسلام بطريقة نظرية دون ربطه بالواقع المعاش للمسلم، ولا يحصل الربط إلا في الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والأخلاق، مع ذكر لبعض أحكام الميراث والنكاح والطلاق والغسل والجنابة، وأهملت الأحكام الأخرى التي تتعلق بالمعاملات وشؤون الحكم والسياسة، والشؤون الاقتصادية والمعاملات الخارجية.


4/ لا بنية تحتية مؤهلة لتصنع مناخاً تعليمياً وتربوياً صالحاً، فإنفاق الدولة على التعليم يبلغ أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي في الموازنة! [الصحافة - 2012/02/19م]، وهذا يدلل على عدم اكتراث النظام بصناعة أجيال متعلمة ناهضة: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾.


5/ إن منظومة التعليم في السودان تحتاج لإعادة بناءٍ بأكملها، بناءٍ ينتظم كافة أركان منظومة التعليم بدءاً بالأُسس التعليمية مروراً بالمناهج وانتهاءً بالمعلمين والمتعلمين وبيئة التعليم!... والغريب العجيب بحقٍ أن وزارة التربية والتعليم في السودان تدرك هذا الأمر حق الإدراك، ولكنها لا تتخذ أية خطوات في سبيل الحل!، نقلت صحيفة التغيير في 2014/2/11م ما نصه: "وزراة التعليم: تعليم جيد النوعية هو حلم طالماً راود أولياء الأمور عندنا في السودان، فالكثير من الأبناء يتخرجون وكأنهم لم يدخلوا مدارس يوماً، أمر محزن أن تكون المنظومة التعليمية بكاملها في حاجة إلى إعادة صياغة أو أبجدية جديدة"!!.


نظام التعليم في دولة الخـلافة الراشدة


إن نظام التعليم في دولة الخـلافة الراشدة يقوم على الأحكام الشرعية المنبثقة عن العقيدة الإسلامية، سواء في أسس التعليم المنهجية، أو المواد التي يجب أن تدرس سواءً للذكور أو الإناث وفق خصوصية أمر بها الإسـلام العظيم. وبذلك نعمق الشخصية الإسلامية في الأجيال الناشئة، لتُنشأ وفق منظومة الإسـلام العظيم؛ فيكونوا بحق خير خلف لخير سلف...


إن دولة الخـلافة الراشدة هي التي رفعت شأن العلم والعلماء، فكانت مؤسسات تعليمنا هي زهرة الدنيا؛ علماً وتعليماً وثقافة وأدباً وفكراً... حتى إن أوروبا كانت ترسل صفوة صفوة أبنائها للدراسة في دولة الخـلافة!، فقد أرسل ملك إنجلترا (جورج الثاني) رسالة إلى خليفة المسلمين (هشام الثالث) في الأندلس، هذا نصها: "من جورج الثاني ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين، في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام، وبعد التعظيم والتوقير، فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أربعة أركان، ولقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة دوبانت على رأس بعثة من بنات أشراف الإنجليز، تتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وحماية الحاشية الكريمة وحدب من اللواتي سيتوافرون على تعليمهن. ولقد أرفقت مع الأميرة الصغيرة هدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص. من خادمكم المطيع جورج ملك إنجلترا." [انتهى].


فكان جواب الخليفة الأندلسي هشام الثالث كالآتي: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه سيد المرسلين وبعد: إلى ملك إنجلترا وايكوسيا واسكندنافيا الأَجل... اطلعت على التماسكم، فوافقت على طلبكم بعد استشارة من يعنيهم الأمر من أرباب الشأن، وعليه نعلمكم أنه سوف ينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين دلالة على مودتنا لشخصكم الملكي. أما هديتكم فقد تلقيتها بسرور زائد، وبالمقابل أبعث إليكم بغالي الطنافس الأندلسية وهي من صنع أبنائنا هدية لحضرتكم وفيها المغزى الكافي للتدليل على التفاتتنا ومحبتنا والسلام. خليفة رسول الله في ديار الأندلس هشام الثالث." [انتهى]. [المصدر: كتاب "العرب عنصر السيادة في القرون الوسطى"، للمؤرخ الإنجليزي السير جون دوانبورت].


إن دولة الخـلافة الراشدة قادرة وبجدارة على النهوض بالتعليم من المستنقع الخطير الذي آل إليه، لا لترجعه لسابق مستواه قبل ثورة الإنقاذ في 1989م!، بل لتوصله إلى المكانة العلية التي ينشدها الإسلام العظيم، وذلك عبر جملة أمور منها:


1. التنفيذ الفوري لما ورد في الدستور الذي أعده حزب التحرير المادة (170): "يجب أن يكون الأساس الذي يقوم عليه منهج التعليم هو العقيدة الإسلامية، فتوضع مواد الدراسة وطرق التدريس جميعها على الوجه الذي لا يحدث أي خروج في التعليم عن هذا الأساس".


2. يُركز على العلوم التجريبية في مختلف مراحل التعليم بهدف تطوير الإنتاج والتطور التكنولوجي الحديث (كعلوم الفضاء والعلوم النووية والإشعاعية والبرمجيات المتطورة)، بحيث تصبح الخـلافة الراشدة قوةً رائدة لكل العالم في مجالات الابتكار الصناعي والصحي والهندسي، والمتطلبات العلمية التكنولوجية الأخرى للوجود الإنساني.


3. يخصص وقت كاف لتعلم اللغة العربية والعلوم الإسلامية حتى يتم بناء الأطفال على الفكر التشريعي الإسلامي... ليطبقوه منذ أول يوم بشكل عملي، ويتم تشجيع وحث الطلاب ليصبحوا أكفاء في فهم الأحكام الشرعية والقضائية من أجل فهم كيفية تطبيق الإسلام في معترك الحياة.


4. يكون التعليم بالمجـان وليس بالجيب الملآن؛ لجميع الطلاب مسلمين وغير مسلمين.


5. تشيد الدولة المكتبات والمختبرات وسائر وسائل المعرفة في غير المدارس والجامعات لتمكين الذين يرغبون في مواصلة الأبحاث في شتى المعارف من فقه وأصول فقه وحديث وتفسير، ومن فكر وطب وهندسة وكيمياء، ومن اختراعات واكتشافات وغير ذلك، حتى يوجد في الأمة حشد من المجتهدين والمبدعين والمخترعين.


6. تربط كل المؤسسات التعليمية بشبكات إلكترونية (صوتية ومرئية)، لسهولة التبادل المعرفي والتكنولوجي بين الطلاب في مختلف ولايات الدولة من المشرق للمغرب، فذلك حافز للمنافسة العلمية التكنولوجية بين الطلاب.


7. يوضع برنامج تطويري وتدريبي لقدرات المعلمين في كافة مراحل التعليم، للنهوض بمستوياتهم التعليمية يوماً بعد يوم.


8. يصرف على التعليم بقدر حاجته، من أبواب الملكيات العامة وملكية الدولة حسب اجتهاد الخليفة وتبنيه في حينه.


9. إن لم يكن في بيت المال ما يكفي للإنفاق على المؤسسات التعليمة، فيقوم الخليفة بفرض ضرائب على الأغنياء من فضول أموالهم، لمعالجة الحالة الطارئة، فالتعليم خطر أحمر عند دولة الخـلافة الراشدة على منهاج النبوة.


10. لا ينظر للمؤسسات التعليمية على اعتبار أنها مؤسسات ربحية تدر مالاً على الدولة، بل إن الدولة تنفق عليها دون عائد، فهي مؤسسات تعليمية مهمتها صناعة الأجيال وصياغة الأفكار.


﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس محمد هاشم

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو