الديمقراطية والانتخابات والمغالطة الحاصلة بينهما
July 18, 2013

الديمقراطية والانتخابات والمغالطة الحاصلة بينهما

الإسلام مبدأ يناقض كل المبادئ الأخرى في أصوله وفروعه، حتى لو ظن الظانّون أحيانا أنه يشبه المبادئ الأخرى في بعض الفروع أو الجزئيات فهم واهمون؛ فإنه لا يشبهها البتة، وذلك لأن هذه الجزئيات مرتبطة حتما بالفكرة الأساس التي انبثقت عنها فلا تنفك عنها أبدا. فعقيدة الإسلام أساسها وما ينبثق عنها يناقض أساس عقيدة فصل الدين عن الحياة وما ينبثق عنها من أنظمة كالنظام الرأسمالي والنظام الديمقراطي.. وفي الآونة الأخيرة صارت الديمقراطية تطلق للتعبير عن المبدأ الفردي الحر القائم على أساس فصل الدين عن الحياة..


والسؤال: هل تتفق الديمقراطية مع الإسلام وهل ينسجم الإسلام معها كما يحلو لبعض الناس أن يروجوا بين الأمة.. ويستدلون لذلك بتشابه ظاهري بين بعض الأساليب أو الأفكار التي يظهر أنها مشتركة بين المبدأين؟


مثلا تجد بعض المروجين للديمقراطية وخصوصا من لا يريدون إثارة المسلمين بالمعنى الحقيقي لها، لأنهم يدركون أنهم لو روجوا للديمقراطية بمعناها الحقيقي فإنّ الأمة- عوامها قبل مثقفيها ومفكريها- سترفضها رفضا قاطعا، يعمدون إلى ترويجها من خلال بعض المفردات التي قد يظهر أنها لا تناقض الإسلام من مثل قولهم أن الديمقراطية تعني الشورى، وتعني الانتخابات لاختيار الحاكم واختيار نواب الشعب وما إلى ذلك.. يروجون هذا وهم يخفون أسسَها التي تناقض أسس الإسلام.


وبالمقابل تجد من لا يعلم عن الإسلام إلا ما تلقنه لماما، يستغرب عندما يسمع أن الإسلام يقر الانتخابات، ويقول بأن السلطان للأمة تختار حاكمها بنفسها بعقد بيعة قائمة على الرضى بين طرفين الحاكم والأمة وبأن الاستبداد والحكم بالهوى مرفوض فالإسلام والدكتاتورية على نقيض، فإذا سمع بعضا من هذه الأحكام أو الأساليب والوسائل يستغرب ويقول هذه هي الديمقراطية الغربية..


ومما زاد الطين بله أن بعض الزاعمين أنهم يحملون المشروع الإسلامي، ويزعمون أنهم يريدون إيصاله إلى الحكم عن طريق المبدأ الديمقراطي إما استرضاء للمجتمع الدولي كترجمة حقيقية لليأس من إيصال الإسلام إلى سدة الحكم عن طريق الأمة وهو الطريق الشرعي الوحيد لإقامة الكيان الإسلامي أو على اعتبار أن الديمقراطية هي مجرد آلية أو أنها لا تناقض الإسلام بسبب عدم تعمقهم واهتداءهم إلى حقيقة الإسلام على بساطة ذلك ويسره لمن أخلص لله وصدقه..


ومن المغالطات التي يروجها بعضهم أن الانتخابات تعني الديمقراطية، فالديمقراطية من الإسلام وهي بضاعتنا ردت إلينا..


فهل وجود فكرة الانتخابات في النظام الإسلامي ووجودها في النظام الديمقراطي يجعل الإسلام ديمقراطية؟ وقبل الإجابة على السؤال نذكر أنه لا أحد يقول أن وجود فكرة الانتخابات في الإسلام ووجودها في الديمقراطية لا يجعل الديمقراطية إسلاما؟ فهل يجرؤ أحد على ادعاء ذلك؟ أم أن المهزوم والمغلوب مولع بتقليد الغالب؟!
صحيح أن في الإسلام انتخاب وكذلك فيه التعين، وهما موجودان كذلك في المبدأ الديمقراطي ولكن الانتخاب بحد ذاته فيهما هو مجرد آلية لإخراج منفذين أو ممثلين للقيام بمهام محددة يحددها ذات المبدأ وليس لإجراء العملية الانتخابية بحد ذاتها .. ففي الإسلام جعل الشرع السلطان للأمة وأن عليها أن تختار من يطبق شرع الله عليها فتقوم بعملية الانتخاب بغض النظر عن الوسيلة والأسلوب لإخراج من يؤدي هذه المهمة فتقوم ببيعته لتنفيذ شرع الله على أساس الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من قياس شرعي وإجماع الصحابة؛ فإن لم يلتزم الحاكم بتنفيذ شرع الله يعتبر خائنا للمبدأ وللعقد بينه وبين الأمة، ولا يصح أن يحتج على الناس بأنه قد انتُخب وما عليهم إلا السمع والطاعة فهم انتخبوه لتنفيذ شرع الله فيهم فقد كان أساس انتخابه هو المبدأ الذي تريد الأمة وضعه موضع التطبيق والتنفيذ.. بخلاف الانتخابات في النظام الديمقراطي فإنهم يختارون الحاكم لتنفيذ مبدأ فصل الدين عن الدولة وإن حاول إقحام الدين في التشريع اعتبر خائنا يستحق العزل بل قد يحاكم بتهمة الخيانة العظمى.. فكما أن الحاكم في النظام الإسلامي ليس له أن يتبع هواه في التشريع ولا حتى هوى الناس فكذلك الحاكم في النظام الديمقراطي ليس له إقحام الدين في الحكم أو تنفيذ المبدأ الاشتراكي على الناس بذريعة أنه قد انتُخب، ولهذا يقول أقطاب المبدأ الديمقراطي انتخاب هتلر ليس ديمقراطية ونرى كيف أن الغربيين انقلبوا على انتخاب جبهة الإنقاذ في الجزائر وفرضوا على سلطة الحكم الذاتي في فلسطين كما فرضوا على العراق وليبيا وأفغانستان ومصر إقامة حكم ديمقراطي مدني حداثي عن طريق الانتخابات، بعد أن تعلن جميع الأطراف المرشحة دخولهم في الديمقراطية وتعهدهم عدم إقامة دولة إسلامية .


ومثل هذا يقال في انتخاب مجلس الأمة فمهمتهم في الإسلام لا تتناول التشريع من عند أنفسهم بحال؛ لأنه ليس لهم بناء على حكم المبدأ، ومهامهم يحددها المبدأ نفسه وما ينبثق عنه من أحكام فتكون مهمتهم محاسبة الحاكم والولاة على أساس الإسلام وجوبا لا على أساس يناقض الإسلام، وكذلك لهم أن ينبهوا الحاكم ويرشدوه إلى ما غفل عنه، ولهم أن يتذمروا من تقصيره أو تقصير أحد ولاته، ولهم أن يبدوا الاستياء من مخالفة شرع الله أو وقوع ظلم من قبله أو من قبل أحد ولاته؛ فهم كما الحاكم محكومون بشرع الله ومثل هذا يقال بانتخاب ما يسمى مجلس النواب في النظام الديمقراطي فهم يشرعون ويحاسبون بناء على تشريعهم الوضعي وجوبا وهكذا ..فالانتخاب آلية وهو في صورته - هنا وهناك - واحد ولكن المهام يحددها المبدأ ولا يجوز الخروج عنه أبدا .. ومثل الانتخاب التعيين فعندما يعين الخليفة واليا يدعوه إلى تطبيق شرع الله، وعندما يعين الحاكم في النظام الديمقراطي أحداً فإن المعين مربوطة مهامه بالمبدأ الذي يسعى لتطبيقه .. وعلى هذا فلا علاقة أبدا للانتخابات الإسلامية بالانتخابات الديمقراطية وكلاهما يناقض الآخر مناقضة الإسلام للديمقراطية في كل شيء.


خالد صدقي عبد الله

المزيد من القسم null


أيها الناس: إنما لأحدكم نفس واحدة، إن نجت من عذاب الله، لم يضرها من هلك، وإن هلكت، لم ينفعها من نجا، فاحذروا عافاكم الله التسويف، فإنه أهلك من قبلكم، وإنكم لا تدرون متى تسيرون؟ ولا إلى أي شيء تصيرون؟ فرحم الله عبدا عمل ليوم معاده، قبل نفاد زاده.


آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه
لأبي الفرج ابن الجوزي




وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نفائس الثمرات   أَيَا لائِمِي مَالِي سِوَى البَيْتِ مَوْضِعٌ

أَيَا لائِمِي مَالِي سِوَى البَيْتِ مَوْضِعٌ ... أرَى فِيه عِزًا إنَّهُ لِيَ أَنْفَعُ


فِرَاشِي ونَطْعِي فَرْوَتِي فَرَجِيتي ... لِحَافِي وَأَكْلِيْ مَا يَسُدُ ويُشْبِعُ


وَمَرْكُوْبِيَ الآنَ الأَتَانُ ونَجْلُهَا ... لأَخَلاْقِ أَهْلِ الدِيْنِ والعِلْمِ أَتْبَعُ


وقَدْ يَسَر اللهُ الكَريمُ بَفَضْلِهِ ... غِنَى النَّفْسِ مَعْ شَيءٍ بهِ أَتَقَنَّعُ


أْوفِرُهُ لِلأَهْلِ خَوفًا يَرَاهُم ... عَدُوٌ بِعَيْشٍ ضَيِّق فَيُشَنِّعُ


وأَصْبِرُ في نَفْسِي عَلَى ما يَنُوْبُنِي ... واطْلُبُ عَفْوَ الله فالعَفْوُ أَوْسَعُ


وما دُمْتُ أَرْضَى باليَسِيْرِ فإنَّنِي ... غَنِيٌ لِغَيرِ اللهِ مَا كُنْتُ أَخْضَعُ


ورَبِيَ قَد آتَانِي الصَّبْرَ والغِنَى ... عن الناسِ في هذا لِيَ العِزُ أَجْمَعُ


وقد مَرَّ مِن عُمْري ثَلاَثٌ أَعُدَّهَا ... وسِتُونَ في رَوْضٍ مِن اللُّطْفِ أَرْتَعُ


وَوَجْهِي مِن ذُلِّ التَّبَذُلِ مُقْفِرٌ ... مُقِلٌ ومِن عِزِّ القَناعَة مُوْسَعُ



وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته