December 12, 2010

المفهوم الصحيح للعبادة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم العالي العظيم والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد المصطفى الامين وعلى من تبعه ووالاه إلى يوم الدين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

قال تعالى في سورة الذاريات: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين".

هذه الآية تحتوي على حقيقة ضخمة وعظيمة من الحقائق الكونية والتي لا تستقيم حياة البشر في الأرض إلا بإدراكها والاستقامة عليها سواء أكانت حياة فرد أو جماعة أم حياة الإنسانية.

وهذه الحقيقة تتلخص أن الله خلق الجن والإنس (والذي يعنينا هنا الإنس) لغاية تتمثل في وظيفة من قام بها يكون قد عمل وفق الغاية من وجوده ومن قصر يكون قد عمل بخلاف غاية وجوده وأصبح بلا وظيفة وحياته تكون فارغة ويكون قد انتهى إلى الضياع المطلق.

هذه الوظيفة هي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له.

ومعنى قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون" أي خلقهم على هذه الحال والصورة من أجل عبادة الله وحده لا شريك له.

مفهوم العبادة: أولا: العبادة في اللغة من الفعل عبد أي انقاد وأطاع وخضع فالعبادة في اللغة هي الخضوع والانقياد والطاعة.

ثانيا في الشرع: العبادة أو العبودية لله أي أن هناك عبد ورب عبد يعبد ورب

يعبد وأن تستقيم حياة العبد كلها على هذا الأساس.

ومدلول العبادة في الشرع يشتمل على معنيين :معنى خاص ومعنى عام.

فالمعنى الخاص يعني التقرب الى الله تعالى بأعمال وأقوال معينة مخصوصة وهي إقامة الشعائر التي علمنا إياها الله تعالى من فرض أو نافلة من صلاة وصوم وزكاة وحج.

والمعنى العام يعني الخضوع والانقياد وطاعة الله تعالى في كل أمر وفي كل شأن من شؤون حياته.

فمدلول العبادة أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر لأن الإنس لا يقضون حياتهم بإقامة الشعائر ولم يكلفهم الله بذلك فقط وإنما كلفهم بكافة النشاط الإنساني والتي نظمها الله من خلال الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة وهذا المعنى موجود في أكثر من دليل في الكتاب والسنة مثل: الآية: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " فالخلافة أي استخلافه في الأرض لعمارتها وهذا هو عمل الإنسان ويقتضي النشاط والحيوية وكل سنن الأرض ونواميسها واستغلالها وفق شريعة الله فهنا نجد أن العبادة أوسع وأشمل من مجرد العبادات والشعائر التي نتقرب بها الى الله وأن الإستخلاف في الأرض داخل فيها.

والآية: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"

وقوله تعالى:" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا "

ففي هذه الآية وعد من الله للإنسان حيث قرن الإيمان والعمل الصالح بالاستخلاف والتمكين حتى يتمكنوا من إقامة دينهم لعمارة الأرض والذي يدل على ذلك قوله تعالى "يعبدونني لا يشركون بي شيئا" وهذا يدل على أن مفهوم العبادة يشمل الخضوع وطاعة الله في كل شيء فيشمل التقرب إلى الله بالعبادات والشعائر المقررة شرعا وأيضا طاعة الله في كل حركات جوارحنا أو تصرفاتنا.

ونستفيد من ذلك:

1. : استقرار معنى العبادة لله في النفس أي في نفس الإنسان المؤمن حين يشعر شعورا حقيقيا أن هناك عبدا وربا عبدا يعبد وربا يعبد فتستقر في نفسه أن علاقته مع الله علاقة عبودية أو خضوع تام لله تعالى فيتوجه أولا بالعبادات ليشكر الله ولا ينقاد ثانيا إلا له في بقية تصرفاته وليس هناك إلا هذا الوضع عابد ومعبود رب واحد هو الله والكل عبد له.

2. يتوجه في كل حركة في الضمير وكل حركة في الجوارح وفي كل حياته الى الله خالقه فيتحرر من كل شعور آخر وكل معنى غير معنى التعبد لله .وهنا يتحقق معنى العبادة كاملا فيصبح العمل كالشعائر.

والشعائر كعمارة الأرض وعمارة الأرض كالجهاد في سبيل الله والجهاد كالصبر على الشدائد فكل عمل يقوم به وهو منقاد لله وخاضع لأوامره ويكون قيامه بذلك إرضاء لله نطلق عليه اسم العبادة.

ومن هنا يقوم الإنسان بوظيفته التي خلقه الله تعالى من أجلها، فالإنسان عندما يعيش في هذه الأرض يشعر أنه هنا للقيام بوظيفته من قبل الله ألا وهي عبادته وطاعته ولا غاية له من وراء ذلك إلا ارضاءه ويكون جزاؤه الطمأنينة والرضا عن وضعه وعمله في الدنيا والتكريم والنعيم في الآخرة.

وأمر آخر، عندما يهتدي المسلم لهذا المفهوم ويتمثله يكون هم الإنسان القيام بالعمل ولا يهتم بالنتائج فهو متعلق بأداء العبادة لأنه يجازى على العمل وأما النتائج فهي بيد الله تعالى.

ويؤكد ذلك قول الرسول- صلى الله علية وسلم - :"أن رجلا سأله :"أرأيت إن صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا، هل أدخل الجنة؟ قال نعم".

فهنا لم يكتف الرسول لدخول الجنة بالعبادات الشعائرية فقط أي التقرب إلى الله بها وإنما اشترط التقيد بالحلال والحرام أي الحكم الشرعي في كل عمل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين .فقال تعالى :" يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم "وقال: " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون "

ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك"

ويؤيد هذا المفهوم للعبادة قصة عدي بن حاتم الطائي مع الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قدم إليه وكان نصرانيا فدعاه إلى الإسلام وبين له أن النصارى اتخذوا رهبانهم أربابا من دون الله أي عبدوهم فقال عدي :"ما عبدوهم" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى ألم يحلوا لهم ويحرموا عليهم فذلك عبادتهم لهم"

من خلال هذه القصة نجد أنه لا تتحقق العبادة التامة من الإنسان لله، ولا يستحق الطمأنينة والسعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة إلا إذا اتبع أوامر الله ونواهيه في كل أمور حياته سواء الشعائر التعبدية أم الاحتكام إلى شريعة الله .

مثل عبادة الصوم تعني الإمساك عن سائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ولكن لا تتحقق العبادة بالكامل إلا إذا أمسكنا عن المعاصي حيث بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من لم يدع قول الزور وما يغضب الله فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل (أي السفه) فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"

وينطبق ذلك على كل شيء فعلينا طاعة الله تعالى وأن نحرص على التحاكم لأمر الله والتعامل فيما بين بعضنا وفي تنظيم علاقتنا حسب أوامر الله ونواهيه أي بالإسلام فقط وبذلك نكون قد حققنا غاية وجودنا وهي عبادة الله وحده لا شريك له ونستحق تشريفنا بكوننا عباد الله قال تعالى :"قل يا عبادي لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا"

وقوله: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .

والله من وراء القصد.

الحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام القويم

وأخرجنا من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واحشرنا مع الصالحين الصادقين الأبرار

اللهم اجعل الجنة مقرنا ومستقرنا يوم البعث العظيم

وأجرنا من عذاب جهنم وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين السماء والأرض.

اللهم أجرنا فلا مجير لنا إلا أنت

اللهم أغثنا فلا مغيث لنا إلا أنت

اللهم إنك تحب العفو فاعف عنا

اللهم إنا نسألك النصر والتمكين والاستخلاف في الأرض

اللهم لا تجعلنا من الخائبين اليائسين الخاسرين

نعوذ بنور وجهك العظيم أن يلحق بنا غضبك وسخطك

إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي غير أن عافيتك أحب إلينا.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

كتبته للإذاعة

الأخت سلافة

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.