الخليفة محمد الفاتـح - ج2- صاحب الأفكار وفاتح القسطنطينية
June 25, 2010

الخليفة محمد الفاتـح - ج2- صاحب الأفكار وفاتح القسطنطينية

 بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل صلاة وأتم تسليم

مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير نحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في الحلقة السابقة من سيرة السلطان محمد الفاتح ذكرنا شيئا من سيرته وتربيته الإسلامية العقائدية السليمة، ووصلنا إلى تسلمه الحكم بعد وفاة أبيه السلطان مراد وتطرقنا لبعض الإصلاحات الداخلية التي قام بها من إنشاء للكثير من المدارس والمشافي واهتمامه بتنظيم التجارة والصناعة بالإضافة إلى تنظيم القضاء وإنشائه لتنظيم دقيق للجيش والبحرية.

واليوم سنتطرق لعملية الإعدادات التي قام بها لفتح القسطنطينية، فكما ذكرنا إن السلطان محمد الفاتح كان يقرِّب إليه العلماء ، ويثق بهم ويستشيرهم، ومن هؤلاء العلماء الأجلاء "محمد بن حمزة الدمشقي" وكان يلقب "آق شمس الدين" وكان أحد العلماء الذين أشرفوا على إعداد السلطان عندما كان أميراً على مغنيسيا، وكان دائم التشجيع والإغراء له قبل توليه الحكم وبعده، ليفتح القسطنطينية، فأوقد في صدره نار العزيمة، حتى قيل إن الشيخ آق شمس الدين هو فاتح القسطنطينية المعنوي.

وعندما عزم السلطان على الفتح، قام بسلسلة من الأعمال السياسية والعسكرية تمهيداً لملحمة الفتح، فقد عقد معاهدة مع كل من المجر والبندقية ، وفي المجال العسكري، بذل السلطان محمد جهوداً جبارة في إعداد الجيش تدريباً وتسليحاً، وقد بلغ تعداد جيشه ربع مليون مقاتل، زودهم بأحدث الأسلحة في أيامه، وحرص على تدريبهم وتجهيزهم مادياً ومعنوياً، فكان يلتقيهم باستمرار، ويخطب فيهم ويذكرهم بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وثنائه على الجيش الذي سيفتح القسطنطينية، فألهب مشاعرهم، وأصبحوا ينتظرون أمره بالهجوم بفارغ الصبر، سيما والعلماء الأجلاء مبثوثون بينهم، يبشرونهم بنصر الله في الدنيا، وعظيم ثوابه في الآخرة، فأصبح جيشه كالاسود الضارية، تغلي في صدورهم عزيمة كعزيمة أسلافهم الصحابة الأجلاء.

وفي الجانب المادي، قام السلطان ببناء قلعة "رومللي حصار" في الجانب الأوروبي من مضيق البوسفور، وفي أضيق نقطة منه، كانت تقابل القلعة التي بناها جده السلطان بايزيد في البر الآسيوي، وكانت قلعة محصنة عظيمة بلغ ارتفاعها 82 متراً، فأصبحت القلعتان تتحكمان في عبور السفن من شرق البوسفور إلى غربه، وقد حاول الإمبراطور قسطنطين ثني السلطان عن بناء القلعة، مقابل التزامات مالية تعهد بدفعها له ولم يفلح، حيث رفض السلطان ذلك رفضاً قاطعاً.

كذلك وجه السلطان الفاتح عناية خاصة للأسطول، فعمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة، حتى أهله ليكمل به حصار القسطنطينية تمهيداً للهجوم النهائي عليها.

عندما أكمل السلطان هذه الاستعدادات، أمر بتمهيد طريق أدرنة والقسطنطينية حتى تكون صالحة لجر المدافع العملاقة من أدرنة حيث تصنع، إلى القسطنطينية، حيث ستكون الملحمة التاريخية، وكان بعض هذه المدافع يزن مئات الأطنان، وقد استغرق جرها وإيصالها إلى المواقع التي اختارها لها السلطان بنفسه قرابة شهرين.

وفي يوم الخميس من سنة 857هـ، الموافق 1453م، وصلت الفيالق العثمانية بقيادة السلطان الفاتح إلى مشارف القسطنطينية، فخطب فيهم السلطان خطبة قوية، حثهم فيها على الجهاد في سبيل الله، وإخلاص النية بطلب النصر أو الشهادة، وتلا عليهم آيات من القرآن الكريم تحث على الجهاد والصبر، وتلا عليهم حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وذكرهم بما في ذلك الفتح من إعزاز للإسلام والمسلمين، فرد عليه عساكره مهللين مكبرين، سائلين الله تعالى النصر والتمكين.

في اليوم التالي قام محمد الفاتح بتوزيع جيشه حول المدينة، فأحكم حصارها من جهة البر، ونصب مدافعه العملاقة في مواجهة الأسوار، كما وضع فرقاً للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة، ونشر سفنه في المياه المحيطة بها، واستطاع أسطوله أن يحتل جزر الأمراء في بحر مرمرة. وفي الوقت نفسه بذل البيزنطيون قصارى جهدهم للدفاع عن المدينة، ووزعوا جنودهم على الأسوار، وأحكموا التحصينات، وقد بدأ القتال فعلياً بين الجيشين منذ اليوم الأول للحصار، وفاز عدد كبير من الجنود المسلمين بالشهادة. وكانت مدافع المسلمين لا تنقطع عن دك الأسوار ليلاً ونهاراً، وكان البيزنطيون يسارعون في نفس الوقت لترميم ما يتهدم، وكان القساوسة والرهبان النصارى يطوفون بشوارع المدينة، ويحرضون أتباعهم على الثبات حتى النصر

استبسل الجيش الإسلامي في الهجوم، واستبسل البيزنطيون في الدفاع، وقد حاول الإمبراطور قسطنطين ثني السلطان عما عزم عليه فعرض عليه الأموال الطائلة والدخول في طاعته وتلبية كل طلباته إن هو عاد عن حصاره للمدينة، فرد عليه محمد الفاتح رداً حاسماً «ليسلم لي الإمبراطور المدينة، وأقسم أن جيشي لن يتعرض لأحد في نفسه أو ماله أو عرضه، ومن شاء بقي في المدينة، وعاش في أمن وسلام، ومن شاء رحل عنا في أمن وسلام» استمرت المعارك في الليل والنهار، وفي البر البحر، وكانت نقطة الضعف في الحصار آتية من عدم تمكن المسلمين من الوصول بسفنهم إلى القرن الذهبي، فكانت تنفذ منه بعض السفن النصرانية، القادمة من الإمارات النصرانية كجنوى والبندقية، ومعها الإمدادات للمحاصرين، فترتفع روحهم المعنوية.

حاول الأسطول العثماني اقتحام القرن الذهبي، ودارت معركة بحرية ضارية بينه وبين المدافعين، ولم يستطع الأسطول العثماني الدخول إلى القرن الذهبي، وبعد يومين من هذه المعركة دفعت بعض الإمارات النصرانية بعدد من سفنها لدخول القرن الذهبي، لتزويد المحاصرين بالمؤن والسلاح، فدارت معركة بحرية أخرى أقوى من سابقتها، وكان الفاتح يشرف من على ظهر جواده على المعركة، وأصدر أمره لقائد الأسطول "بالطة أوغلي" إما أن تستولي على هذه السفن أو تغرقها، وإلا فلا ترجع إلينا حياً. بذل قائد الأسطول جهده لمنع السفن النصرانية من إمداد المحاصرين، إلا أن بعضها تمكن من الإفلات، ونجح في الوصول إلى المدينة المحاصرة، غضب محمد الفاتح غضباً شديداً، واستدعى قائد الأسطول، وأنّبه تأنيباً شديداً واتهمه بالجبن، فرد عليه قائد الأسطول قائلاً: «إني أستقبل الموت بجنان ثابت، ولكن يؤلمني أن أواجه الموت وأنا متهم بمثل هذه التهمة، لقد قاتلت أنا ورجالي بكل ما كان في وسعنا من حيلة وقوة» ورفع طرف عمامته، فإذا عينه قد أصيبت في المعركة، فأعذره السلطان واكتفى بعزله وتعيين قائد جديد للأسطول.

كان الحصار يتحول يوماً بعد يوم إلى صراع إرادتين، إرادة المسلمين بقيادة محمد الفاتح، يحدوهم الأمل بالفوز بثناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإرادة البيزنطيين بقيادة الإمبراطور قسطنطين، الدفاع عن المدينة حتى الرمق الأخير.

تفنن المسلمون في خططهم، وازدادت عزائمهم قوةً وإصراراً، فقاموا بعمل جديد وتدبير عسكري غير مسبوق، قاموا بحفر الأنفاق تحت الأرض، واستمروا في ذلك دون كلل، حتى تجاوزوا الأسوار، لكن البيزنطيين أحسوا بذلك، فقاموا من طرفهم بحفر أنفاق مقابلة، ولما وصلها المسلمون ظنوها سراديب سرية توصل إلى داخل المدينة، ففاجأهم البيزنطيون، فقامت معركة طاحنة تحت الأرض، فاستشهد من المسلمين من كتبت له الشهادة، وعاد من كتبت له النجاة ينتظر جولة أخرى عله يكتب له النصر أو الشهادة، لم ييأس المسلمون وكرروا حفر الأنفاق في أماكن مختلفة حتى صار يخيل للبيزنطيين أن الأرض ستنشق من تحت أقدامهم ليخرج منها جنود المسلمين. فأوهن ذلك من عزائمهم، وبدأ اليأس يتطرق إلى قلوبهم.

لكن الخليفة محمد الفاتح لم ييأس وفاجأهم مفاجأة أخرى، حيث أمر ببناء قلعة خشبية هائلة يزيد ارتفاعها عن ارتفاع أسوار القسطنطينية، وكساها بالجلود، وبللها بالماء حتى تقاوم النيران، وملأها بالجنود، وزحف بها إلى السور الأمامي حتى التصقت به، ذهل البيزنطيون من منظر القلعة، فسقطت على السور الأمامي فانهار جزء منه، ولما علم محمد الفاتح بذلك، قال غداً سنبني أربعاً مثلها، يا لها من عزيمة تستحق ثناء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

استمرت مدافع السلطان العملاقة تدك أسوار القسطنطينية ليلاً ونهاراً، فانهار جزء منها، وبعث الفاتح برسالة إلى قسطنطين يطلب منه تسليم المدينة، مقابل ضمان سلامة أهلها وممتلكاتهم، فرد عليه قسطنطين قائلا: «إنني على استعداد لدفع الجزية، ولكن لن أسلم المدينة أو أموت تحت أسوارها». ولما قرأ الخليفة رد قسطنطين أجاب بعزيمة المؤمنين التي لا تعرف الوهن: «غداً سيكون لي فيها مقر، أو يكون لي فيها قبر».

مستمعينا الكرام

وإلى هنا أتوقف اليوم لأدعوكم للانضمام لنا في الحلقة القادمة لنفتح القسطنطينية مع الفاتح ونرى ما حصل بعد هذا الفتح بالإضافة لوصية الفاتح لابنه، فإلى ذلك الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حاملة دعوة

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.