المنظمات غير الحكومية ودورها في فلسطين
December 02, 2010

المنظمات غير الحكومية ودورها في فلسطين

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاه وبعد:

تعود نشأة المنظمات غير الحكومية - أو ما تسمى بمؤسسات المجتمع المدني وأحيانا بالمؤسسات الأهلية - في الغرب إلى زمن النهضة الأوروبية، زمن الصراع بين الكنيسة والشعب وبين الملوك الأباطرة والشعب، فقد حكم الملوك الشعب الأوروبي فترة طويلة من الزمن آخذين الشرعية من الكنيسة، واتسمت هذه الفترة بالانحطاط والتخلف والجور، الأمر الذي دعا إلى البحث عن بديل لا دخل للدولة به (كسلطة سياسية)، ولا للكنيسة أيضاً (كسلطة دينية)، من أجل القيام بدور الرعاية للناس، ثم بتأثير العولمة وبتبني الأمم المتحدة لثقافة الحاجة إلى مؤسسات (غير خاضعة للحكومة وأهدافها غير ربحية كما يقولون)، انتقلت تلك الثقافة منذ أكثر من عقدين من الزمن إلى البلاد العربية والإسلامية،مع وجود إختلاف في طبيعة عملها في الغرب أو في بلادنا.

وبالتدقيق في أهدافها وبرامج أعمالها يتبين أنها أسلوب من أساليب حرب الأفكار وأن الدور الذي تلعبه هو دور مشبوه وخطير، إنها تقدم خدمة للبرامج السياسية والإقتصادية والإجتماعية للغرب الكافرالمموّل لتلك المنظمات والذي يستميت في العمل للحيلولة دون عودة الإسلام إلى واقع الحياة.

ومما يدل على ذلك:

-- ما ورد في كتاب "العالم الإسلامي بعد 11/9 الصادر عن مؤسسات البحث الأمريكي فقد أوصى أن تقوم المؤسسات باستقطاب الشباب لإبعادهم عن الدين وعن الجماعات الإسلامية، أليست هذه الأهداف أهداف سياسية تصرف الأمة عن التفكير بمشروعها النهضوي !!! ؟

-- وكذلك المفوضية الثلاثية: وهي أهم منظمة غير حكومية في العالم تضم أكثر من (350) شخصاً من صُنّاع القرار السياسي والإقتصادي والثقافي كرجال الأعمال والإعلاميين والأكاديميين والسياسيين والنقابيين وممثلي المنظمات غير الحكومية الأخرى، وهؤلاء من ثلاث قارات (أمريكا وأوروبا وشرق آسيا) وتتصل بشبكة من المؤسسات المانحة كمؤسسة روكفلر ومؤسسة فورد وغيرها، وتضع توجهات وبرامج على مستوىً عالمي وتحولها إلى سياسات فعلية على الأرض وإلى رأي عام، عبر ملياراتها ومشاريعها الثقافية وغير الثقافية وكل ذلك مُوَجَّهٌ إلى المُتَلقين للتمويل الأجنبي، رغم أنهم يُصِرّون بأن تمويلهم يأتي بدون شروط .

--وأيضاً تبني الأمم المتحدة لثقافة المنظمات غير الحكومية والترويج لها وعقد المؤتمرات المتتالية الهادفة إلى عولمة الحياة الإجتماعية بالمفهوم الغربي الإباحي، ففي عام 1979م عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إتفاقية (سيداو) وهي أخطر إتفاقية متعلقة بقضايا المرأة وأكثرها مخالفة للإسلام حيث تعتبر أن من أبرز أشكال التمييز ضد المرأة هو الدين، وفي عام 1995م عقد في بكين المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة، والذي أثار ضجة كبيرة عليه لمخالفته للفطرة والشريعة الإسلامية، لكن هذه الضجة لم تؤثر طويلا فقد عقد مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة (المساواة والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين) في نيويورك والذي من أبرز أهدافه إلغاء جميع التحفظات التي قُدِّمَت على توصيات مؤتمر المرأة الرابع ببكين .

لقد ركزت المنظمات في بداية وجودها على تقديم خدمات الرعاية للفقراء من توفيرٍ للحاجات الأساسية والصحة والتعليم، وتقديمٍ للمساعدات عند حدوث كوارث طبيعية كالفيضانات والمجاعات والحروب وما ينتج عنها من أعداد كبيرة من اللاجئين، وقد كان التمويل يتم من التبرعات الخاصة والأسر الراعية لهذه المنظمات، وعلى مرّ الزمن ازدادت هذه المنظمات بكثرة وتنوعت أدوارها وبرامجها وأنشطتها، فأصبحت تهتم بقضايا أخرى كالبيئة والعدالة الإجتماعية والمرأة والشباب والطفل وحقوق الإنسان والديمقراطية والعنف ------ الخ، ولكن تلك المنظمات لم تبق محصورة محلياً فقط وإنما أصبحت منظمات دولية ضخمة ذات نفوذ كبير وبتمويل متوسط مثل منظمة العفو الدولية والتي تعمل في (162) دولة وتمتلك معلومات عن هذه الدول وهي جاهزة لمن يطلبها، ومنظمات عالمية أكبر كمنظمة السلام الأخضر والتي تقدر ميزانيتها بحوالي (400) مليون دولار سنوياً.

هذه المنظمات، ولو أن مراكزها الأساسية في دولها وأماكن نشأتها إلا أن لها فروع في دول عديدة ومنها فلسطين، مثل مؤسسة الشرق الأدنى والتي تأسست في بداية القرن العشرين ومقرها الرئيسي في نيويورك والإقليمي في القاهرة وتعمل في أرمينيا وجيبوتي وأرتيريا وأثيوبيا ومالي والأردن ومصر والمغرب والسودان واليمن وافتتحت مكتبها في فلسطين عام (2000)م .

وكذلك منظمة التنمية الأمريكية لها فروع في العراق ومصر وصربيا والبوسنة وأنشأت فرع لها في فلسطين وبالتحديد في جبل الزيتون في القدس عام (1980)م وهي تعنى بالتنمية الدولية للديمقراطية.

إن هذه المنظمات، خاصة ذات النشاط الدولي ما هي إلا إحدى آليات الهيمنة الرأسمالية تعمل إلى جانب المؤسسات الدولية الرسمية - كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية -على تطبيق وتنفيذ برامج عولمية .

وبحسب دليل المنظمات غير الحكومية في الضفة الغربية لعام (2006)م فإن عددها يساوي (715) منظمة وبالتأكيد فإن العدد قد ازداد في الأربع سنوات الأخيرة، فقد أشار مدير عام مركز تطوير المؤسسات الأهلية الفلسطينية "غسان كسابرة" في مقال له بتاريخ 7/2/2010م إلى وجود حوالي (1500) مؤسسة أهلية إضافة إلى العديد من التي تمّ تسجيلها حديثا.

أما تمويل هذه المنظمات فإنها تعتمد على المساعدات الخارجية حيث تصل نسبة هذه العائدات إلى 78%، وتشير التقارير إلى أن المساعدات الخارجية للمنظمات الفلسطينية غير الحكومية لعام (2008)م بلغت (257) مليون دولار أمريكي، فمن بين الجهات المانحة الدول الأوروبية سواء كمجموعة أو كدول فردية وهي تعتبر أكبر جهة مانحة حيث توفر حوالي 70% من مجموع التمويل المخصص لهذه المنظمات، كما تقدم الولايات المتحدة الأمريكية ما نسبته فقط 5% من التمويل والباقي الضئيل يأتي من الدول العربية .

بعد هذا العرض المختصر جدا أخواتي نريد التركيز على ما يهمنا كنساء نعيش في فلسطين، على مراكز نسوية منتشرة تعمل ليل نهار دون كلل أو ملل على شريحة كبيرة من النساء المنتسبات لهذه المراكز والمشارِكات لبرامجها، من أجل اختراقها وإفساد عقولها ، ومن بين هذه المراكز :

  1. جمعية النهضة النسائية في رام الله .
  2. مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي وله أربع فروع في رام الله - بيت حنينا- الخليل- القدس (البلدة القديمة) .
  3. إتحاد لجان العمل الصحي :مركز نضال لتعزيز وتنمية المجتمع في القدس (البلدة القديمة) .
  4. مركز السرايا لخدمة المجتمع في القدس ( عقبة السرايا).
  5. جمعية تنظيم وحماية الأسرة الفلسطينية ولها ست فروع في الضفة وغزة .
  6. المركز الفلسطيني للإرشاد وله عدة فروع في القدس وبيت حنينا ورام الله وجنين ونابلس .
  7. برج اللقلق المجتمعي في القدس (باب حطة) .
  8. مؤسسة العناية الأهلية في واد الجوز والتي تقدم خدمات تأهيل منهجي للشابات من عمر (16-22) وهي أخطر مرحلة في حياة الفتيات .

هذه بعض الأمثلة وغيرها كثير كثير لا يتسع الوقت لسردها وتبيان أهدافها المعلنة والمخفية، فقد لوحظ أن هذه المراكز عادة ما تبدأ مشوارها ببرامج ترفيهية لا فكرية وأحيانا يلحقها توزيع مواد غذائية وحاجات أخرى على الأسر المحتاجة والأيتام، وإذا ما اطمأنت النساء إليها وأصبحن يرتدن المكان كشفت هذه المراكز الخبيثة عن خططها الماكرة وبدأت تبث سمومها في عقول نسائنا بالتزامن مع البرامج والدورات الرياضية واللياقة والطبخ والأشغال اليدوية التي تُدِرُ ربحا على النساء.

وكثيراً ما يلحق بالمراكز روضات أطفال ودورات مساعدة لدراستهم ومخيمات صيفية وأماكن لهو وترفيه، كل ذلك تشجيعا للمرأة على الحضور إلى المركز وهي مطمئنة على أطفالها .

ومن الأساليب الماكرة إعطاء الموظفات العاملات في هذه المراكز رواتب عالية من أجل استقطابهن للعمل معهم، كذلك لوحظ أسلوب إعطاء هذه المراكز المظهر الإسلامي عن طريق توظيف النساء المحجبات والرجال الملتحين والذين تظهر عليهم علامات الورع والتقوى وممن يقرأون القرآن، يريدون بذلك إيجاد وجه إسلامي ليجلب الثقة بهم، كما لم يغب عن بعضها فتح دورات لتدريس مادة تجويد القرآن وحفظه مستعينين بالداعيات لإعطاء محاضرات دينية، وكل ذلك الهدف منه طبعاً استدراج نساء الأمة، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وإذا أردنا أن نبين واقع المحاضرات التي تقدم في تلك المؤسسات والمراكز وما يتم فيها من مناقشات فسوف نؤكد على أن هذه المناقشات غالباً ما تكون فضحاً لأسرار البيوت وفضحاً للأبناء والأزواج وما يفعلوه مع نسائهم وما إلى ذلك من أمورٍ شدد الإسلام على المحافظة على سريتها عدم إخراجها خارج بيت الزوجية خوفاً من إشاعة المنكرات والفواحش وهتك الأسرار، هذا فضلاً عن الحلول السيئة التي يعطونها للنساء غير الراضيات عن حياتهن وعلاقاتهن العائلية مثل أن رفع قضية على الزوج أمر طبيعي، وأن الأصل أن تدور نقاشات جنسية موسعة بين الأم وأبنائها وبين المعلمة وطالباتها لتوعيتهن وتحذيرهن ومساعدتهن في كيفية الحفاظ على أنفسهن من الإعتداءات الجنسية حتى من أقرب الأقرباء لهن.

ومحاضرات ودروس في مساواة المرأة بالرجل وأن أعمالها في البيت آتية من العادات والتقاليد التي فرضها المجتمع متجاهلين أنه فرض فرضه الله سبحانه وتعالى عليها، لا بل إنهم يعطونها محاضرات في التعريف بحقوقها وكيفية الحصول عليها وما الذي ينص عليه النظام القضائي الفلسطيني والنظام القضائي الإسرائيلي للرجوع إلى أي منهما حين الحاجة، خاصة حينما يتعرضن للعنف الأسري والإعتداءات الجنسية حسب إدعائهم، كما أنهم يركزون كثيرا في محاضراتهم على مساويء وخطورة الزواج المبكر وما ينتج عنه من ضياع حقوق وإقامة مشروع عائلة دعائمه ضعيفة لا يمكن لها أن تستمر وإن استمرت ونتج عنها وجود أبناء فسيكونون ضعيفي البنية الجسدية والعقلية، كل هذا التضليل وهم متأكدون علمياً أن الزواج المتأخر هو الذي قد ينتج عنه أبناء مشوهون أو غير قويي البنية الجسدية .

أخواتي كما قلنا في البداية إن هذه المنظمات وما تخفيه من أهداف وما تقوم به من برامج لا تخدم إلا ذلك المَُمَوِّل الذي يسعى لإفساد الأمة الإسلامية ويزعزع كيانها ويفكك الأواصر المجتمعية ليزداد تفرق أفرادها وتشرذمهم ليحول ذلك دون وحدتها ونهضتها وعودة دولتها الإسلامية المتمثلة بالخلافة الإسلامية ، جعلنا الله وإياكن من شهودها قريبا بإذن الله .

اللهم أعنا على بذل الوسع في فضح هذه المنظمات والعمل على إنكار ما تدعو إليه من منكرات عظيمة لتُسَدَّ عليها السبل ويُرَد كيدها إلى نحرها .

اللهم آمين

كتبته للإذاعة

الأخت راضية

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.