الخلافة المشروع الحقيقي لتحرير فلسطين المُغَيَّبُ سياسيا وإعلاميا
May 25, 2014

الخلافة المشروع الحقيقي لتحرير فلسطين المُغَيَّبُ سياسيا وإعلاميا

ما من شك أنّ فلسطين درة بلاد المسلمين، فهي الأرض التي باركها الله، وفتحها الصحابة الكرام، وروى ثراها الشهداء والأبطال بدمائهم الزكية، وحافظت عليها خلافة المسلمين وجندها، فما من شك أنها أرض إسلامية يجب أن تعود إلى حظيرة الإسلام والمسلمين، وأنّ الطريق إلى ذلك هو تحريرها من دنس يهود وقلعهم من جذورهم من هذه الأرض المباركة.


وليس ثمة شك أيضا أنّ الحديث عن التحرير الحقيقي لفلسطين هو حديث عن حرب الجيوش التي تطحن الأعداء وتزلزل الأرض من تحت أرجلهم، فتجبرهم على العودة خائبين مكسورين يجرون أذيال الهزيمة إلى حيث كانوا مشتتين في أقطار أوروبا وروسيا وأمريكا، أو القضاء عليهم وإفنائهم عن بكرة أبيهم.


ولتحقيق ذلك كان لا بد من إزالة الأنظمة التي حبست الجيوش عن تأدية واجبها في تلبية نداء الجهاد واستغاثة المسلمين في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين المحتلة، ولا بد من توحيد العالم الإسلامي من جديد على مشروع رباني عظيم تحت قيادة مخلصة تحرك الجيوش من فورها لتحرير فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين، فمن هنا كانت الخلافة هي الطريق الحقيقي العملي لتحرير فلسطين.


ومن سقط الكلام القول بأنّ المفاوضات أو المعاهدات أو السلام، أو طرق أبواب المجتمع الدولي ومؤسساته طريق لتحرير فلسطين، فحتى دعاة المفاوضات والمعاهدات والسلام لا يطرحون ذلك كطريق لتحرير لفلسطين، بل يسوقونه على أنّه طريق لإنهاء الصراع.


وهنا تكمن الكارثة، إذ باتت الأطروحات المتعلقة بفلسطين، جهلا من البعض وتآمرا من الآخرين، أطروحات تتعلق بكيفية إدارة الصراع أو إنهائه، ولم يعد لتحرير فلسطين مكان في أجندتهم أو أبحاثهم، حتى ولو من باب الأمنيات، مع أنّ أصل القضية ولب المشكلة هو احتلال فلسطين، وحلها البديهي والوحيد هو تحريرها.


وأحد أسباب التشوه في تناول القضية جاء جراء الجهد الكبير الذي بذله الغرب من خلال أدواته من الحكام والعملاء والمفكرين والأحزاب، حينما عملوا على انتزاع فلسطين من حضنها الأصيل، وهي الأمة الإسلامية، إلى حضن العرب ثم الفلسطينيين ثم منظمة التحرير ثم رئيس المنظمة.


ولما ترسخت هذه الفكرة في أذهان هؤلاء وغيرهم باتوا يرون أنفسهم أقزاما أمام مجرد التفكير بالتحرير وطرد يهود، وصار التفكير بإدارة الصراع أو إنهائه هو أعلى مراتب التفكير في قضية فلسطين.


وهذه الرؤية متوقعة ممن دخل هذا النفق المظلم لأنه صار ينطلق في طموحاته وأهدافه من هذا المكان الذي يبدو فيه كيان يهود عملاقا وقدرا لا مفر منه، بعد أن كان النظر إلى كيان يهود من سقف الأمة ومستواها كالنظرة إلى حشرة في فناء البيت يسهل القضاء عليها في طرفة عين.


وهكذا، فقد عمل الحكام ومن معهم من الأدوات والأحزاب والمفكرين على تغييب الطرح الأصيل لحل قضية فلسطين عن الساحة السياسية، وبات الطرح الأصيل من قبل المخلصين يقابل بالاستغراب أو الاستخفاف من قبل هؤلاء المجرمين. حتى وصل الأمر بأحد هؤلاء الأدوات أن عد الطرح الأصيل خروجا عن الموضوع في أحد الحوارات المباشرة على إحدى الفضائيات!!.


وكان للإعلام حصة الأسد في تمرير المؤامرة على الشعوب، خاصة أهل فلسطين، إذ عمل الإعلام على جعل إدارة الصراع أو إنهائه هو أصل القضية وفرعها، فسلط الأضواء على النشاطات والأعمال التي تحمل هذا الطابع وترسخ هذه النظرة، مهما كانت تافهة أو ساذجة، ولو كان المنظمون لها بضعة أفراد مبتورين، كقرية عين شمس والمقاومة الشعبية ومهرجانات التضامن ومسيرات الاحتجاج والاحتفالات بشتى صورها.


وواصل الإعلام إثارة القضايا من الزاوية التي تصب في نفس السياق، كموضوع اللاجئين والحل العادل لهم، والمصالحة لإدارة الصراع، ومواصلة الاستيطان، وإطلاق سراح الأسرى، ومصادرة الأراضي، وعكف على استضافة الشخصيات التي تنطق بهذا المنطق ولا تغرد خارج هذا السرب، بل وصنع منهم مفكرين وباحثين وقادة من كثرة النعوت واللبوس الذي ألبسهم إياه الإعلام، حتى صنع منهم عملاء فكريين للغرب منظرين وقادة للرأي العام!!


وفي المقابل، تجاهل الإعلام المشروع الحقيقي والوحيد المطروح لتحرير فلسطين بكاملها، وتعامى عن كل الأعمال والنشاطات التي تقود إلى الحل الأصيل، وغاب عن تغطيتها حتى عندما تكون من النوع الذي يملأ عين الشمس وتحت شباك الفضائية، وحينما يضطر إلى تناولها حفظا لماء وجهه أمام المشاهدين فتكون في سياق الحدث العابر وضمن عبارات وتقارير منتقاة لغرض التقزيم والتهوين من أمرها.


وتعمدت وسائل الإعلام تغييب المفكرين والناطقين بهذا الحل، وحينما تضطر لاستضافة أحدهم فنصيبه يكون أقل من نصيب قصة تروي نهفة لامرأة تعيش في أمريكا اللاتينية!!


وهذا التآمر على قضية فلسطين لتغييب الحل الحقيقي لها، وتغييب مشروع التحرير، من قبل السياسيين والإعلاميين لأنّهم يدركون أن عروشهم وملكهم قائم ما دامت الحال على ما هي عليه، وأن لا مكان لهم في حضن الأمة عندما تسترد عزتها وتقيم خلافتها، وأنّ الملك والجاه الذي صنعه لهم الغرب سيزول مع زوال سلطان الغرب وهيمنته من على بلاد المسلمين، لذلك هم مستميتون في التآمر على الحل الأصيل لقضية فلسطين وباقي بلاد المسلمين، وحالهم في ذلك كحال قادة قريش الذين مع قناعتهم بصحة الإسلام ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنهم أبوا إلا محاربته ومحاولة القضاء على دعوته، لأنّهم أدركوا أنّه ليس كورقة بن نوفل ذلك العابد الذي لا يهدد سلطانهم أو يزعزع ملكهم، بل هو يحمل رسالة ستعيد ترتيب الأمور وتقلب الطاولة على رؤوسهم.


وهكذا هم الآن، فهم مدركون أنّ عروشهم ستزول وأن سلطانهم سيندثر حال قيام الخلافة التي ستعيد ترتيب الأوراق وتنزل الأمور منازلها الحقيقية كما أرادها الله سبحانه وتعالى.


فمشروع الخلافة هو المشروع الحقيقي لتحرير فلسطين وكامل بلاد المسلمين، وكل من لا يعمل لهذا المشروع فهو غير جاد في العمل للتحرير، إذ لا حديث عن فلسطين وحلها إلا في سياق التحرير، ولا تحرير إلا بالحرب والقتال، ولا قتال حقيقيا إلا بالجيوش التي حبسها الحكام، ولا زوال للحكام إلا بدولة الخلافة.


فلذلك ولغيره كان عملنا وبكل قوة من أجل إقامة الخلافة التي تحرر فلسطين وأفغانستان وكشمير والشيشان والقرم وتترستان والقفقاس وتركستان الشرقية، وتعيد كلَّ بلاد الإسلام إلى أصلها وفصلها.


فخير لكل السياسيين والإعلاميين أن ينحازوا لمشروع أمتهم الذي باتت بشائر نجاحه تلوح في الأفق القريب، قبل أن يأتي يوم يكونون فيه من النادمين المتحسرين على ما فاتهم من أجر وعلى ما اقترفوه من إثم في حق أمتهم وبلادهم.


وأما نحن فعلى دربنا، درب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سائرون، عازمون أمورنا متوكلون على الله، وكلنا ثقة ويقين بنصر الله المبين.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس باهر صالح
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر