September 13, 2014

اللاجئون السوريون الضعفاء في لبنان يتعرضون للظلم والاضطهاد والطرد من البلاد بالقوة (مترجم)

بعد شهور من الغليان والتوترات المتصاعدة، وعقب قيام تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" مؤخراً بقتل جندي لبناني ثانٍ ذبحاً، بات اللاجئون السوريون موضعاً للانتقام، حتى إن كثيراً منهم أجبروا على مغادرة الأراضي اللبنانية. فقد أثارت أعمال تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وتهديداته موجة غضب عارمة لدى الناس في لبنان، ما جعل كثيرين يلقون باللوم على اللاجئين السوريين باعتبارهم سبباً لتأجيج المخاطر الأمنية في البلاد. فصار هؤلاء اللاجئون أمام واحدة من اثنتين، إما الطرد والتشريد العنيف من قبل السكان أو تسليمهم إنذارات بمغادرة البلاد، وذلك من قبل شرطة البلديات، التي تزعم أنها ليست ضد اللاجئين، لكنها مضطرة لاتخاذ إجراءات أمنية استثنائية من أجل السيطرة على الوضع الأمني الحسّاس للغاية. الأمر الذي جعل هؤلاء اللاجئين، وهم في غالبيتهم نساء وأطفال، يخافون الخروج من أماكن إقامتهم، وذلك في ظل معاناتهم القلق الشديد على نحو خاص بسبب قطع الدعم عنهم بصورة مفاجئة وشاملة، والعيش في جو من الترقب والرعب من أن تجر عليهم أية صدامات مسلحة في المستقبل المزيد من الكوارث والعواقب الوخيمة.


إنه من الأهمية بمكان تسليط الضوء على فظاعة الأحوال المعيشية البائسة التي يكابدها اللاجئون في منطقة الشرق الأوسط نتيجة للأوضاع السياسية المضطربة في المنطقة، الناجمة عن التدخل الوقح البغيض عبر التاريخ في شؤونها من قبل الدول الغربية، إلى جانب خيانة وعمالة حكام المسلمين، الذين ما انفكوا يستخدمون قوتهم وبطشهم لقمع تطلعات شعوبهم وطموحاتها في الثورة على الطغيان والدكتاتورية. فقد أدى التدخل الغربي السافر المتواصل في شؤون المسلمين وعجز حكامهم إلى نفاد صبر هذه الشعوب، وأصابها بالإحباط، حتى باتت تتطلع بشغف لتلقّف أي حل، مهما كان، لوضع حد ولو مؤقتاً لما تعيشه من مآسٍ، حتى وإن كان هذا الحل يتعارض مع ميولهم ونزعاتهم الإسلامية التقليدية. ونعني بها هنا: الجود والكرم والاهتمام بأمر الآخرين ورعايتهم، الضاربة جذورها في أعماق نفوسهم. ولا ينبغي أن يفوت أحد من المسلمين أن كرب ومعاناة الناس الذين يفرون من بلادهم طلباً للأمن والأمان في بلد آخر مسألة حدثت، وما زالت تحدث، منذ عقود، لا سيما بعد هدم دولة الخلافة الإسلامية في 1924. فقد أدت هذه الأسباب الثلاثة مجتمعة، عبر السنين، إلى تغير الوجه الذي يُنظر به إلى هؤلاء الناس وطريقة معاملتهم والتعامل معهم تغيراً جوهرياً، ولكن نحو الجانب السلبي، خصوصاً بعد تكليف الشعوب ما هو فوق طاقتها بإلقاء عبء رعايتهم كله على كاهل الناس وحدهم، دونما دعم أو مساندة من الحكومات.


لقد كان لبنان، بشكل خاص، على مرّ السنين ملاذاً ومأوى، دائماً أو مؤقتاً، للاجئين من بلدان كثيرة، وأكثر من نصف سكانه حالياً هم من أصول أجنبية. وإيواء اللاجئين في لبنان ليس بالظاهرة الطارئة أو الجديدة عليه. لكن النظرة العامة إلى اللاجئين في لبنان صارت سلبية إلى حد كبير بفعل إعطاء الحكومة الخيار للعديد من الزعماء، دون وجه حق، في ادّعاء ملكية مناطق معينة مع إقصاء كل الآخرين وإبعادهم منها. كما كان لبنان وسوريا بالذات، وحتى وقت قريب، جارين تربطهما علاقات طيبة، وكانا يعدّان بلدين شقيقين، ولا يحتاج مواطنو أي منهما إلى جواز سفر للتنقل بينهما. إلا أنه بعد اندلاع الثورة السورية وظهور حركات كثيرة تكافح ظلم نظام الأسد وجبروته، وتدخل دول الغرب للقضاء على كافة أشكال الثورة التي يمكن أن تهدد مصالحها، نفوذاً وثروة، في الشرق الأوسط، أصبح التنافر المتصاعد بين اللبنانيين والسوريين معيناً لا ينضب للغرب ينفث من خلاله سموم الكراهية والتفرقة والعداوة بين الشعبين. كذلك دخلت وسائل الإعلام الرخيصة المهيمنة، وكما هو متوقع، على الساحة، لتلعب دوراً محورياً في اللعب على عقول الناس وتسميم أجواء الألفة بين اللبنانيين والسوريين. ما يفرض على اللبنانيين عموماً، وعلى المسلمين بوجه خاص، أن يهبوا لمحاربة راية هذه العنصرية الوطنية البغيضة، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر، آية 10]


وما دام الأمر كذلك، فلا بد أن يدرك الجميع الأسباب الحقيقية التي تقف وراء توجيه اللبنانيين هذا اللوم وهذه الكراهية صوب اللاجئين السوريين، وهذه الأسباب هي:


1. إن تقسيم بلاد المسلمين إلى مِزَق صغيرة، وإدخال النعرة الوطنية وإذكاءها بين أهل كل قطر منها، جعلا الناس لاحقاً يظنون أنهم هم المالكون الوحيدون لأراضي ذلك القطر ويتصرفون بصورة أنانية فيها وبها على أساس ما يعرف "بالأمن الوطني". فأدت الرابطة الوطنية والحدود الاستعمارية إلى كبح وتقييد مشاعر الرحمة والرفق والتعاضد تجاه إخوتنا وأخواتنا من البلدان الأخرى، وجعلتنا نتبنى تحفظات عمياء إزاء الترحيب بالناس الذين يقدمون علينا من بلاد المسلمين الأخرى. إلا أنه يتوجب أن لا يغيب عن أذهاننا لحظة أن هذه الأراضي التي ندّعي ملكيتها هي ليست أراضينا، وإنما هي في الحقيقة والواقع أرض الله سبحانه وتعالى. وأنه عز وجل يريدها أن تبقى مشرعة أمام كل من فرّوا ويفرّون من الظلم والاضطهاد. وهنا نسأل: أين "قادتنا المسلمون" الذين يتوجب عليهم ألا يسمحوا باستمرار هذا التقسيم والتمزيق، الذين يتعين عليهم العمل للتأليف بين قلوب المسلمين، والذين افترض الله عليهم العمل لتسود الألفة والتراحم بين المسلمين، بل وحتى بين المسلمين وغير المسلمين، بغض النظر عن حالهم أو من أي بلد أتوا؟


