لقد تعارف الناس على النفور من الجُبْن واعتباره صفة بذيئة لا تلازم إنسانا إلا وأوجدت عنده الذل والخنوع. وقد كان الناس عبر التاريخ -ولا يزالون- يقدِّرون كل شجاع ويضربون به الأمثال. و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجُبْن كما روى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده،(حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالجُبْن وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ). وقد يكون الجُبْن أمام عدو غاشم، أو أمام حاكم ظالم، أو أمام مجتمع فاسد أو أمام انسان متغطرس متكبر. وقد ضرب المسلمون - ولا زالوا- أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام على محاربة الأعداء، فإذا ما داهم الأعداء بلداً من بلاد المسلمين، خرج أهل البلد وغيرهم من المسلمين للدفاع عنه ودحر العدوان، والأمثلة كثيرة على ذلك مثل العراق وفلسطين والشيشان وغيرها. وقد ضرب المسلمون أيضاً أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام في القتال في سبيل الله ونشر رسالته حتى أصبح الجيش الإسلامي عند أعدائه جيشاً لا يُقهر ولا يُتغلب عليه. وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته قبل ذلك أروع الأمثلة في الشجاعة وعدم الجُبْن في حمل الدعوة الإسلامية لأهل مكة وغيرها، وصبروا وتحملوا كل أنواع العذاب، ولم تفتر لهم عزيمة حتى نصرهم الله بإقامة الدولة الإسلامية في المدينة.
وقد جاء الإسلام وحث المسلمين على الشجاعة السياسية؛ وهي الشجاعة في رعاية شؤون الناس ومحاسبة من يقصر في هذه الرعاية. والسياسة لغةً تعني الرعاية، وقد جاء الإسلام وأكد هذا المعنى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ) (صحيح مسلم). أي كانت ترعاهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (صحيح البخاري). وقد فرض الله عز وجل على الأمة الإسلامية أن تحاسب حاكمها، وتقوِّم اعوجاجه، وتراقب أعماله وتصرفاته، وتطيعه في غير معصية الله عز وجل، قال تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110). وروى أحمد في مسنده (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الجهاد أفضل قال كلمة حق عند إمام جائر). وقد فهم الصحابة هذا الحكم وهو الإقدام على محاسبة الحاكم وعدم الجُبْن أمامه، وقد تبعهم في ذلك التابعين وتابعي التابعين، وضربوا أروع الأمثلة في ذلك. فقد حاسب المسلمون عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأبراد اليمانية وفي تحديد المهور، وحاسب الصحابة رضوان الله عليهم معاوية، وحاسب التابعون حكامهم وولاة أمرهم، والقصص كثيرة ومشهورة عن سعيد بن جبير مع الحجاج، وسعيد بن المسيب مع عبد الملك بن مروان، وتبعهم في ذلك فقهاء المسلمين من أمثال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة ومالك وغيرهم الكثير من علماء الأمة، ولم يقبلوا من الحاكم تقصيراً أو ظلماً ولو في حُكْم واحد مع أن الدولة والنظام فيها كانا يسيران حسب أحكام الإسلام.
واستمرت الأمة في شجاعتها السياسية ما بين إقبال أو توقف حسب قوة فهم الأمة للإسلام. وقد دفعت الأمة ثمناً غالياً في هذا الزمان حين جبنت عن محاسبة أواخر الخلفاء العثمانيين، ولم تقم بما فرضه الله عليها بالأخذ على يد كمال أتاتورك الكافر لإبقاء حكم الله مطبقاً. وكانت الفاجعة الكبرى حين أعلن كمال أتاتورك سقوط دولة الخلافة وطرد الخليفة خارج البلاد بصورة مذلة ومحزنة. وبضياع دولة الخلافة والأم الرؤوم، استشرى الجُبْن عند الأمة -إلا من رحم الله- وانعدمت الشجاعة السياسية، ولم تعد الأمة تكترث بمحاسبة حاكم أو قائد، مع أنها حاربت الاستعمار والاحتلال، وأثبتت أنها تمتلك طاقة حيوية وشجاعة فائقة.
وقد ابتليت الأمة في هذا الزمان بعلماء مَلَك الخوف قلوبهم، وأنفوا الشجاعة، وأحبوا الخنوع، فلا تركوا الأمة تُقدِم على محاسبة الحكام، ولا قادوها إلى ذلك. بل إن قام فرد أو حزب بمحاسبة هذا الحاكم وقف هؤلاء «العلماء» في وجههم ورموهم بأقوالهم الممجوجة بوجوب طاعة الحاكم والصبر على أذاه، وعدم رمي النفس في التهلكة، وهم من بعد ذلك يكيلون المدح والثناء والدعاء لهذا الحاكم، وأصبحت الأمة بين فكين: الحكام وأعوانهم من الأجهزة الأمنية، والعلماء وفتاويهم.
وقد عمل الحكام يساندهم في ذلك أسيادهم الغربيون على بثِّ الجُبْن السياسي عند المسلمين، وحرمانهم من تلك الشجاعة السياسية حتى يضمنوا بقاء الأوضاع على حالها وحتى لا يتمكن المسلمون من اقتعاد مكانتهم بين الأمم وحمل الخير إلى الناس كافة. وقد قام هؤلاء الحكام بقتل وتعذيب وسجن ونفي كل من يقوم بمحاسبتهم وبيان الحق لهم. فالبعثيون في العراق أعدموا كثيراً من المسلمين وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز البدري. وقام العابث مجرم ليبيا بقتل 13 مسلماً أمام حشد من الطلبة والمدرسين وما كان ذنبهم إلا بيانهم ومناقشتهم له بأن السنة النبوية -التي ألغاها القذافي- هي مصدر من مصادر التشريع كالقرآن الكريم. وما قام به ضباط الإجرام في مصر الكنانة من إعدام العشرات وعلى رأسهم سيد قطب. وما قامت به كل الأنظمة الاخرى من مجازر وإرهاب تقشعر لها الأبدان ولا يتسع المقام لذكرها. وأرهبوا الناس ونشروا الرعب والخوف من مثل أن السلطة تعلم كل شيء، وأفقروا الناس وسلبوا خيرات البلاد وكأن الناس عبيد لهم والدولة مزرعة لهم ولأولادهم. ولم يكترثوا بفقير أو مسكين أو أرملة أو طفل صغير، فالمهّم هم وأطماعهم وأن تتحقق رغباتهم، وقد كَرَّسوا المثل القائل «أنا ومن بعدي الطوفان». وقد نشروا بين الأمة أمثالاً وأقوالاً غريبة، مثل «اليد لا تلاطم مخرزاً» و «ضع رأسك بين الرؤوس» وما كل ذلك إلا لجعل الأمة تقبل بالأمر الواقع. وقد قاموا بتوظيف «علماء» جُلَّ همّهم هو ترويض وتطويع الأمة وتركيعها لهذا الحاكم. ففي بلاد نجد والحجاز مثلاً، كان استقدام العمال والخدم الكفار لا يجوز، وبين عشية وضحاها أصبح استقدام الجيوش الأجنبية واجباً وجائزاً ! وتجد في أوزبكستان «علماء» يقفون للدفاع عن كريموف حاكم البلاد الذي يحكم بالكفر، ويسجن ويقتل المسلمين علناً وبالآلاف. وتجد في مصر والأردن «علماء» نصبوا أنفسهم لتبرير اتفاقيات الخيانة، وحماية كيان يهود وتجويع المسلمين في غزة. وتجد في بلاد الشام من يقف ويمدح نظام الخزي والعار القاتل لعشرات الآلاف من المسلمين.
ولم يسلم المسلمون في بلاد الغرب من مرض الجُبْن السياسي، ولم يتحلوا بالشجاعة السياسية، مع أن المفروض أنهم يعيشون في ظل أنظمة ديمقراطية تتغنى بالحرية وباتساع الصدر للمحاسبة. فالدول الغربية تريد من المسلمين الاندماج في المجتمعات وأن يصبح المسلمون مواطنين أوروبيين أو أمريكيين ولكن بدين إسلامي كما هو حال المواطن الأمريكي المسيحي أو اليهودي أو غيرهم، أي بمعنى أن يصبح المسلمون يقومون بالعبادات ولكن حكمهم وفكرهم عن الأشياء والأفعال لا يستند إلى الإسلام، ويصبح الإقدام على الفعل من عدمه قائماً على المصلحة أو المنفعة تماماً كما هو حال الرأسماليين. وقامت جمعيات ومنظمات تعمل على أساس الدمج. وبدل أن يكون عملهم هو الحفاظ على المسلمين والدفاع عن حقوقهم جميعها وتبيان كيفية العيش في بلاد الغرب، والمحافظة على الهوية الإسلامية والالتزام بأحكام الإسلام في نفس الوقت، جبنوا وخافوا وبعدوا عن التحلي بالشجاعة والإقدام.
وكانت الطامة الكبرى بعد أحداث 11/9، فأصبح المسلمون مذنبين حتى تثبت براءتهم، وأخذت الدول الغربية تعمل على إثارة الخوف والرعب، وتُظهر المسلمين أنهم خطر ومنهم مجرمون وقتلة، وهذا سهَّل على الأنظمة الحاكمة في الغرب جرَّ المسلمين نحو الانخراط والانصهار في هذه المجتمع. وخرج على الناس من انعدمت الشجاعة عنده بفتاوى مثل العمل مع المخابرات والدخول في الجيش والمشاركة في الانتخابات وغيرها واعتبار ذلك «واجباً شرعياً». وقد جبنت المؤسسات والمنظمات -في أميركا- الداعية إلى «أمركة» المسلمين عن ذكر ما يتعرض له المسلمون في العراق أو الشيشان أو الصومال، ولا يجرؤون على ذكر مذابح حصلت للمسلمين في العراق مثلاً، مثل حادثة القتل في بغداد عام 2007م التي سربها موقع «ويكي ليك» مع أن الأمريكان أنفسهم رفضوا ذلك واستقبحوه. ومن الغريب المبكي أن يصل الجُبْن بمحامٍ مسؤول في «جمعية إسلامية» أن يتولى الدفاع عن أحد ناشري الرسوم الكرتونية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. ولم تقم المنظمات بالدفاع عن المسلمين المتهمين من قِبل الدولة الأميركية بالإرهاب إلاّ في حالات خاصة. ولم تقم مثل تلك المنظمات بمحاسبة الرئيس الأميركي -الذي انتخبوه- في كثير من القضايا التي تهم المسلمين مثل فلسطين أو وعوده بالانسحاب من العراق أو إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان. أو تغيير التعامل مع المسلمين، وتغيير الرأي العام تجاههم.
إن الجُبْن السياسي مرض عضال إن استشرى في الأمة أدى بها إلى السكوت عن المطالبة بحقوقها وانحدر بها إلى الدرك الأسفل بين الأمم. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور عن السكوت والمحاسبة، حيث قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ قَوْمًا ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ) (مسند أحمد). فأيُّ مصيبة وأي حال أسوأ مما فيه الأمة الآن؟! لقد حان الوقت لأن تكف الأمة عن هذا الجُبْن، وآن الأوان أن تنفض الأمة عنها ثوب الذل والخنوع فتتحلى بالشجاعة والإقدام، فتدافع عن حقوقها، وتبين مطالبها دون خجل أو تُقية.
كتبة للاذاعة ابو الهيثم
الشجاعة السياسية
المزيد من القسم null
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وسيد المرسلين, المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, واجعلنا معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية, مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية, نقول وبالله التوفيق: موضوع حلقتنا لهذا اليوم هو "الشروط الواجب توافرها فيمن يخطب الجمعة".
اقتبست مادة هذه المقالة من مقالة كتبها الأستاذ علي مدني الخطيب الداعية المصري جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
إن الخطابة هي فن مشافهة الجماهير والتأثير عليهم، وخطبة الجمعة كانت ولا تزال لها تأثير كبير إذا أديت على الوجه الصحيح. وأما الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يخطب الجمعة، فمن الممكن أن نلخصها في الأمور الآتية:
أولا: يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة توصيلها للناس، لا يكل ولا يمل. والمشكلة الآن في أن الخطابة قد أصبحت وظيفة يتكسب بها الخطباء عند الغالبية العظمى منهم في كل البلدان، وهذا ما ضيع كثيرا من فائدتها. وعما قريب في ظل دولة الخلافة القادمة بإذن الله ستعود الخطابة إلى سابق عهدها, تؤدي دورها في الأمة على أحسن وجه وعلى أفضل ما يرام.
ثانيا: الخطابة فن، ولذا ينبغي لمن يتصدى لها أن يكون ذا موهبة، يثقلها بالعلوم والمعارف المختلفة، ذات الصلة الوثيقة بعلم الخطابة، فسعة الاطلاع خير معين للخطيب في أداء خطبته بقوة وتأثير.
ثالثا: الناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل لكلامه قبولا عند المستمعين، أما مخالفة القول للعمل، فأكثر المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.
رابعا: أن يكون الخطيب شجاعا في قول الحق، مع التحلي بالحكمة وحسن التقدير للموقف، بعيدا عن التهور والاندفاع غير المحسوب، فالشجاعة في قول الحق صفة أساسية لا بد وأن يتحلى بها الخطيب؛ لأنه سيتعرض لأمور كثيرة, إن لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلن يستطيع أن يوفيها حقها.
وكما نطالب الخطباء بالشجاعة، فإننا نطالب الحكام أن يسمعوا كلمة الحق ويستجيبوا لها. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها!".
خامسا: أن يكون وثيق الصلة بجمهوره، أقصد مستمعيه، وأن يحدث تقاربا بينه وبينهم، فيعود مرضاهم، ويسأل عن غائبهم، ويشارك في وضع الحلول لمشكلاتهم، وكلما اقترب من المدعوين ووقف بجانبهم في أزماتهم كان ذلك أدعى إلى التفافهم حوله.
مع ملاحظة أن يعف نفسه عما في أيدي الناس، كما ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد الساعدي، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجة بسند صحيح.
سادسا: أن يكون على قناعة تامة بما يدعو إليه، حتى يكون قادرا على الإقناع والتأثير، فالإيمان بقضية ما يجعل صاحبها يدافع عنها بكل ما يملك.
سابعا: اختيار موضوع الخطبة بحيث يعالج القضايا التي لها مساس بواقع الحياة التي يحياها الناس، ويناقش المشكلات الاجتماعية المتعددة، ويحاول طرح الحلول المناسبة لها والمستنبطة من الشرع الحنيف، أما الموضوعات السلبية التي لا تعالج أمراض المجتمع وعلله المختلفة، فإن الاستفادة منها تكون قليلة. ويا حبذا لو اتفق خطباء الحي وحاملي الدعوة ممن يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويحرصون على تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة, يتفقون على موضوع واحد، كل يعالجه بأسلوبه الخاص به، مع التقيد بالأحكام الشرعية, فستكون النتيجة أجدى وأفضل.
ثامنا: فصاحة اللسان، وسلامة مخارج الحروف، مع مراعاة حسن الإلقاء، قوة ولينا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع.
تاسعا: حسن الهندام والمظهر، وإن كان لا دخل له في شخصية المرء, وهو من القشور كما بيـنا سابقا, لكن الأولى والأفضل أن يحرص المؤمن أن يظهر بالمظهر الحسن, فينبغي أن تكون ملابسه مرتبة, وهيئته حسنة.
عاشرا: أن يتجنب الألفاظ المسيئة التي لا يحسن استخدامها ومن الأمثلة على ذلك ما قاله أحد الخطباء في حضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا" فقال له عمر رضي الله عنه: "بئس الخطيب أنت!". والخطأ في قوله: "ومن يعصهما" حيث استخدم ضمير المثنى "هما" ليعبر به عن الله ورسوله, والصواب ترك الضمير, وأن يقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".
حادي عشر: مع الإعداد الجيد، ومع كل ما سبق: التوكل على الله، وطلب العون منه، كما فعل ذلك نبي الله موسى عليه السلام، حينما دعا ربه قائلا: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. (طه 28)
ثاني عشر: مميزات الخطبة الناجحة خمسة: مقدمة قوية, وصوت واضح, وممارسة, وإلقاء معتدل وخاتمة قوية.
ثالث عشر: أقسام أو أجزاء الخطبة ثلاثة: هي المقدمة, والموضوع, والخاتمة.
رابع عشر: أهداف الخطبة أربعة هي: الإفهام والإقناع والإمتاع والاستمالة.
خامس عشر: خصائص أسلوب الخطبة عشر: قصر الجمل والفقرات, وجودة العبارة والمعاني, وشدة الإقناع والتأثير, والسهولة, ووضوح الفكرة, وجمال التعبير, وسلامة الألفاظ, والتنويع في الأسلوب ما بين الإنشائي والخبري, وقلة الصور البيانية, والإكثار من السجع غير المتكلف.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد احمد النادي
المعلم التاسع: ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة: بما أن القرآن ليس من عند العرب، ولا من عند محمد صلى الله عليه وسلم وهو واحد منهم, ولا من عند العجم, فهو حتما من عند الله خالق الكون والإنسان والحياة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وما دام القرآن معجزا للبشر, فإن الذي أتى به دليلا على نبوته ورسالته يكون نبيا ورسولا حقا, وما دام القرآن لا يزال يتحدى البشر بإعجازه فهو معجزة دائمة. ومحمد إذن نبي لكل البشر حتى يوم القيامة, وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وهو الوحيد من بينهم الذي تمتاز نبوته بالدوام, ورسالته بالشمول والدوام.
أوحى الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم باللغة العربية بوساطة الملك جبريل عليه السلام. وأنزله عليه مفرقا في مدة ثلاث وعشرين سنة . وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة تدل على صدق رسالته. وسيظل القرآن معجزة إلى يوم القيامة يوم تقوم الساعة.
وكان القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بحفظه في الصدور، وكتابته في الرقاع، من جلد أو ورق أو عظم أو عسب النخل أو حجارة رقيقة. وكان إذا نزلت الآيات، أمر بوضعها موضعها من السورة، فيقول ألحقوا هذه الآية في سورة كذا بعد آية كذا، فيضعونها موضعها من السورة.
روي عن عثمان بن عفان أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم تنزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا". (رواه الترمذي3011)
وهكذا حتى نزل القرآن كله والتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعد أن كمل نزول القرآن. ولذلك كان ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله تعالى فهو ترتيب توقيفي من الله تعالى. وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ذلك مطلقا. وهذا الترتيب للآيات في سورها على الشكل الذي نراه الآن، هو نفسه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفسه الذي كان مكتوبا بالرقاع والأكتاف والعسب واللخاف ومحفوظا في الصدور. وعليه فإن القرآن قطعي في وروده إلينا وفي ترتيب آياته.
أيها المؤمنون:
لقد نقل إلينا القرآن الكريم بطريق التواتر، أي نقل القرآن الكريم جمع كبير من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين، ثم نقله جمع كبير من التابعين إلى تابعي التابعين، ثم نقله جمع كبير من تابعي التابعين حتى وصل إلينا كما نزل مكتوبا في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخط نفسه, والإملاء ذاته الذي كتبت به الصحف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي بها. وقد تكفل الله بحفظه بقوله: )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون(. (الحجر : 9 ).
وبما أن القرآن كلام الله ولا يأتي بكلام الله إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي .
وكذلك اشتمل القرآن على دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده وعبادته، والالتزام بطاعته، ورتب على طاعته الجنة وعلى معصيته النار، ولا يأتي بأوامر الله ونواهيه إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قطعا بالدليل العقلي أيضا.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.