الخلافة في مرمى نيران كل من هبّ ودبّ
January 05, 2014

الخلافة في مرمى نيران كل من هبّ ودبّ


لقد طالعت مقالا منشورا في دنيا الرأي بتاريخ 2014/1/2م، لكاتب اسمه سامح عسكر بعنوان "لا خلافة في الإسلام" وفيه يخبط الكاتب خبط عشواء مستعملا لغة ركيكة، ادعى فيه عدة ادعاءات لا تصمد أمام الواقع والبحث العلمي السليم، وكأن الخلافة أصبحت في مرمى نيران كل من هب ودب فقد ادعى الكاتب في مقاله هذا:


1- أن دولة النبي كانت ضرورة تاريخية اقتضتها وسائل الدفاع.


2- أن مفهوم "الحاكمية" لم يتبلور في فكر سياسي قبل القرن الخامس الهجري، بدءاً من زمان ابن العربي المالكي والماوردي وابن خلدون وأبي يعلى، وكانت السياسة قبل ذلك عبارة عن سُلطة لا فكر فيها ولا كياسة سوى قُدرات الحاكم.


3- أن من يزعم حق الخلافة هو في حقيقته يُريد العودة إلى أصول الإنسان الأولى بالصراع الدموي على السُلطة التي يعقبها طمعٌ يقذفه في حضيض الفتن، كل ذلك من جراء تَملّكه باسم الله وزعمهم بأن الخليفة هو حارس الدين.


4- أن من وضع مفهوم الخلافة كحق إلهي وحُكم شرعي واجب النفاذ، هو من يُطالب الشعب بسمعه وطاعته في الظاهر والباطن، وهم الأقوياء في كل المجتمعات، أي أن المسألة ليست قاصرة على المسلمين والعرب، بل في الشعوب الأخرى يكاد يكون المَلك إلهاً لا تجوز معارضته ويَحرُم الحديث في شأنه، حتى أن النصيحة يجب أن تكون في سياق القبول من الحاكم وإلا فلا.


وردا على هذه النقاط الأربع التي أثارها الكاتب نقول:


1- إن دولة النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة تاريخية، فقد وجدت في الواقع وملأت سمع وبصر العالم، فرضتها النصوص الشرعية وليس كما يدعي الكاتب اقتضتها وسائل الدفاع، فالحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ [المائدة:49]، فهناك ما أنزله الله وهو الأحكام الشرعية، وهناك الحكم بها، فالرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم أقام سلطانا في المدينة، وتولى الحكم فيه، فجمع بين منصب النبوة ومنصب الحكم الذي أقامه من اليوم الأول على أساس واحد هو العقيدة الإسلاميّة، فجَعَلَ شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله أساس حياة المسلمين، وأساس العلاقات بين الناس، وأساس دفع التظالم، وفصل التخاصم. أي أساس الحياة كلّها، وأساس الحكم والسلطان. ثم إنه لم يكتفِ بذلك بل أمر بالمحافظة عليها. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: قـال رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أُمـرت أن اُقاتـل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله».


فالرسول صلى الله عليه وسلم أقام دولة وجعل دستورها وسائر قوانينها مأخوذةً من كتاب الله وسنّة رسوله الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وليراجع الكاتب وثيقة المدينة التي وضعها الرسول من أول يوم وطأت قدماه الشريفتان أرض المدينة. فكيف يمكن لمثل هذا الكاتب أن يدعي أن دولة الرسول حتمها الواقع وليست النصوص الشرعية، وماذا سيفعل سيادته بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفاسقونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْظالمون﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾.


2- قد يكون صحيحا أن بدايات ما يسمى بفقه الأحكام السلطانية كانت في القرن الخامس الهجري، لكن هذا لا يعني أن فكرة الحاكمية لم تكن مبلورة عند المسلمين من اللحظة الأولى لتأسيس دولة الإسلام، وأنها لم تتبلور إلا في كتابات الماوردي وأبي يعلى وابن خلدون كما يدعي الكاتب، وأقول له بنفس منطقه المعوج؛ أن العرب لم تعرف للّغةِ العربية قواعد قبل (ملك النحو) أبي الأسود الدؤلي المتوفى 69هـ، ومن بعده الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى 170هـ وتلميذه سيبويه المتوفى 180هـ، وأنهم - أي العرب - عندما فسدَ اللسان العربي كانوا يخبطون في اللغة خبطَ عشواء!، بل ويلحنون في كلامهم قبل أن يأتيهم سيبويه إمامُ النحاة، ليضع لهم قواعد النحو باكتمال واقتدار، فهل جاء الماوردي أو غيره ممن كتب في الأحكام السلطانية بنصوص من عند نفسه؟، أم إنها نصوص وردت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي سيرة الخلفاء الراشدين المهديين؟، ولعل النص الأول في وثيقة المدينة يوضح بما لا يدع مجالا للشك بأنها تؤسس لدولة قوامها المهاجرون والأنصار ومن تبعهم فلحق بهم، إذ هم وحدهم أمة واحدة من دون الناس، فالبند الأول يقول: «هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. أنهم أمة واحدة من دون الناس». ثم يبين أحد أهم نصوص الوثيقة أن المرجع الوحيد بل والسيادة المطلقة في هذه الدولة هي لشرع الله سبحانه وتعالى، أي أن الحاكمية في هذه الدولة هي لله أي لشرعه سبحانه وتعالى، إذ تنص على: «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره».


أليس هذا النص في كتاب الله موجودًا قبل أن يكتب أحد من علماء الأمة في وجوب وجود ولي أمر للمسلمين واجب الطاعة طالما يقودنا بكتاب الله؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فهل يأمر الله بطاعة من لا وجود له؟! ألا يدل هذا على إيجاد ولي الأمر؟ وهذا الإيجاد ليس على الندب أو الإباحة، بل على الوجوب لأنّ الحكم بما أنزل الله تعالى واجب. فالله تعالى حين أمر بطاعة ولي الأمر فإنه يكون قد أمر بإيجاده. فإنّ وجود ولي الأمر يترتب عليه إقامة الحكم الشرعي، وترك إيجاده يترتب عليه تضييع الحكم الشرعي، فيكون إيجاده واجباً لما يترتب على عدم إيجاده من حرمة، وهي تضييع الحكم الشرعي.


وفي السنة رُوي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» [رواه مسلم]، وفي رواية «من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية» [رواه أحمد]، فالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون إلاّ لخليفة ليس غير. وروى مسلم أيضا عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «إنما الإمام جُنّة يُقاتَل من ورائه ويُتّقى به». وروى عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يُحدّث عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإنّ الله سائلهم عما استرعاهم». وعن ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية». ففي هذه الأحاديث يبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الخلافة فرض وأنها النظام الذي سيسوس المسلمين بعد النبي إذ لا نبوة بعده صلى الله عليه وسلم، فكيف يتجرأ الكاتب على القول أن المسلمين لم يعرفوا السياسة قبل القرن الخامس الهجري؛ وأن السياسة قبل ذلك كانت عبارة عن سُلطة لا فكر فيها ولا كياسة سوى قُدرات الحاكم؟!


3- لا أدري من أين أتى السيد الكاتب بهذا الادعاء الغريب؟ عندما قال أن العودة للخلافة هي في الحقيقة عودة إلى أصول الإنسان الأولى بالصراع الدموي على السُلطة التي يعقبها طمعٌ يقذفه في حضيض الفتن، برغم أن التاريخ يشهد أن النماذج الحالية للحكم في العالم هي التي فجرت على مدى جيل واحد من 1914م إلى 1944م حربين عالميتين، راح ضحية أولاهما ثلاثون مليوناً من البشر، وراح ضحية الثانية سبعون مليوناً من البشر، وانتهت هذه الأخيرة بفاجعة نووية، مسحت من على الأرض مدينتين كاملتين، هما هيروشيما وناجازاكي باليابان.


فالدولة المدنية الحديثة وليست الخلافة، هي التي أبادت شعوباً بأكملها، كان آخرها سكان أمريكا الأصليون، الملقبون بالهنود الحمر، منذ عام 1492م إلى أواسط هذا القرن العشرين، وكذلك الملحمة الدموية المريرة للتجارة بالعبيد الأفارقة، بعد اختطافهم من أدغالهم، وقبائلهم، ما يمثل اليوم وصمة عار على جبين أوروبا وأمريكا. وأقرب إلينا تاريخياً محاولة إبادة (ستالين) لمخالفيه الذين قدر عددهم المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي نفسه، بخمسة ملايين ضحية في ثلوج سيبيريا، ومحاولة إبادة شعب فيتنام، الذي أفرغت طائرات أمريكا على رؤوس أبنائه قنابل توازي ما أفرغ أثناء الحرب الكونية الثانية، على أوروبا بأسرها. وجاءت المأساة الاستخرابية المسماة زوراً بالاستعمارية، فأظهرت للإنسانية بشاعة الفكر الغربي العلماني، الذي استحل دماء الشعوب المستضعفة وأراضيها، وخيراتها، فسخرتها القوة العمياء لخدمة ازدهار الغرب ورفاهيته، وزيادة استهلاكه. فهل فعلت الخلافة التي حكمت العالم لقرون طويلة معشار ما جرته أنظمة الحكم الحديثة على البشرية؟!


قد يكون هناك بعض الأخطاء حدثت في ظل بعض الخلفاء، ولكنها ليست من صميم نظام الخلافة ولا في فلسفة الإسلام لها أصل، بل هي مرفوضة رفضا تاما وغير مقبولة أبدا، وبرغم ذلك فهي لا تكاد تذكر بجانب وحشية الرأسمالية التي جلبت التعاسة والشقاء على البشرية جمعاء. فلتخرس تلك الألسنة، ولتكف عن بث سمومها بين المسلمين في محاولة ساقطة لحبس الإسلام في الزاوية والمسجد ووصمه بأنه دين كهنوتي لا علاقة له بالحكم والسياسة.


4- لقد اعتبر الكاتب الهمام طاعة الخليفة في الظاهر والباطن، مشابهًا لما عند بعض الشعوب الأخرى التي يكون المَلك إلهاً عندهم لا تجوز معارضته ويَحرُم الحديث في شأنه. وهذه سقطة أخرى من سقطات كاتب المقال، فمتى وفي أي عصر نظر المسلمون للحاكم أو الخليفة بأنه إله؟ أو متحدث باسم الله لا تجوز معارضته؟ ففي عهد الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق عارضه عمر وبعض الصحابة في بادئ الأمر في قتال مانعي الزكاة، ثم ما لبثوا أن شرح الله صدورهم لِما شرح الله صدر أبي بكر له، وعارض بلال وبعض الصحابة الخليفة الراشد الثاني في مسألة سواد العراق، ثم بعد ذلك تراجعوا بعد أن قدم لهم عمر رضي الله عنه الدليل على صحة رأيه، وكذلك فعلت امرأة في موضوع تحديد المهور، وكيف عارض الإمام الأوزاعي الخليفة العباسي وواليه صالح بن عبد الله بن عباس حين أقدم نفر من أهل الذمة - النصارى - في جبل لبنان على نكث للعهود وحمل للسلاح وإعلان للفتنة والتمرد، وكيف شرّد بهم الوالي وأجلاهم عن قُراهم رغم عدم اشتراكهم جميعاً في هذه الفتنة. ولم يسكت عن هذا الظلم، فما كان منه إلا أن أرسل رسالة إلى الوالي يقول فيها: "... وقد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان، ممن لم يكن ممالئًا لمن خرج على خروجه، ممن قتلتَ بعضهم، ورددتَ باقيهم إلى قراهم ما قد علمتَ، فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله: ﴿ألا تزرَ وازرة وزرَ أخرى﴾، وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به.. وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: «من ظلم معاهداً أو كلَّفه فوقَ طاقته فأنا حجيجه» (أي: خصمه)". وأصرّ على الوالي أن يبادر برفع هذا الظلم، وإزالة الحيف عن كاهل هؤلاء المظلومين مبيناً له ضرورة التزام مبادئ الإسلام مهما كانت الظروف. ولقد استجاب الوالي وفعل ما طلبه الأوزاعي. ولو عددنا قصص التاريخ التي تبين كيف كانت الأمة وعلماؤها تحاسب الخلفاء والولاة في ظل حكم الإسلام لاحتجنا إلى مجلدات، وبهذا يسقط هذا الادعاء الكاذب بأن الحديث عن الخلافة يعني الحنين لعودة المَلك الإله أو نصف الإله، فالخلافة دولة بشرية وليست دولة إلهية، والحاكم فيها ليس ظل الله على الأرض، وهو يخطئ ويصيب وتحاسبه الأمة بل وتشهر في وجهه السلاح إن هو ترك شرع الله وحكم بالكفر وأظهر الكفر البواح.


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية  حمى الضنك والملاريا

غياب دور الدولة في مواجهة الكارثة الصحية

حمى الضنك والملاريا

في ظل الانتشار الواسع لحمى الضنك والملاريا في السودان، تتكشف ملامح أزمة صحية حادة، تكشف عن غياب الدور الفاعل لوزارة الصحة وعجز الدولة عن التصدي لوباء يفتك بالأرواح يوماً بعد يوم. ورغم التقدم العلمي والتكنولوجيا في علم الأمراض تتكشف الحقائق ويظهر الفساد.

غياب خطة واضحة:

رغم تجاوز عدد الإصابات الآلاف، وتسجيل وفيات بالجملة وفقاً لبعض المصادر الإعلامية، لم تُعلن وزارة الصحة عن خطة واضحة لمكافحة الوباء. ويُلاحظ غياب التنسيق بين الجهات الصحية، وانعدام الرؤية الاستباقية في التعامل مع الأزمات الوبائية.

انهيار سلاسل الإمداد الطبي

حتى أبسط الأدوية مثل "البندول" أصبحت نادرة في بعض المناطق، ما يعكس انهياراً في سلاسل الإمداد، وغياباً للرقابة على توزيع الأدوية، في وقت يحتاج فيه المرء إلى أبسط أدوات التسكين والدعم.

غياب التوعية المجتمعية

لا توجد حملات إعلامية فعالة لتثقيف الناس حول طرق الوقاية من البعوض، أو التعرف على أعراض المرض، ما يزيد من تفشي العدوى، ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه.

ضعف البنية التحتية الصحية

المستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات، بل حتى أدوات التشخيص الأساسية، ما يجعل الاستجابة للوباء بطيئة وعشوائية، ويُعرض حياة الآلاف للخطر.

كيف تعاملت دول أخرى مع الأوبئة؟

 البرازيل:

- أطلقت حملات رش أرضية وجوية باستخدام المبيدات الحديثة.

- وزعت الناموسيات، وفعّلت حملات توعية مجتمعية.

- وفرت الأدوية بشكل عاجل في المناطق الموبوءة.

بنغلادش:

- أنشأت مراكز طوارئ مؤقتة في الأحياء الفقيرة.

- وفرت خطوطاً ساخنة للبلاغات، وفرق استجابة متنقلة.

فرنسا:

- فعّلت أنظمة الإنذار المبكر.

- كثّفت الرقابة على البعوض الناقل، وبدأت حملات توعية محلية.

الصحة من أهم الواجبات ومسؤولية الدولة مسؤولية كاملة

لا يزال السودان يفتقر إلى آليات فعالة للكشف والإبلاغ، ما يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من المعلن، ويزيد من تعقيد الأزمة. إن الأزمة الصحية الراهنة هي نتيجة مباشرة لغياب دور الدولة الفاعل في الرعاية الصحية التي تضع حياة الإنسان في مقدمة أولوياتها، دولة تطبق الإسلام وتطبق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله "لو عثرت بغلة في العراق فإن الله سائلني عنها يوم القيامة".

الحلول المقترحة

- إقامة نظام صحي يخشى الله أولا في حياة الإنسان وفعال، لا يخضع للمحاصصة أو الفساد.

- توفير الرعاية الصحية المجانية باعتبارها حقا أساسيا لكل الرعية. وإلغاء تراخيص المستشفيات الخاصة ومنع الاستثمار في مجال التطبيب.

- تفعيل دور الوقاية قبل العلاج، من خلال حملات توعية ومكافحة البعوض.

- إعادة هيكلة وزارة الصحة لتكون مسؤولة عن حياة الناس، لا مجرد جهة إدارية.

- تبني نظام سياسي يضع حياة الإنسان فوق المصالح الاقتصادية والسياسية.

- فك الارتباط بالمنظمات الإجرامية ومافيا الدواء.

في تاريخ المسلمين، كانت المستشفيات تُقام لخدمة الناس مجاناً، وتُدار بكفاية عالية، وتُمول من بيت المال، لا من جيوب الناس. فكانت الرعاية الصحية جزءاً من مسؤولية الدولة، لا منّة ولا تجارة.

إن ما يحدث اليوم في السودان من تفشي الأوبئة، وغياب الدولة عن المشهد، هو نذير خطر لا يُمكن تجاهله. المطلوب ليس فقط توفير بندول، بل إقامة دولة رعاية حقيقية تُعنى بحياة الإنسان، وتُعالج جذور الأزمة، لا أعراضها، دولة مدركة لقيمة الإنسان وحياته والغاية التي وجد من أجلها وهي عبادة الله وحده. والدولة الإسلامية هي الوحيدة القادرة على معالجة قضايا الرعاية الصحية عبر النظام الصحي الذي لا يمكن تنفيذه إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

شرف الصحبة مع أبي أسامة، أحمد بكر (هزيم) رحمه الله

في صبيحة الثاني والعشرين من ربيع الأول 1447 هجرية الموافق الرابع عشر من أيلول 2025م، وعن عمر ناهز سبعة وثمانين عاما، انتقل إلى جوار ربه أحمد بكر (هزيم)، من الرعيل الأول في حزب التحرير. حمل الدعوة سنوات طويلة وتحمل في سبيلها السجن الطويل والتعذيب الشديد فما لان ولا ضعف ولا غيّر ولا بدّل بفضل الله وعونه.

أمضى في سوريا في الثمانينات أيام حكم المقبور حافظ سنوات طويلة متخفيا حتى اعتقل مع ثلة من شباب حزب التحرير على يد المخابرات الجوية سنة 1991م، ليلاقي أشد أنواع التعذيب بإشراف المجرمين علي مملوك وجميل حسن، حيث أخبرني من دخل غرفة التحقيق بعد جولة من التحقيق مع أبي أسامة وبعض رفاقه أنه شاهد بعض قطع اللحم المتطايرة والدماء على جدران غرفة التحقيق.

وبعد أكثر من سنة في زنازين فرع المخابرات الجوية في المزة، تمّ تحويله مع بقية زملائه إلى سجن صيدنايا ليحكم عليه بعدها بعشر سنوات، قضى منها سبع سنوات صابرا محتسبا ثم منّ الله عليه بالفرج.

بعد خروجه من السجن واصل حمل الدعوة مباشرة واستمر حتى بدأت اعتقالات شباب الحزب التي شملت المئات في سوريا في منتصف شهر 12 عام 1999م، حيث دوهم بيته في بيروت واختطف لينقل إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب الرهيب. وكان رغم كبر سنه بعون الله صابرا ثابتا محتسبا.

انتقل بعد ما يقرب السنة إلى سجن صيدنايا من جديد، ليحاكم في محكمة أمن الدولة، ويحكم فيما بعد مدة عشر سنوات كتب الله له أن يمضي منها ما يقرب من ثماني سنوات ثم منّ الله عليه بالفرج.

قضيت معه عام 2001م سنة كاملة في سجن صيدنايا بل كنت فيها إلى جانبه تماما في المهجع الخامس (أ) يسار الطابق الثالث، كنت أناديه عمي العزيز.

كنا نأكل معا وننام إلى جانب بعض ونتدارس الثقافة والأفكار. منه اكتسبنا الثقافة ومنه كنا نتعلم الصبر والثبات.

كان سمحا محبا للناس حريصا على الشباب يزرع فيهم الثقة بالنصر وبقرب تحقق وعد الله.

كان حافظا لكتاب الله وكان يقرأه كل يوم وليلة وكان يقوم أغلب الليل فإذا اقترب الفجر هزني ليوقظني لصلاة القيام ثم لصلاة الفجر.

خرجت من السجن ثم عدت إليه سنة 2004م، ونقلنا إلى سجن صيدنايا من جديد بدايات 2005م، لنلتقي من جديد بمن بقوا في السجن عند خروجنا للمرة الأولى نهاية 2001م، وكان منهم العم العزيز أبو أسامة أحمد بكر (هزيم) رحمه الله.

كنا نتمشى لفترات طويلة أمام المهاجع لننسى معه جدران السجن وقضبان الحديد وفراق الأهل والأحبة، كيف لا وهو الذي أمضى سنوات طوالاً في السجن ولاقى ما لاقى!

ورغم قربي منه وصحبتي له فترات طويلة لم أره يتذمر أو يشتكي أبدا وكأنه ليس في سجن بل يحلق خارج أسوار السجن؛ يحلّق مع القرآن الذي يتلوه في معظم أوقاته، يحلّق بجناحي الثقة بوعد الله وبشرى رسوله ﷺ بالنصر والتمكين.

كنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة نتطلع إلى يوم النصر الكبير يوم تتحقق بشرى رسولنا ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». كنا نتشوق إلى الاجتماع تحت ظل الخلافة وراية العقاب خفاقة. ولكن قضى الله أن ترحل من دار الشقاء إلى دار الخلد والبقاء.

نسأل الله أن تكون في الفردوس الأعلى ولا نزكي على الله أحدا.

عمنا العزيز أبا أسامة:

نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يسكنك فسيح جناته وأن يجعلك مع الصديقين والشهداء، وأن يجزيك عما لاقيت من أذى وعذاب الدرجات العلا في الجنة، ونسأله عز وجل أن يجمعنا بك على الحوض مع رسولنا ﷺ وفي مستقر رحمته.

عزاؤنا أنك تفد على أرحم الراحمين ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو صطيف جيجو