2. إن عدم وجود حكومات تقوم بواجبها خير قيام، والإهمال المتعمد من قبل الحكومات المتعاقبة في لبنان، لم يؤد إلى إدارة الظهر لاحتياجات اللاجئين فحسب، بل ومن قبلها حاجات رعاياها هي ذاتها. فكان هذا الأمر، ولا زال، مشكلة كبرى لم يجر عمل جاد لمعالجتها مذ غابت الخلافة من الوجود. وقد بلغ الضعف بالحكومة اللبنانية كل مبلغ، وسنة بعد أخرى، من حيث قابليتها للمساءلة والفاعلية في رعاية شعبها هي، حتى باتت عاجزة تماماً عن مد يد العون لطالبي اللجوء إليها! ونحن لا نتحدث هنا عن اللاجئين السوريين فقط، بل وكذلك عن الفلسطينيين والعراقيين والأرمينيين والسريلانكيين والأكراد وكثير غيرهم. وفي ظل هذا الوضع، كان لا مناص من أن يقع عبء رعاية اللاجئين كله على كاهل الناس في لبنان، الذين كانوا يعانون الأمرّين أصلاً لتوفير لقمة العيش لأسرهم بالرغم من قسوة الظروف المختلفة، كانقطاعات الكهرباء اللامتناهية، ونقص إمدادات المياه، والارتفاع الجنوني للأسعار بسبب الضرائب الهائلة، وعدم دفع مرتبات موظفي الحكومة، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. وما كان أدهى هو قيام أصحاب المال والنفوذ بالتنصل، عبر الابتزاز والتهديد، من هذه المسؤولية، فكانوا أشبه بمن يصب الزيت على النار المستعرة.


3. إن قلة احترام اللاجئين، وجعلهم يشعرون أنهم منبوذون، ومحاولة تحميلهم المسؤولية عما يعانيه البلد أصلاً من مشكلات، قد جعلت من لعبة اللوم واللوم المضاد مخرجاً آمناً للسياسيين الفاسدين وذريعة لصرف أنظار الجماهير عن القضايا الأساسية الحقيقية. وقد حان الوقت لأن ينظر الناس في لبنان إلى الأمور بصورة أكثر وعياً. فما إن وصل اللاجئون، حتى تكشفت المشاكل الخطيرة المزمنة والمستفحلة في البلاد، التي طالما حرص السياسيون والمسؤولون الحكوميون على إخفائها ودأبوا على تجاهلها وإهمال حلّها، وطفت على السطح فبانت للعيان. والحقيقة أن الحكومة اللبنانية تتعمد عدم التدخل في قرارات الناس بطرد السوريين من المناطق اللبنانية، وأنها في الواقع تؤيد ذلك، من خلال سماحها للبلديات باتخاذ ما تقوم به من إجراءات، أو من خلال التزامها الصمت إزاء ذلك، كي تبقى عقول الناس تائهة غافلة عن المشاكل الخطيرة التي يستعر جمرها تحت الرماد منذ سنين. فما تريده الحكومة هو بقاء الناس مركزين انتباههم على المشاكل الصغيرة، حتى يفرغوا مخزون طاقاتهم ويصبحوا غير قادرين على التركيز على القضايا الأساسية الرئيسية.


4. إن معاقبة اللاجئين السوريين بمجموعهم جرّاء ما اقترفه البعض منهم ليست عدلاً ولا إنصافاً بأي حال. خصوصاً أولئك الذين يسعون جادّين للعيش بكرامة وتوفير حياة آمنة مطمئنة لأطفالهم وأهليهم. وما هذا الموقف الذي تتخذه الحكومة اللبنانية إزاء لاجئي سوريا إلا نتيجة للمفاهيم العلمانية الليبرالية الغربية التي أبدعت هذه الحكومة في تعلّمها من أسيادها. إذ هو نهجٌ يتسم بالأنانية والجشع مردّه النظرة الليبرالية الرأسمالية للحياة، وهو كذلك استغلالٌ لشعور الناس باليأس والإحباط ولعذاباتهم وبؤسهم من أجل خدمة الأجندات الخفية.

درسٌ وعبرة من المدينة المنورة وأهل الصُفَّة...


بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستقر فيها، وبنى المسجد النبوي، تم تشييد مكان مظلل خاص خلف المسجد خُصص لاستقبال وإيواء ضيوف الله (ضيوف الدولة الإسلامية الناشئة). وكان هؤلاء الضيوف لاجئين فرّوا بسبب الاضطهاد الديني من قبل أنظمة الكفر والحكام الطغاة، ولم يكن لهؤلاء اللاجئين أسرٌ ولا مالٌ ولا مكان يلجأون إليه. فكانوا يحصلون على الطعام والماء من الصدقات التي كان يبعث بها إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مما كان الصحابة القادرون رضي الله عنهم يدعونهم لتناوله في بيوتهم، دون أن يشعروهم بأنه مِنّةٌ منهم عليهم. وذلك لأن الجود والإنفاق عباداتٌ ينبغي للمسلمين القيام بها راغبين طاعةً لله عز وجل، طمعاً في تحقيق مرضاته. ولقد أتيحت لهؤلاء الضيوف فرصة لا مثيل لها كي يتعلموا القرآن الكريم وتعاليم الإسلام من فم الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، وجدّوا في ذلك وأخلصوا ما وسعهم ذلك. فهذا خير ما يمكن لهم أن يملأوا به وقتهم، بالإضافة إلى محاولة كسب رزقهم بالرغم من تلك الظروف الصعبة. وقد عومل هؤلاء الضيوف بكل احترام وتكريم، دون أن يكون هناك ما يشعرهم بأنهم يُثقلون على غيرهم أو أنهم منبوذون، كما لم يوجه لهم لوم بسبب صعوبة الظروف. لأن المسلمين آنذاك كانوا على يقين من أن الله عز وجل، وحده، هو الذي يرزق العباد، وأنه سبحانه وتعالى يمكن أن يختبر أحباءه بابتلاءات قاسية ليزيد قُربهم إليه جل شأنه. واللافت أن أبا هريرة رضي الله عنه كان واحداً من هؤلاء الضيوف، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عيّنه مندوباً لهم، ينقل إليه حاجاتهم، وينقل إليهم رسائله صلى الله عليه وسلم. ما يعني أنه صلى الله عليه وسلم قد نظّم المجتمع الإسلامي التنظيم الدقيق السليم.


في ضوء ما سبق، يتوجب علينا كمسلمين، يؤمنون بالله عز وجل ويخافونه، ولا يخشون أحداً سواه، أن نرحّب باللاجئين طلباً لرضوان الله تبارك وتعالى. وألا ننسى أن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يبتلينا في يوم من الأيام، إن لم يكن قد ابتلانا بالفعل، بوضعنا أمام هذا الاختبار الصعب ونضطر للفرار من أرضنا. أفلا نحب أن نُعامَل بالترحيب والاهتمام والاحترام وبما يحفظ علينا كرامتنا؟ كما يتعين على كلٍ منا العمل بجد في الوقت ذاته من أجل إقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي سيقودها حاكمٌ عادل يرعى أمتنا حق الرعاية ويخاف اللهَ فينا. ففي ظل هذه الدولة، وحدها، ومع إحسان إدارة مواردها، سيعاد توحيد بلاد المسلمين جميعاً، فلا يبقى فيها أثر لهذه الحدود الاستعمارية الأنانية الممزِّقة البغيضة ولا مكان لحاكم جشع. كما ستوفر لنا هذه الدولة، دولتنا كلنا في الأرض، الحماية من كل أذى، وتقف إلى جانب من يحتاج إلى السند حتى يقف على قدميه. ولن نكون ساعتها في حاجة للجوء إلى البلدان الأجنبية غير المسلمة، وبالذات الدول الغربية منها. كما أننا لن نقلق من استقبال وإيواء المزيد ممن يلجأون إلينا، فدولة الخلافة ستتولى رعايتهم، وسنعينها في ذلك إن لزم. وقبل هذا، وفوقه، إن الله تبارك وتعالى، مالك كل شيء ومليكه، هو الرزّاق ذو القوة المتين، وهو خير الرازقين! وإن اضطر بعضنا إلى اللجوء، فسيكون ذلك ضمن دولة الخلافة وداخل بلاد المسلمين، وسيكون مرحَّباً به وسيقف إخوته وأخواته من المسلمين إلى جانبه، دون أن نترك مجالاً للكفار لأن يؤثروا على طريقة عيشنا وحياتنا الإسلامية. فهيا إلى خير العمل، حَيَّ على تاج الفروض، هلمّوا للعمل معنا لإقامة دولة الخلافة الإسلامية، ففيها وحدها عِزُّ الداريْن!



كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم أديان - أستراليا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر