March 17, 2014

الفراغ السياسي في الموقف الدولي "القسم الثاني: سقوط أمريكا"


تكلمنا في موضوعنا "الفراغ السياسي في الموقف الدولي" حول احتمال سقوط أمريكا عن موقع الدولة الأولى في العالم، وعدم قدرة الدول الكبرى الأخرى الموجودة حاليا على الساحة وهي بريطانيا وفرنسا وروسيا، وكذلك الدول المحتمل أن تصير دولا كبرى كألمانيا والصين واليابان على أن تملأ الفراغ فتصبح الدولة الأولى التي تتحكم في العالم، وذكرنا أسباب ذلك. فنال هذا المقال تقدير أخ كبير عزيز طلب أن أكمل هذا الموضوع في الوقت المناسب بذكر "عوامل ضعف الدولة الأولى وزوالها". وتقدير أخ عزيز آخر طلب زيادة على الطلب السابق أن أكمله "ببيان أكثر لِمَ يمكن للأمة الإسلامية أن تحل محل الدولة الأولى وما هي مؤهلاتها لذلك ولماذا يمكن أن تسبق دولاً متقدمة كبريطانيا وفرنسا وغيرها". وتقدير أخ كريم طلب على صفحة المكتب الإعلامي المركزي تكملته "ببيان ما ستقوم به دولة الخلافة حينما تسقط أمريكا عن مركز الدولة الأولى".


وبناء على ذلك سوف أتناول هذه الموضوعات فأبين عوامل ضعف الدولة الأولى التي تؤدي إلى سقوطها عن هذا المركز وزوالها عن التحكم في العالم، وبعد ذلك أتناول مؤهلات الأمة الإسلامية لأن تصبح الدولة الأولى، ثم أتناول ما ستقوم به دولة الخلافة حينما تسقط أمريكا عن مركز الدولة الأولى. وفي هذا القسم اقتصر على بيان عوامل ضعف أمريكا لأتابع سائر الموضوعات في أقسام لاحقة إن شاء الله.


إن تتبع عوامل ضعف دولة كبرى كأمريكا أمر بالغ التعقيد ويحتاج إلى دراسات تفصيلية وتحليلية، ولكني أكتفي بالإشارة إلى أهم تلك العوامل بغية تسليط الضوء عليها علها تجد من يوسعها بحثاً وتقصياً.


أهم عوامل سقوط أمريكا عن مركز الدولة الأولى في العالم:


1- التراجع الفكري: إن أهم عامل من عوامل سقوط الدول الكبرى وانهيارها وزوالها هو الانحطاط الفكري، ويبدأ الانحطاط بالجمود الفكري الناتج عن العجز الفكري المتمثل في عدم القدرة على إيجاد حلول ناجعة للأزمات والمشاكل من المبدأ الذي تعتنقه الدولة. فالدولة تبقى قوية بقوتها الفكرية وقدرة أبنائها المفكرين والسياسيين على الإبداع الفكري وإيجاد الحلول الناجعة من المبدأ الذي يعتنقونه. فإذا ما حصل فيها نقص أو قحط في الرجال المفكرين المجتهدين والمبدعين، وظهرت إساءات في تطبيق المبدأ وسوء فهم له، ودخلت إليها أفكار وحلول من خارج المبدأ فأخذت تحاول التوفيق بينه وبين هذه الأفكار الدخيلة، وحصل التنازل عن أفكار المبدأ وعن الالتزام به، وتضعضعت الثقة في المبدأ لعدم قدرته على تقديم الحلول الناجعة، فعند ذلك يبدأ الانحدار والسقوط. وفي العادة فإن أهل هذا المبدأ لا يلتفتون إلى المرض الذي أصابهم، وإذنْ لعالجوه، ولكنهم لا يدركون ذلك جيداً إلا بعد نشوء دولة مبدئية أخرى تقوم بتحديهم وتحدي مبدئهم، فلا يصمدون أمامها وتنهار دولتهم، فدولتا فارس والروم لم تحسا بالانحطاط الفكري الذي أصابهما، ولكن عندما نشأت الدولة الإسلامية على أساس مبدأ جديد وبدأت تتحدى هاتين الدولتين فعندئذ أحستا بالخطر الداهم عليهما وسقطتا بسرعة أمام الدولة الإسلامية الناشئة.

والدولة الإسلامية في نهاية عهد العثمانيين لم تدرك الواقع الذي آلت إليه، فلم تعالجه عندما أصابها الانحطاط الفكري، لتفاجأ بالدول الأوروبية التي كانت ترهبها لقرون قد أفاقت من سباتها وتفوقت عليها وبدأت تهددها. والاتحاد السوفياتي بدأ بالعد التنازلي يوم بدأ يتنازل عن مبدئه وهو في أوج قوته العسكرية إلى أن تخلى نهائيا عن مبدئه تقريبا بتأويلات مثل الانفتاح وإعادة البناء إلى أن سقط هو ومبدؤه، فلم يبق غير اسم المبدأ واسم الحزب القائم عليه في بعض البلدان. وأمريكا الآن بدأت تتخلى عن مبدئها بشكل علني فقد حملت مشعل الحرية والديمقراطية والقيم العليا وحقوق الإنسان واحترام حق الشعوب في التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار والدفاع عن المظلومين والمضطهدين، فداست على كل ذلك، وانكشف وجهها الحقيقي بأنها دولة استعمارية لا تختلف عن الدول الاستعمارية السابقة ولا تقل عنها وحشية وهمجية، وصارت تضيق على الحريات في الداخل والخارج، وتتجسس على الجميع وتلاحق كل شخص وتجعله متهما يهدد أمنها إذا لم يعلن ولاءه لها بشكل كامل، بل ويتعامل معها أو يعمل لحسابها، وكثير من الناس الذين تقبض عليهم بسبب اتهامها لهم بمعارضتهم لسياستها ولمشاريعها أو لمقاومتهم احتلالها واستعمارها ترمي بهم في معتقلات نائية لسنين طويلة من دون محاكمة وتعذبهم وتهينهم وتدوس كرامتهم ولو كانوا أسرى، فلا تعتبرهم أسرى عندما تأسرهم وهي في حرب معهم، ولا تحترم حقوقهم الإنسانية فتفرج عنهم أو تفاديهم. ووقفت وراء الأنظمة الاستبدادية ودعمت الانقلابات ضد الديمقراطية التي تدّعيها، فتعرت أمام العالم، مثلما فعلت في مصر فدعمت الانقلاب على الديمقراطية التي دعمتها برئاسة مرسي، وبررت ذلك بأن الجيش سيعيد الديمقراطية كما قال وزير خارجيتها جون كيري.

وتدخلت بالقوة لإسقاط أنظمة معارضة لها وإقامة أنظمة شبيهة بالساقطة مؤيدة لها؛ فاحتلت العراق وأقامت فيه نظاما لا يقل استبدادا عن سابقه، بل أكثر فسادا من سابقه، ناهيك عن قتلها الناس بلا رحمة وتعذيبها لهم وتدميرها للبلد والعمل على تمزيقه، حيث وضعت دستورا من أجل تحقيق ذلك بإقامة نظام حكم محاصصة طائفية وقومية، وهذا يناقض الديمقراطية التي تقول بحكم الشعب بدون إعطاء حق لطائفة قومية معينة على حساب أخرى، متناقضة مع أفكارها الأساسية في مساواة المواطنين في الحقوق وعدم التمييز بينهم، وكاذبة على أهل العراق من أنها ستخلصهم من استبداد وظلم النظام.

وهكذا فعلت في أفغانستان بعدما احتلته، وكذلك فعلت في الصومال فأشاعت القتل والدمار في هذه البلاد، كما فعلت في العديد من دول أمريكا اللاتينية وفي العديد من دول أفريقيا وآسيا. فلم تعرف الرحمة ولا الشفقة ولا حقوق إنسان ولا أخلاق، فهي تقتل من تشاء وتعذب وتسجن من تشاء وتخطف من تشاء، وتدمر البيوت على رؤوس أصحابها وتثير الفوضى والاضطراب والقلاقل في المجتمعات لبسط نفوذها في البلاد.

وتستعمل أخبث وأقذر الأساليب في سبيل بسط نفوذها وتحقيق هيمنتها واستعمارها. وتدعم كيان يهود في كل جرائمه وتحميه من كل مساءلة. والعالم كله يشاهد ما تفعله أمريكا وهو كاره لكل ذلك ولاعِنٌ لها ولعملها ونازع ثقته منها ومن حلولها التي تعمق المشاكل ولا تحلها وتجعل المجتمعات تعيش في جحيم وتطلب رحمتها. كما تنازلت أمريكا عن مبدئها وتدخلت في السوق لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية بشراء أسهمها المتعثرة أو الهالكة ابتداء من عام 2008 عند انفجار الأزمة المالية الأخيرة، وما زالت مستمرة في هذه السياسة حيث قررت ضخ ترليونات من الدولارات، فهي تضخ شهريا 85 مليار دولار، مع العلم أن ذلك يخالف مبدأها الرأسمالي مخالفة أساسية حيث ينص هذا المبدأ على منع الدولة من التدخل في السوق ويوجب تطهير السوق من براثن السلطة، ويقول بأن السوق هو الذي يعالج نفسه بنفسه، وهي التي تنادي بتحرير السوق وبالاقتصاد الحر.

فمثلها كمثل الاتحاد السوفياتي الذي عمل على تطبيق الاشتراكية حتى يصل إلى الاشتراكية الشيوعية ثم تراجع فسمح بإشراك بعض الأفراد في وسائل الإنتاج، واستمر في تراجعه وتنازله إلى أن سمح للمؤسسات المالية والاقتصادية الغربية الرأسمالية بالاستثمار في الاتحاد السوفياتي. وهكذا سقط الاتحاد السوفياتي عندما بدأ يتنازل ويتراجع عن مبدئه، وبدأ بتأويله وتحريفه، وسمح بدخول الأفكار الرأسمالية. وأمريكا خالفت مبدأها لأنها لم تستطع أن تلتزم به لأنه لا يعالج المشاكل فتدخلت في السوق ووضعت عليه قيودا وقوانين، وقامت وتدخلت لإنقاذ الشركات التي يجب أن تسقط حسب المبدأ الرأسمالي وتقوم غيرها محلها بصورة أقوى وأفضل، ومع ذلك لم تستطع أن تعالج هذه الأزمة وما زالت تضخ الأموال الطائلة لإنقاذ شركات أصحاب رؤوس الأموال الذين يحكمون البلاد وتحرم عامة الناس منها.


2- ضعف التماسك الداخلي: لقد بدأ الناس في أمريكا يشعرون بوجود طبقة ثرية ثراءً فاحشا تستحوذ على أكثرية ثروات البلاد وهي التي تتحكم في البلاد وفي العباد، وتمسك بزمام الحكم وتتبادل الأدوار بينها.

ولذلك خرجت مسيرات احتجاجية شعبية فريدة من نوعها في أمريكا واتخذت شعارا لافتا للنظر وهو "احتلوا وول ستريت" قائلة أن 1% من الناس، وهم الأثرياء الذين يتمركزون في السوق المالية المعروفة في وول ستريت، تملك 99% من الثروة، وأن هؤلاء لا يدفعون الضرائب بدعوى أنهم يشغّلون العمال فيمنون على الناس أنهم يشغلونهم بأجور زهيدة ويجمعون من وراء جهدهم ثروات طائلة. فقامت الدولة وقمعت هذه الاحتجاجات، مع أنها كانت سلمية. فهذا يدل على أن هناك تململاً من الناس للثورة على النظام القائم، وتميزت هذه التحركات بأنها لم تكن من عنصر أو عرق معين من الناس يحتجون على معاملتهم كاحتجاج السود أو احتجاج الأمريكيين اللاتينيين بل كانت من الشعب بصفة عامة بدون أن تحمل طابعا عنصريا أو عرقيا لفئة خاصة مهمشة في المجتمع. ولكن لم يملك هؤلاء المحتجون نظاما بديلا، فبقوا في أماكنهم، والدولة لم تقدم جوابا على ادعاء المحتجين ولم تحل المشكلة سوى بالوعود الكاذبة، وعملت على إخمادها بقمعها ومحاصرتها واعتقال الناشطين فيها والتضييق على أماكن احتجاجهم، مما يدل على أن المشكلة كامنة في المجتمع وستنفجر في يوم من الأيام، وستتطور عندما تجد فكرا بديلا ويقودها مفكرون أو تتجسد في تكتل أو تكتلات حزبية تعمل على التغيير.

وتصرف الدولة القمعي تجاههم أثبت أن الدولة تدوس الحريات التي تتشدق بها عندما يمس أحد الزمرة الحاكمة والمتحكمة والمستأثرة بالسلطة والثروة، وهي طبقة الرأسماليين الأثرياء ثراءً فاحشا. فإدراك الناس لهذا الأمر جدير بأن يحفزهم على التفكير في التغيير الجذري وللتكتل، فقد بدأوا يحسون بالواقع الأليم ويدركون الواقع الذي هم عليه، ويكتشفون سبب المشكلة بأن الذي يحكم أمريكا ويتحكم في الشعب وفي قوت يومه هو هذه الطبقة، وأنه لا يوجد حريات حقيقية، وهذه أول مرة في أمريكا يبدأ الناس بإدراك الواقع الذي عليه بلادهم ويتحركون لتغييره.

ولكن ينقصهم الفكر وهذا يأتي فيما بعد، أي أن الفكر يأتي بعد الإحساس بالواقع السيئ وبضرورة تغييره، فكلما تردت الأحوال وساءت الأوضاع في كافة المجالات قوي الإحساس وازدادت الحاجة للفكر لإيجاد الحل؛ فإما أن يكتشفه الناس بواسطة مفكرين سيبرزون بينهم أو في أماكن أخرى فينتقل إليهم، وإما أن يروه مطبقا في دولة أخرى ستنشأ كالدولة الإسلامية التي ستطبق السياسة الإسلامية التي ستوجد التوازن الاقتصادي في المجتمع الذي يوجب توزيع الثروات بين أفراده وإزالة الثراء الفاحش على حساب الآخرين، ويحول دون تكدس الثروات في خزائن طبقة معينة ضئيلة تتداول أغلب المال بين أفرادها، بل سيعم الخير في كافة المجالات. فكلما تفاقمت المشاكل وتأزمت الأمور فإن الانفجارات ستحدث في المجتمع.

فالخطوة الأولى هي إحساس الناس بالواقع السيئ والتململ للعمل على تغييره، ثم التفكير في تغييره ووجود مفكرين وأفراد يتكتلون ويتجسد فيهم الفكر، وبعد ذلك تأتي الخطوة الثالثة وهي العمل على التغيير.

هذا مع العلم بأن المجتمع الأمريكي مكون من جماعات كانت تنتمي لشعوب عديدة من مختلف أصقاع الأرض، فيرى البعض منها أنه مهمش في داخل المجتمع، وأن فئات من المجتمع تنتمي لعرق معين هي التي تستحوذ على أغلب المناصب والمراكز والثروات، ومنها من لديه أحاسيس قومية، فعند تفاقم المشاكل سوف تقوى هذه الأحاسيس، ثم تتجه نحو الدعوة للانفصال، مثلما حصل عام 1998 عندما قامت مجموعة وطالبت باستقلال تكساس. والولايات الجنوبية لديها شعور كامن بالانفصال، وقد جربته عام 1860 فاندلعت حرب أهلية لمدة خمس سنوات. وكلما تفاقمت المشاكل برز احتمال تفكك أمريكا من الداخل، خاصة وأن الناحية القومية لم تعالج من قبل المبدأ الرأسمالي فلما عجز عن حلها أقر بها، وأوجد النظام الفدرالي كحل لها، أي الاستقلال الداخلي للأقاليم الذي يحمل في أحشائه بذور الانفصال. فالنظام الفدرالي نظام هش فيه قابلية للانهيار ولتفكك الدولة.

وقد حصل مثل ذلك في الاتحاد السوفياتي الفدرالي الذي كان دولة عظمى وذلك عندما عصفت أزمات بالدولة فانهار الاتحاد وتفككت البلاد. وقد تفككت يوغسلافيا الفدرالية وتشيكوسلوفاكيا أيضا، وهناك العديد من الدول الأوروبية الفدرالية معرضة للتفكك بسبب هذا النظام، منها بريطانيا التي سقطت منها أيرلندا الجنوبية وهي معرضة لأن تسقط منها أيرلندا الشمالية وكذلك اسكتلندا. فالنظام الفدرالي الذي تقوم عليه أمريكا نظام هش ولا يصهر الشعوب في بوتقة واحدة، فإذا أثير الشعور القومي أو شعر الناس في الولايات بالظلم ووجود التمييز فسرعان ما تبدأ حركات الانفصال بالظهور، وإذا عملت دولة خارجية في داخل الدولة الفدرالية فإن ذلك سيسرع من حركة الانفصال والتفكك.

إلى جانب ذلك فإن المجتمع الأمريكي من أكثر المجتمعات فسادًا في العالم، فأمريكا تسجل أعلى المعدلات عالميا في كافة أنواع الجرائم من قتل واغتصاب ومن سطو واعتداء وسرقة ممتلكات وتعاطي المخدرات، وفي كافة أنواع الرذيلة والشذوذ. والناس في العالم لم يعودوا يعتبرون المجتمع الأمريكي مثاليا أو مجتمعا يحتذى به، بل أصبحوا يضربون المثل بسوئه وبما ينتشر فيه من مثل هذه الأعمال السيئة التي تسجل أعلى المعدلات عالميا، وهو أبعد المجتمعات عن التسامح والتآخي والتحابب، بل تسوده الأنانية والجشع وحب جمع المال، وتفكك الأسر، وتسوده العنصرية والكراهية والضغائن والأحقاد وحب الانتقام والقتل.

فالأمن والأمان مفقودان فيه، والكل يخاف على نفسه وعلى عرضه وعلى ماله وممتلكاته، فلا يأمن أحد أحدا؛ ولو كان جاره أو واحدا من أقاربه أو زملائه أو معارفه. وهي أكثر بلاد ترفع فيها دعاوى وقضايا لأتفه الأسباب، يرفعها بعضهم ضد بعض حيث لا يتفاهم الناس مع بعضهم البعض سواء الأزواج أو الأقارب أو الجيران أو الشركاء أو غيرهم، فلا يعمدون لحل مشاكلهم فيما بينهم بالتصالح والتسامح، بل يلجأون إلى المحاكم لمعاقبة الآخرين ولابتزازهم لتحصيل المال ولو كان بغير وجه حق.


3- تضعضع الناحية الاقتصادية: قلنا إن أمريكا تدخلت في السوق لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية بشراء أسهمها المتعثرة أو الهالكة ابتداء من عام 2008 عند انفجار الأزمة المالية الأخيرة، وما زالت مستمرة في هذه السياسة حيث قررت ضخ ترليونات من الدولارات، فهي تضخ شهريا 85 مليار دولار، ومع ذلك لم تستطع أن تعالج هذه الأزمة وما زالت تضخ الأموال الطائلة لإنقاذ شركات أصحاب رؤوس الأموال الذين يحكمون البلاد وتحرم عامة الناس منها، والأزمة مستمرة وكان ضحاياها شظف وضنك من العيش للملايين الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم وبدأوا يقتاتون على المساعدات الاجتماعية، وقد ازدادت نسبة الفقر حيث أشارت إحصائياتهم التي نشرها مكتب التعداد السكاني بالولايات المتحدة في 2011/11/7 إلى أن نسبة الفقر وصلت عام 2010 إلى 16% أي 49 مليون شخص. (صحيفة الرياض 2011/11/8) في الوقت الذي أعلن عن ازدياد ثروات الأغنياء بنسبة 12% حيث أعلن عن إجمالي ثروات 400 شخص في أمريكا وهي تساوي 1,5 ترليون دولار (العربية 2011/9/22).

ولهذا قامت حركة وول ستريت التي رفعت شعار "1% من الناس الأثرياء يملكون 99% من ثروات البلاد". ومن جهة ثانية فإن المديونية الأمريكية والعجز في الميزانية وصلت إلى حدود لا يمكن تصورها في دولة، حيث وصلت المديونية إلى أكثر من 16 ترليون دولار. وأقل من هذا المبلغ بكثير من شأنه أن يسقط الدولة. وسبب بقائها رغم ذلك هو كون الدولار عملة عالمية يتحكم في اقتصاد العالم، وسيطرتها على الأسواق المالية العالمية وعلى المنظمات الاقتصادية والمالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

فإذا تخلت دول العالم أو قسم مهم منها عن التعامل بالدولار، فمن المحتمل أن يسبب ذلك انهيارا للاقتصاد الأمريكي، ثم سقوطاً لها عن مركزها كدولة أولى عالمياً. ومن جراء ذلك فإنه من المحتمل أن تسقط هذه المنظمات المالية العالمية فيختل التوازن الدولي.

فإذا تخلت دول العالم عن التعامل بالدولار أو عن كونه عملة عالمية وكونه احتياطياً لها أو رجعت إلى نظام الذهب والفضة فإن الدولار سوف يتحول من كونه عملة عالمية تسيطر على العملات والأسواق وعملة تستخدم كاحتياط نقدي للدول، لأن دول العالم سوف تتعامل بالعملات المستندة إلى الذهب والفضة وتترك التعامل بالدولار كمجرد عملة وثيقة تعتمد على الثقة بأمريكا أو على الهيمنة الأمريكية على اقتصاديات العالم وتتخلى عنه كاحتياطي نقدي.

وإذا طالبت دول العالم بالديون التي لها على أمريكا والتي هي على شكل سندات خزينة أمريكية شبه مفلسة، فإن أمريكا لن تستطيع أن تدفع هذه الديون وبذلك ستصبح في مأزق كبير وتنعدم الثقة بها وتعلن إفلاسها، وقد أفلست العشرات من مدنها والمئات من بنوكها والآلاف من شركاتها ومحلاتها التجارية والصناعية. ومديونيتها الهائلة كافية لإسقاطها عن مرتبة الدولة الكبرى الأولى عندما تتفاقم الأمور وتتحرك الدول لمحاسبتها واسترجاع أموالها. ففي 2013/10/5 عشية افتتاح قمة أيبك في جزيرة بالي بإندونيسيا أشار وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري إلى ذلك قائلا: "إذا استمرت الأزمة المالية أو تكررت فقد يبدأ الناس يشككون بإدارة الولايات المتحدة بالحفاظ على مسارها وقدرتها على ذلك".

وقبله في 2013/10/3 صرح جاكوب لي وزير الخزانة الأمريكية قائلا: "كما رأينا منذ عامين فإن استمرار الغموض بشأن قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها المالية بشكل كامل وفي التوقيتات المحددة أضر باقتصادنا".


4- اهتزاز قوتها السياسية: القوة السياسية للدولة الأولى كثيرا ما تكون مرتبطة بقوتها الاقتصادية والعسكرية وقدرتها على استخدامها وقوة الثقة بها وبسياستها. فإذا ضعفت قوتها الاقتصادية والعسكرية ولم تقدر على استخدامها وإذا فضحت سياستها ولم يعد الناس يثقون بصدقها وبمصداقيتها، وكشفوا القناع عن وجهها الحقيقي فعرفوا كذبها وخداعها، ولم تستطع أن تنفذ خططها السياسية بسبب رفض الناس لها وانفضاح أمرها فإن قوتها السياسية سوف تضعف حتما ويهتز موقفها الدولي ومن بعد ذلك تتجه نحو السقوط كما هو حاصل لأمريكا الآن.


فهي أي أمريكا من خلال سيطرتها على الاقتصاد العالمي ومن خلال سيطرة الدولار الذي لا يساوي ثمن الحبر الذي طبع به تمول آلتها الحربية التي ترهب العالم بها، فإذا فقدت سيطرتها على المؤسسات المالية العالمية وإذا سقط الدولار عندئذ لن تستطيع أن تمول آلتها الحربية وجيوشها وقواعدها التي تنتشر في العديد من بلدان العالم وأساطيلها التي تجوب المحيطات.

فأهم عنصرين لفرض أمريكا هيمنتها السياسية على العالم هما القوة العسكرية والقوة الاقتصادية؛ فهما العنصران اللذان يؤمّنان لها الهيمنة على الأمم المتحدة ومنظماتها وخاصة مجلس الأمن، وكذلك المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية. فعندما تفقد هذه الهيمنة سوف تفقد قوتها السياسية بتأثيرها على دول العالم وبسيطرتها على الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن وعلى المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية.

ثم إن سياستها أصبحت مكشوفة لدى الجميع، وبدأ الناس يدركون أساليبها التي تعتمد على الكذب والخداع وعلى إرهاب الناس أفرادا ودولا وشعوبا ووضعهم في قفص الاتهام بمعلومات كاذبة وتقارير مزورة ثم تبرير قتلهم أو سجنهم أو احتلال بلادهم، فهذا من شأنه أن يعجل بسقوطها، فإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكرناه من بدء علامات الجمود الفكري بسبب عدم قدرتها على معالجة الأزمات ومخالفة مبدئها بسبب عقم حلوله، فهي تطبق نفس الحلول لهذه الأزمات منذ سنين طويلة فتتولد نفس النتائج فيتكرر حدوث هذه الأزمات بدون الوصول إلى حل جذري يمنع حدوثها، فإن ذلك يزيد من ضعف الثقة العالمية بها ومن شأنه أن يعجل بسقوطها.

ثم إن شعوب العالم باتت تبغضها وتنفر منها وتراها متغطرسة ومتجبرة تدوس كرامة الإنسان وتحتجز الناس لسنين طويلة بتهم وبلا محاكمات وتنتهك حرماتهم وكرامتهم وتسومهم سوء العذاب، وتتجسس على الجميع حلفاء وأعداء بلا تمييز، وتخالف القوانين والأعراف الدولية وحقوق الإنسان والديمقراطية التي تدّعيها، دون أن تحسب حساباً لأي شيء.

وقد أصبحت عند شعوب العالم متهمة بأنها وراء كل عمل سيء وإجرامي في العالم وأنها توقد الحروب وتحوك المؤامرات ضد دول العالم، وتشعل الحروب الداخلية وتثير الفوضى والاضطرابات في بلدان العالم، وتدبر الانقلابات العسكرية وتقف وراء الحكام الاستبداديين إلى حين سقوطهم وتتحايل على الشعوب باستبدال استبداديين بهم، وأصبح ينظر إليها على أنها سبب الفقر والأزمات الاقتصادية في العالم، حتى إن الشعوب الأوروبية باتت تنفر منها ولم تعد تثق بها وبما تقول وتعتبر أنها وراء المشاكل واندلاع الحروب في العالم، فبان كذبها بادعائها أنها تحمل مشعل الحرية لتحرير الشعوب وانكشف زيف قيمها العليا التي كانت تتفاخر بها.

وقد أعلنت الحرب على الأمة الإسلامية تحت مسمى محاربة الإرهاب، فأصبحت مكشوفة لدى أبناء الأمة الإسلامية الذين بدأوا يحاربونها، فمنهم من يحاربها بالسلاح فعلا، ومنهم من يحاربها بالفكر وبالسياسة وثارت شعوب المسلمين ضد عملائها وعملاء حلفائها الغربيين وضد الأنظمة التي أقاموها، وصار الرأي العام ضدها، ومع أنها أتت بأوباما لتحسن صورتها القبيحة، لكن لم ينفعها لا أبيضها ولا أسودها.

فشعوب العالم كله أدركت واقع أمريكا، وبدأت تعمل للتخلص من هيمنتها ومن شرورها، مما يبشر بسقوط أمريكا عن كونها الدولة الأولى في العالم وبتهيئة العالم لتقبل دولة أولى عالمية أخرى تقود العالم إلى الخير وتحقق العدل وتنصف المظلوم وتعطي الحقوق لأصحابها وتوفر الأمن والأمان والاستقرار وتنشر السلام والرخاء. ولا يوجد غير دولة الخلافة الراشدة القادمة بديلا وقائدا صادقا ليحقق للعالم ذلك كله.


إن هناك علامات فشل في سياسة أمريكا تشير إلى أن قوتها السياسية تتجه نحو الضعف. ففي قضية الشرق الأوسط لم تستطع حتى الآن أن تنفذ مشروعها في إقامة الدولتين ولو نفذته فشعوب المنطقة ترفضه، فقد استطاعت أن تنفذ خطتها المتعلقة بمصر بواسطة كامب ديفيد ولكن الشعب في مصر ما زال يرفض التطبيع مع كيان يهود وينتظر اليوم الذي يتخلص فيه من هذه الاتفاقية. وقد اهتز نفوذها فأهل العراق وأهل أفغانستان والصومال قاوموا احتلالها ووجهوا إليها ضربات موجعة لم تجعلها في موقع المنتصر بل أظهرتها في وضع المنهزم، وأخذت تتوجس من خوض حرب أخرى.


وجاءت الثورات المباركة في العالم الإسلامي وبدأت من البلاد العربية فجعلت أمريكا تقلق على نفوذها في هذه البلاد وعلى مصيرها العالمي كدولة أولى في العالم. فقد صرح رئيسها أوباما مؤخرا في خطاب له أمام الجمعية العمومية يوم 2013/9/24 قائلا: "إن التقلبات الجديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموذج على التحديات التي تواجه العالم. ولذلك فإن على الأمم المتحدة أن تعالج الاضطرابات الداخلية ومنع الصراع الداخلي بدلا من العمل فقط على منع الحروب بين الدول". وأضاف: "إن التقلبات الكبيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أظهرت الانقسامات العميقة داخل تلك المجتمعات، والشعوب تتساءل عما سيأتي لاحقا". وقال "إن الأزمة في سوريا وزعزعة استقرار المنطقة تطرح تحديات أوسع للمجتمع الدولي". وأقر بقوة الحركات الإسلامية قائلا: "إن الولايات المتحدة وآخرين عملوا على دعم المعارضة المعتدلة ولكن المجموعات المتطرفة استطاعت أن تنتشر لاستغلال الأزمة".

وقد أعلن أوباما تنازل أمريكا عن الديمقراطية في سبيل تحقيق مصالحها فقال: "إن دعم الديمقراطية ليس من المصالح الأساسية التي ستعمل على حمايتها". وأكد أوباما مرة أخرى على مصالح أمريكا مدللا على تهاوي بلاده وانحدارها فقال: "على الرغم من أن الولايات المتحدة بدأت تقلل تدريجيا من اعتمادها على النفط المستورد إلا أن العالم ما زال يعتمد على مصادر المنطقة للطاقة وأي اضطراب قوي قد يزعزع اقتصاد العالم بأجمعه".


ومن هنا يتبين لنا أن أمريكا على وشك السقوط وأنها إلى زوال بإذن الله مع أن عمرها كدولة أولى في العالم لم يتجاوز ستين سنة مع وجود منافس لها، وهذا لا يعد شيئا في تاريخ الأمم، وبدأت تهتز في العقد الأخير. فالظلم والتسلط والغطرسة والعنجهية لن تجعل صاحبها يسود إلا قليلا، ومن ثم يزول ويزول معه كل ما يحمله. وليس من المحتمل أن تملأ ذلك الفراغ الدول الكبرى الأخرى مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا ولا الدول المرشحة لتكون دولة كبرى كألمانيا أو التي ينظر إليها أنه من الممكن أن تصبح دولة كبرى كالصين أو اليابان كما بينا في مقالنا الأول تحت عنوان الفراغ السياسي في الموقف الدولي. ولم يبق إلا احتمال نهضة الأمة الإسلامية وإقامة دولتها دولة الخلافة. وسنبحث إن شاء الله في القسم الثالث مؤهلات الأمة الإسلامية لأن تسبق الدول الكبرى الأخرى وتملأ الفراغ وتصبح الدولة الأولى عالميا.


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسعد منصور

maqalat

لقراءة الجزء الأول اضغط هنــــا

لقراءة الجزء الثالث اضغط هنــــا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر