السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المسلمين ثابتة  ولا يستطيع ترامب ولا غيره تغييرها مطلقا
November 27, 2024

السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المسلمين ثابتة ولا يستطيع ترامب ولا غيره تغييرها مطلقا

السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المسلمين ثابتة

ولا يستطيع ترامب ولا غيره تغييرها مطلقا

بعد الحملات الانتخابية الأمريكية التي تخللتها الدعاية الانتخابية المضادة والمناكفات السياسية الخبيثة والمناظرات الثنائية بين المرشحين، فاز مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب في 2024/11/5م على منافسته كامالا هاريس مرشحة الحزب الديمقراطي، وبفوز ترامب للمرة الثانية في هذه الدورة الانتخابية السابعة والأربعين في سلسلة الانتخابات الأمريكية منذ جورج واشنطن أول رئيس لأمريكا وحتى عودة ترامب للرئاسة يكون عدد الرؤساء الذين حكموا أمريكا 47 رئيسا مع تكرار بعضهم مرتين كأوباما وترامب وغيرهما، ولم يترشح للمرة الثالثة سوى روزفلت، وقد كان للحرب الصليبية الوحشية على قطاع غزة التي تقودها أمريكا وحلفاؤها وينفذها كيان يهود بوحشية قل نظيرها في التاريخ الأثر الأكبر في سير الانتخابات ونتائجها.

فقد أسرع بايدن فزعا مرعوبا من عملية طوفان الأقصى لكي يطمئن يهود الذين امتلأت قلوبهم رعبا من أبطال الأمة المجاهدين، فوقف بشكل واضح وصريح وهمجي مع كيان يهود ومده بالأسلحة والجنود وفرق الكوماندوز كونه شريكاً له في كل جرائمه ومجازره التي طالت البشر والشجر والحجر، وقد خرجت المظاهرات من الجامعات الأمريكية والأوروبية منددة بجرائم كيان يهود وانحياز الإدارة الأمريكية إلى صفهم وكان لهذا أثر كبير في خسارة مرشحة الحزب الديمقراطي. كذلك رشح كثير من المسلمين ترامب الذي وعدهم بوقف الحرب في غزة وإحلال السلام في الشرق الأوسط. وقد كان المسلمون في الانتخابات السابقة يقفون ضد ترامب بسبب إظهار عداوته للإسلام والمسلمين بشكل صريح ودون مواربة أو نفاق بعكس مرشح الحزب الديمقراطي الذي كان يتقن فن الدجل والنفاق والخداع فيكسب أصوات المسلمين.

أما في هذه الانتخابات فقد أتقن ترامب فن الدجل والخداع والوعود الكاذبة وهو يعلم قبل غيره أنه لا يوجد في قاموسه الصدق أو الوفاء بالوعد أو صداقة المسلمين أو معاداة اليهود، فالحفاظ على كيان يهود من ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية لا يستطيع أي رئيس أمريكي تغييرها، وصلاحيته تكمن فقط في استخدام الأساليب والوسائل المناسبة للحفاظ على كيان يهود ليكون خنجرا مسموما بيد أمريكا لتقتل به المسلمين وهذه حقيقة لا تقبل النقاش، ومعلوم أن الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع، وعداوة أمريكا للمسلمين وحفاظها على الابن المدلل كيان يهود حقيقة لا تقبل النقاش، فمن يأمل في ترامب خيرا فهو واهم. ألا يتذكر أن ترامب في رئاسته الأولى كان شديد العداوة للمسلمين وصديقاً حميماً لكيان يهود؟ فقد قام بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ليبرهن بشكل واضح أنه مع يهود قلبا وقالبا وأنه لن يتخلى عنهم أبدا، وهذه سياسة ثابتة لديه لا تتغير.

فعلى صعيد الحرب الفكرية سخرت أمريكا العملاء والعلماء والأموال ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام في بث سمومها وأفكارها لتمييع أفكار الإسلام وحرف المسلمين عنها وإقناعهم بالأفكار الغربية الدخيلة وإلباسها ثوب الإسلام لتضليل المسلمين وإقناعهم بها.

أما على الصعيد السياسي فهي تحارب عودة الخلافة المنقذة للبشرية من ظلم وظلمات الرأسمالية بكل ما أوتيت من قوة، وقد استخدمت لذلك فكرة استراتيجية كإلصاق الإرهاب بالمسلمين واتخاذ ذريعة مكافحة الإرهاب كسلاح فتاك للحرب الشعواء على الإسلام والمسلمين وتشويه صورة الإسلام، وإلصاق جرائم الذبح والقتل الهمجي به، وتكتيل دول العالم حتى الدول القائمة في بلاد المسلمين لمحاربة الإسلام تحت مسمى مكافحة الإرهاب. والحقيقة هي أن أمريكا هي دولة الإرهاب وصانعته وزعيمة الدول الاستعمارية والتابعة لها في محاربة الإسلام، فهي تسعى بكل قوة مع حلفائها وعملائها لمنع عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، واستمرار تبعية حكام المسلمين للغرب وحكم المسلمين بالقوانين الوضعية التي جاءت من الغرب المنبثقة من عقيدته الرأسمالية فصل الدين عن الحياة.

أما على الصعيد الاقتصادي فقد ربطت أمريكا دول العالم وخاصة المسلمين بصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وهو الثالوث الخبيث الذي تمكنت من خلاله من الهيمنة الاقتصادية على مقدرات المسلمين وثرواتهم وإجبار الدول القائمة في بلاد المسلمين للدخول في مصيدة الديون عن طريق القروض الربوية لتتحكم بالاقتصاد في بلدانهم وتغزو أسواقهم بمنتجاتها فتضرب الصناعات المحلية وتربط عجلة النمو الاقتصادي بها لاستمرار التحكم بهم.

أما على الصعيد الإعلامي فقد احتكرت أمريكا وأوروبا وروسيا المعلومات وربطت وسائل الإعلام بمخابراتها لكي لا يوجد إعلام موضوعي صادق، وإن وجد تحاربه بشدة حتى لا يصل إلى الناس إلا بشكل بسيط فيكون تأثيره محدوداً. فهم يسيطرون على أكثر من 90% من المحطات الإذاعية والتلفزيونية والصحافة ومواقع التواصل الإلكتروني، وهذا يمكنهم من السيطرة على الإعلام والتحكم في الأخبار وقلب الحقائق والتكتيم الإعلامي على كل خبر ينشد نهضة الأمة وانعتاقها من القبضة الغربية الاستعمارية.

أما على صعيد المنظمات التي تلبس ثوب الإنسانية وهي بالآلاف ومهمتها نشر الثقافة الغربية الفاسدة في أوساط المسلمين، فعملها مكمل لعمل الأنظمة التي تحكم بالثقافة الغربية، فقد تزايدت موجة الإلحاد والفساد الأخلاقي والشذوذ الجنسي، فهي تعمل على هدم الثقافة الإسلامية لتحل مكانها الثقافة الغربية الفاسدة التي تخرج البشر من دائرة الإنسانية إلى درك الحيوان.

أما على الصعيد العسكري فقد تبنت أمريكا ولا تزال إشعال الحروب في كل بلاد المسلمين وحربهم مباشرة كما فعلت في أفغانستان والعراق والصومال، أو عن طريق حرب الوكالة كما فعلت في باكستان حيث سلطت النظام لحرب القبائل التي رفضت القوانين الوضعية الغربية وتاقت إلى الاحتكام للشريعة الإسلامية، فكانت المجازر والدماء تنفيذا للأجندة الأمريكية، وكذلك خوض إيران حرب الوكالة عن أمريكا في الشام لإجهاض ثورة الأمة فيها، وأيضا خوض أردوغان حرب الوكالة عن أمريكا في ليبيا والشام لحرف مسار الثورة فيها، أو تشعل الاحتراب الداخلي تنفيذا لأجندتها كما فعلت في العراق واليمن وليبيا والسودان، أو تحتضن جسما غريبا في الأمة صنعه حلفاؤها الإنجليز كما هو الحال في كيان يهود الذي تمده بالأسلحة الفتاكة التي قتل بها خلال عام من بعد عملية طوفان الأقصى إلى اليوم عشرات الآلاف من المسلمين.

وأخيرا من أهم بنود السياسة الخارجية الأمريكية دعم كيان يهود والحفاظ عليه ليكون خنجراً مسموما بيد أمريكا في قلب الأمة الإسلامية لقتل المسلمين ومنع تحرك الجيوش لنصرة إخوانهم في غزة لأن في ذلك خطراً عليهم وعلى كيان يهود. فالطريقة العملية لإزالة كيان يهود هو الجهاد؛ إما بتحريك الجيوش فجيش الكنانة وحده قادر على إزالة كيان يهود لو لم يكن في يد الخائن العميل لأمريكا عبد الفتاح السيسي، وإما بإسقاط العروش وإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة فهي التي تحرك الجيوش وتقضي على كيان يهود المسخ وتحرر فلسطين وأخواتها وتوحد بلاد المسلمين كلها في دولة واحدة وتعيد نهضة الأمة من جديد لتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس، وتعود دولة الخلافة هي الدولة الأولى في العالم وتكون لها القيادة والريادة وزمام المبادرة لتنشر الإسلام في الأرض فتملأها عدلا بعدما ملأتها الرأسمالية كفرا وظلما.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاشد قاسم – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر