اللحظات الأخيرة من مخاض الأمة
December 31, 2024

اللحظات الأخيرة من مخاض الأمة

اللحظات الأخيرة من مخاض الأمة

إن الأمة اليوم تمر في أدق المراحل في تاريخها المعاصر، وذلك بتداعي المستعمرين بقيادة أمريكا عليها. وأمام هذا الواقع نجد الأمة في حالة من السكون أثار اهتمام وربما قلق أوروبا، فدفعت بمفكريها ورجالات السياسة المخضرمين فيها لدراسة ومعرفة ما ينطوي عليه حال الأمة الإسلامية، وهذا السكون وإن كان ظاهره الانتظار المصحوب بالمرارة، إلا أن باطنه غليُ مِرْجَلٍ. ولكن الأمر لا يخلو - وكما هي حال الأمم - من يائسين أو مرجفين، امتازوا بقصر النظر، وسطحية التفكير، واستغرقوا في الحسابات المادية دون أن يلتفتوا إلى جوانب القوة الكامنة في الأمة وعناصر الضعف الكامنة في أعدائها، بل لم يلتفتوا إلى نواميس الكون وسنن الله في الأمم.

في الأزمات ولحظات الشدة تتجلى مواقف القيادة الحقيقية المنبثقة من الأمة المعتزة بدينها، فالرسول ﷺ:

-    نراه يجيب عمَّه عندما ضيقت عليه قريش الخناق «لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ»، فالرسول ﷺ هنا يمثل الثبات، والصبر والجلد، والإصرار على الحق، والإقدام، والاستعداد للتضحية استعداداً صادقاً يلمسه الناس فيه.

-    ونراه المقاتل في بدر يبث العزيمة والهمة في نفوس أصحابه ويدعو لهم ويلح في الدعاء.

-    ونراه يقود المسلمين في غزوة تبوك فيقطع الصحاري معهم لقتال الروم في بلاد الشام بعد أن سمع بإعدادهم لغزو المدينة، وهو ﷺ بذلك يجسد القدوة والنموذج القيادي الذي يحتذى.

-    ونراه يشد عضد أصحابه في غزوة الأحزاب، حيث بلغت قلوبهم حناجرهم وزلزلوا زلزالاً شديداً، فيبشرهم بالنصر قائلاً: «لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ»، وهنا تتمثل القدرة على استغلال عناصر القوة في نفوس الناس فيبعثها فيهم فيجنبهم الهزيمة والانتكاس، ويبصرهم بعناصر ضعف أعدائهم ويقودهم لاستغلالها.

هذا غيض من فيض من سيرة قدوتنا وأسوتنا ﷺ، الذي كان نعم القائد. فهل عدنا لها لنترسم خطاه وبخاصة في لحظات الشدائد والأزمات؟

إن الأمة اليوم تفتقد القيادة الحقيقية، ولا نجانب الحق والصواب إن قلنا إنها اليوم تعاني من فراغ قيادي. ألا ترون معاشر المسلمين أن حكامكم يمضون حياتهم في العمالة للكافر المستعمر، والتسلط على أموالكم ومقدراتكم؟ ألا ترون أنهم لا يستحيون من الإعلان بأعلى أصواتهم أنهم أذلة لا يملكون من الأمر شيئاً، اللهم إلا الاستجداء، وأنهم يجعلون للكافرين عليكم سبيلاً؟

فنرى الشبيحة اليوم قد أخذوا ضوءاً أخضر من الدول الغربية، وعفواً من الحكومة الحالية، ما جعلهم يزدادون ببطشهم وغيهم ومطالبتهم الوقحة! وكل هذا يأتي في مرحلة المخاض.

ومرحلة المخاض التي نعيشها اليوم تأتي بفضح النهايات لكل من ادعى أنه من حملة الدعوة أو من دعاة إقامة شرع الله في الأرض. وأيضا فضح كل من يختبئ وراء نفسه بما فعله سابقا بقوله إننا كنا مغلوبين على أمرنا وأن النظام هو الذي كان يضغط على الجميع. اليوم عادت ساحات الحرية على غير ما نشتهي، ولكنها فاضحة لكل من في مكنون نفسه الخيانة والعمالة للغرب، وأطماعه الظاهرة التي اختبأ وراءها وفعل الأفاعيل مع النظام، واليوم مع نهاية النظام يتبرأ من هذه الأفاعيل فتفتح الساحات أمامهم فيخرجون كل مكنونات أنفسهم دون ضغط. فمن أراد أن يطبق الإسلام فإنه يلتزم الحكم الشرعي بالاستمرار بالعمل طالما أن هذا النصر الذي أتى من الله لم يخلص به إلى الله في نتائجه، فالله سوف يتركه للناس، وستنقلب الآية عليهم آجلا أو عاجلا، ونتمنى أن تكون الأمة واعية. وعلى الواعين من الأمة اليوم أن يتحركوا ضمن ما يمليه علينا الشرع، ولو كلفنا ذلك ما كلفنا فنحن اليوم مطالبون بوعينا السياسي أن نأخذ بيد الأمة نحو ما يرضي ربنا سبحانه، ونتحمل كل أعباء المرحلة طالما أننا ملتزمون بالحكم الشرعي.

إن الحال اليوم تعبر فعلا عن مرحلة المخاض بخروج الدماء والتلوث وظهور الأوساخ، وكل هذا تنظيفا لمرحلة الولادة التي نسأل الله أن تكون قريبة، وأن نكون مخلصين لله لكي نكون من أهل تلك المرحلة إن شاء الله.

لذلك، وإن كان يؤلمنا ما يحدث ويؤلمنا ما نراه من إعادة كيان النظام القديم إلى ساحاته، ومن العفو الذي لا يستحقونه بعد أن قتلوا وذبحوا واغتصبوا وكفروا ومارسوا كل ما هو غير بشري، فإن هذا العفو سينقلب على أصحابه لأن العفو في غير مكانه جريمة.

أما عن أطياف العلمانية مما يسمى مجتمعا مدنيا وغيره، فهؤلاء اليوم يظهرون على حقيقتهم وهم ليسوا أكثر من قذارات يلفظها رحم هذه الأمة لتلقى مع سقط المتاع فيهيئ الله لنا ولادة شرعية نظيفة على منهاج النبوة، لتكون نظيفة في بنيانها الداخلي، حتى نستطيع الوقوف أمام ذلك الطوفان.

إن ما يحدث يؤلمنا، ولكن يجب أن لا يضعنا في حالات اليأس ويجب أن يضيء لنا شعلة العمل والالتزام بما نص عليه كتاب الله وسنة رسوله.

فمن صفة الواعين سياسيا أن يديروا الدفة كما أمر الله ملتزمين بالحكم الشرعي، وعيننا على الأمة للأخذ بيدها وتصحيح البوصلة لها، فهذه الأمة المسلمة مخلصة ولكن ما طبق عليها جعل في آلية تفكيرها شيئا خاطئا حيث ترى الواقع، وتجعله مصدرا للتشريع، فتخطئ اليوم بربطها أو تحليلها، لأنها وإن كانت تحمل عقيدة صحيحة لكنها غير مطبقة، أي أنها تعلم أن كل شيء بيد الله، ولكنها تخاف من قوى الغرب وأساطيلهم وقوتهم ورجالاتهم، وتخاف من الخونة والمرجفين، فتقنع نفسها بأن من يسوسها يجب أن يكون ذا وجه براغماتي يداهن ويحفظ ماء وجه الدولة على حد زعمهم، وذلك بقلب الحقائق والكلمات التي لا ترضي الله بأن يصبروا فالقادم سيكون أفضل في ظل دولة مؤسسات تحكم بالعلمانية، وهم يتكلمون عن الرخاء الذي سيصيب البلاد، هذا الرخاء الذي يشرطه الغرب مقابل أن تعيش ذليلا تابعا مرهونا لتلك الدول، لذلك نجد الغرب بعد أن تمكن من ركوب الموجة والقبض على مفاصل النصر الذي وهبنا إياه الله، بدأ يعيد الدولة العميقة بطريقة بطيئة مع جس نبض الأمة، وهذا ما فعلوه حينما كبروا ما حدث في سوريا من إجرام عبر سجونها وهو واقع لا ننكره، ولكن الإعلام أخذ فيه الشيء الكثير، وهذا كان مدروسا لكي لا ننظر لما يحدث على الساحة من تجهيز الحكم، ونقبل بأن نعيش ضمن دولة تحترم الرأي الآخر، وهذا بالنسبة لمن يروجون لهذه الفكرة إنجاز عظيم.

وللأسف تناسوا أننا مأمورون من رب العالمين بأن نقيم حكم الله في الأرض وألا نتوانى عن ذلك وأن الله سينصرنا حينما نطبق أوامره ولا نخاف تلك القوى وأمرنا أن نخافه هو سبحانه.

إن المكر الذي يمكرونه اليوم سينقلب عليهم، وسيعلمون مع قادم الأيام أن ما تم فعله هو سرقة للثورة ولم نحقق من هذه الثورة أي شيء، وسيعود أركان النظام بغياب رأسه وجزاريه المشهورين ويبقى نظامه كاملا كما كان، ويهيئون لهذا عن طريق ما يلي:

أولا: العفو العام الذي يروج له، وقد يصدر على نحو رسمي غدا بأنه سيعفى عن كل إنسان من الطرفين سواء من المعارضة أو من النظام مع استثناء قوائم معينة، ترفع للإنتربول ويُبْحَث عنهم داخلا وخارجا.

ثانيا: البدء بمؤتمر حوار وطني يجمع جميع الأطياف، ومفرزات هذا الحوار بإعادة دولة المؤسسات وطرح دستور سوريا الجديدة وهو جاهز، ولكن الظروف لا تسمح أن يظهر الآن كما كتب وإنما سوف يمهد له بأن هناك لجنة من لقاء من المؤتمر الحوار الوطني هي التي سوف تدقق بنود هذا الدستور، وتوافق عليه لأن من أهم بنود هذا الدستور أن الشريعة الإسلامية ليست مصدرا للتشريع.

ثالثا: مفرزات مؤتمر الحوار الوطني حل مجلس الشعب، وكذلك جميع مجالس المحليات، ويتم الاستعجال بالدستور أو وضع آلية انتخابات تبدأ من المحليات وصولا إلى مجلس النواب، وهذا سوف يحدد فيه التوزيع الطائفي في البلاد.

رابعا: بعد الانتخابات المحلية والبرلمانية يسمح بالترشح لرئاسة البلاد، وتجرى انتخابات على هذا المضمار.

وفي الوقت الذي تتم فيه هذه الإجراءات هناك أمور أخرى تهيئ لهم امتلاك الساحة دون أن ننبس ببنت شفة:

١- سحب السلاح من الفصائل جميعها أولا ويمنع حمل السلاح أو اقتناؤه تحت مسؤولية القانون للسجن مدة كذا؛ وبذلك يضمن انتهاء الحالة العسكرية التي كانت موجودة سابقا.

٢- حل الفصائل كافة ابتداء من هيئة تحرير الشام إلى أصغر فصيل، ويمنع ضمن القانون تشكيل أي تجمع غير رسمي، ورسميته تأتي من ترخيص ضمن الدولة سواء أكان حزبا أو جماعة أو تجمعا.

٣- إعادة القبضة الأمنية بشكل يضمن للغرب حماية ما سوف ينشئه في سوريا إلى زمن بعيد.

٤- ضمان عودة الإسلاميين إلى حالة الإسلام الكهنوتي، وسيضمن لهم ممارسة شعائرهم الدينية كما يضمن ممارسة شعائر الطوائف الأخرى سواء بسواء.

وهناك أمور كثيرة لكن كلها تصب في إعادة النظام القديم برمته مع تبديل بعض الأوجه التي تعتبر بديلا مرضيا، منفذة وخاضعة لقراراتهم، ضامنة لـ(حقوق) كيان يهود وضمان حدوده وضامنة لتأمين مصالح أمريكا في المنطقة على أكمل وجه، فاتحة ذراعيها إلى كل عملاء المنطقة وتصبح سوريا مرتعا ومصنعا لهم، حتى يقدم الرفاهية للشعب السوري التي تسلبه دينه.

هذا ما يمكره الغرب، ولكننا نقول للجميع إننا التزمنا بالحكم الشرعي وعملنا على أن لا نتنازل عن ديننا، ونعمل لتحقيق بشرى رسولنا الكريم ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

لذلك نهيب بكل أهل القوة وبكل مخلص واع أن يلتزم حكم الله فإننا على أعتاب أن يتم الله نوره فلا نكون من الذين خسروا الدنيا والآخرة ولا نكون من الذين سيستبدلهم الله.

بل نعم الجاهدون على أن نكون من الذين يعلون كلمة الله، ونكون من الذين يستخلفهم إن شاء الله، ونرفع راية العدل، ونستأنف الحياة الإسلامية كما أرادها الله.

إنه لا حل إلا بالعمل مع المخلصين من أبناء الأمة الساعين لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي ستعمل بإذن الله على إزالة سيطرة الكفار وقطع نفوذهم واقتلاع كيان يهود من قلب الأمة، فالأمة التي أنجبت قيادات كخالد وأبي عبيدة وسعد ونور الدين وصلاح الدين وقطز وبيبرس ما زالت ولادة، وما زال بين الرجال وفي أصلابهم من سيأتي ليعيد لها عزتها وكرامتها ورفعتها، ومهما اشتدت الظلمة واشتد الكرب، فإن الله عز وجل سيخرج من رحم الظلام فجراً تشرق به الوجوه وتسر به النفوس ويفرح حينها المسلمون بنصر الله.

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

دارين الشنطي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر