February 28, 2014

الدولة التونسية تثير ملف الإرهاب لتشغل به الرأي العام وتضرب به المشروع الإسلامي وتتكتم به على الثروات المنهوبة

تحاول الدولة التونسية إيهام الجاهلين بعالم السياسة ومكر الساسة ومكائد الدول الأجنبية، أن الإرهاب يهدد أمنها واستقرارها. وفي الوقت نفسه تعمل على ربط هذا الإرهاب بالإسلاميين، في محاولة غبية منها لكسب الرأي العام إلى جانبها؛ لأن المشروع الإسلامي الذي صار يطرح نفسه كأصلٍ يجب أن تقوم على أساسه الدولة بات يزعجها، فلم تجد من حيلة تشوه بها الإسلام وتخوف الناس منه إلا أن تصطنع مثل هذه الوضعيات الإرهابية لتقول من خلالها هذا هو المشروع الإسلامي، مشروع دموي وتسلطي وقهري، وأصحابه أناس متشددون دينيًا، ولا يتعاملون مع مخالفيهم إلا بلغة القوة المفرطة ووحشية السلاح الذي لا يعرف رحمة ولا شفقة، ولا يقبلون بالحوار السلمي والحضاري مع الدولة والمجتمع. هذه هي الصورة البشعة والمرعبة التي تقدمها الدولة للرأي العام عن الإسلاميين لتصل بها إلى غرضها المنشود، ألا وهو قمع الإسلاميين ومعهم المواطنين العزل تحت ذريعة مقاومة ظاهرة الإرهاب الوهمية؛ لتعود بالشعب من حيث لا يشعر إلى سنوات الجمر أيام الدولة البوليسية، فتخضعه لآلتها القمعية من جديد، وتضع حدا لنشاط الإسلاميين من بعد أن تبين لها أن هذه الجماعات بدأت تأخذ حيزا لا بأس به في الأوساط الثقافية والسياسية والمجتمعية، وأن هناك إقبالا وتلهفا من قبل أبناء الشعب على التظاهرات الثقافية والندوات الفكرية والسياسية لهذه الجماعات، لمعرفة المزيد عن إسلامهم والارتواء من معينه من بعد السنوات العجاف التي عاشتها تونس فيما يعرف بالتصحر الديني وتجفيف المنابع في عهد الطاغيتين "بورقيبة وبن علي". وهذا التوجه نحو الإسلام واهتمام الشباب به دون الالتفات لباقي الأحزاب العلمانية واليسارية لم يعجب المناوئين للمشروع الإسلامي في الداخل والخارج، فتحركت أذناب الداخل وتحركت فيهم نعرة العلمانية الحاقدة، فبدءوا بالضغط على أصحاب القرار في الدولة ليتخذوا إزاء هذه الظاهرة الإجراءات اللازمة والصارمة لتجميد نشاطاتها الثقافية والسياسية والحد من توسع رقعتها وزحف أصحابها، وذلك بقوة القانون وصرامة البوليس. وما الحديث الجاري الآن عن تحييد المساجد ومراقبة الخطب ومنع الخيم الدعوية والتحقيق مع بعض الناشطين والدعوة إلى غلق الروضات القرآنية للأطفال بدعوى أنها الورشة الأولى التي يتربى فيها جيل الإرهاب، ومنع التمظهر بمظاهر التدين كالنقاب بفرية أنه لباس يتخفى به الإرهابي؛ كل ذلك ليدل على النوايا الخبيثة المبيتة التي تستهدف الإسلام والإسلاميين، وتعمل على إقصائهم بأي طريقة من الطرق، حتى وإن اقتضى الأمر إلى تحميلهم مسئولية ما يجري في البلاد من أعمال إرهابية وإلصاقها بهم من غير أي بينة أو دليل.


وحتى لا يقع الشعب في فخ الدولة فتأخذه إلى جانبها لتصهره في قالبها الأمني وإعلامها الفاسد، نلفت النظر إلى النقاط التالية ليفكر فيها كل عاقل بعقله وليس بعقل الذين يخططون لهذا الأمر، وأن يبحثها بنفسه بحثا موضوعيا مجردا من كل خلفية مسبقة، وأن يربط كل حادثة بقرائنها الميدانية وشهادات بعض الشهود عليها، حتى يرى بنفسه أن الإرهاب الذي تتحدث عنه الدولة لا وجود له في البلاد، أي ذاك الإرهاب الذي يصوره لنا الإعلام الرخيص بأنه يهدد أمن الدولة والشعب، ويستهدف حياة المواطنين الأبرياء؛ لأن كل الأحداث التي وقعت كان معظمها في أماكن خالية من العمران وبعيدة عن الأنظار داخل الغابات وفوق الجبال، كأحداث جبل "الشعانبي"، فهي إذن لا تستهدف الدولة ولا الشعب. وأما الأحداث الأخرى التي جرت داخل مناطق العمران ووسط الأحياء الشعبية، وحصلت فيها مواجهات مسلحة بين الوحدات الأمنية والعناصر الإرهابية، من قبل أن تحدث فيها أي عملية إرهابية تستهدف أهالي تلك الأحياء، فإنه أمر يثير الريبة والشك في رواية وزارة الداخلية. فالغريب مثلا في عملية "رواد" بالضاحية الشمالية للعاصمة التونسية، هو أن يتم قتل سبعة عناصر إرهابية والقضاء عليهم في أقل من 24 ساعة داخل المنزل الذي حوصروا فيه مع أنهم كانوا مسلحين بأسلحة حربية متطورة ومعهم كميات كبيرة من المواد شديدة الانفجار (تي إن تي) وأحزمة ناسفة. مما يفيد أنه لو وقع تفجيرها لذهبت الفرقة المحاصرة للمكان ومعها الحي بمن فيه؛ لأن المعروف عن هذه الجماعات التي تسمى استشهادية أو انتحارية لا تستسلم بسهولة وتخير أن تقوم بعمل كارثي إذا تحققت أنه لا مفر ولا خلاص لها من الحصار المضروب عليها؛ مما يجعل العملية صعبة ومعقدة، تجبر الفرقة الأمنية على مراجعة حساباتها من قبل أن تقوم بأي عمل متهور ينهي العملية بشكل درامي. إلا أن هذا لم يحدث وقتلوا جميعهم ودفن السر معهم ولم نتمكن من معرفة حقيقة ما جرى، ولا معرفة حقيقة هؤلاء إن كانوا بالفعل إرهابيين أم أفرادا صنع بهم الحدث؟ زد على ذلك أن البيت الذي تم تطويقه في الحي الشعبي وقيل عنه إنه كان وكرا لخلية إرهابية، لم يتفطن له الأهالي من قبل ولم يشعروا بوجود الإرهابيين بين ظهرانيهم إلا من بعد أن اقتحمته قوات الأمن، وهذا مثير للاستغراب، خاصة ونحن نعلم واقع الأحياء الشعبية وما فيها من عيون ترقب القادم والذاهب، ولا يسكنها غريب يوما واحدا حتى تنتشر أخباره بين الجيران، فكيف يتخذه الإرهابيون وكرا لهم وسط تلك العيون ويجازفون بأنفسهم ولا يخشون انكشاف أمرهم وهم من الشباب وغرباء عن الحي؟ هذا أولا.


ثانيا: إنه لم تقع في تونس أي عملية إرهابية من عيار تلك العمليات التي جرت في العالم من مثل التفجيرات بالعبوات الناسفة والسيارات المفخخة بالأماكن العامرة بالحركة اليومية، كالأسواق والمحلات التجارية الكبرى، والمحطات المزدحمة، والمطارات والمؤسسات الحكومية. مما يدل على أنه لا يوجد في تونس إرهاب يستهدف الشعب والدولة، بل معظم العمليات كانت خارج مناطق العمران في أماكن شبه نائية، وكانت عمليات محدودة وهامشية، والمواجهات المسلحة التي دارت بين الطرفين كانت أقرب إلى التدريبات التي تقوم بها عادة الفرق الأمنية والعسكرية، ولم تكن مواجهات حقيقية مع معسكر الإرهابيين. لكن رغم ذلك كانت تخلف وراءها ضحايا من الأمنيين والعسكريين، لكأنها عمليات مدبرة لتوغر بها صدورهم وتشحنها بالحقد والبغضاء، وتنفخ فيهم روح العداء للجماعات الإسلامية، وتجعلهم على حالة من التشنج العصبي والاستعداد لقمع الإسلاميين والتشفي فيهم.


ثالثا: إن هذا الإرهاب ينسب دائما وبمجرد حدوثه من قبل أي تحقيق أو تحرٍّ أو حكم قضائي إلى الإسلاميين. وبالتحديد إلى تنظيم أنصار الشريعة الإسلامية المحسوبين على التيار السلفي وتنظيم القاعدة بشمال أفريقيا. والحقيقة أن الحديث عن هذا التيار والإصرار على ربطه بتنظيم القاعدة وأعمالها في شمال أفريقيا عاد من لغو الحديث. إذ صارت هذه الورقة التي يستخدمها الغرب وعملاؤه في شمال أفريقيا منتهية الصلاحية، ومفعولها لم يعد له تأثير على العوام من بسطاء القوم، خاصة بعدما تفطن الغافلون إلى أن الإرهاب هو صناعة دولية تصنعه الدولة نفسها لترعب به المواطنين حتى تتعالى صيحاتهم بواجب قيام الدولة بمسئولية حمايتهم من مخاطر هذه الجماعات الإرهابية. وهكذا تتهيأ الأجواء للدولة لقمع الإسلاميين بمساندة الرأي العام لها ومساعدة المواطنين، فينقلب أكثرهم إلى مخبرين وجواسيس عند الدولة يرفعون لها الوشايات والتقارير عن بعضهم البعض؛ فيصبح الأب رقيبا على ابنه، والجار جاسوسا على جاره، والصديق عينا على صديقه. ومما يبطل كذلك أسطورة تنظيم القاعدة بشمال أفريقيا هو ما خبرناه عن هذا التنظيم، وما نعرفه عنه أنه يتبنى الأعمال المادية ولا يتنكر لعملية قام بها، بل هو الذي يتولى الإعلان عنها في بياناته الرسمية وعبر وسائله الإعلامية، وهذا لم يحدث البتة في تونس، بل كل التنظيمات الإسلامية، ومنها أنصار الشريعة المتهمة باطلا، تنكر ذلك وتدفعه عن نفسها بقوة. غير أن الدولة تصر وتؤكد بدون أية أدلة أو قرائن مادية على أنهم هم وراء كل عملية تحدث في البلاد.


رابعا: كل عاقل متابع للأحداث وناظر فيها بعين الباحث في ظروفها وحيثياتها، والمتفحص في أعماقها وما يترتب عليها من نتائج، يرى ببصيرته أن الاغتيالات السياسية التي حصلت في البلاد، والقتل المدبر للأمنيين والعسكريين، هي أعمال لا ينتفع بها الإسلاميون، لا في الناحية السياسية ولا من الناحية الدعوية، ولا يستفيدون بها في أي أمر من الأمور، وهي بالتالي أعمال لا تصب في مصلحتهم ولا تخدم أي ورقة من أوراقهم. وبكلمة واحدة هي أعمال عبثية. ولذلك لا نتصور قيامهم بها مهما كانت درجة غبائهم.


خامسا: لو عدنا إلى تصريحات المسئولين في الدولة، وعلى رأسهم وزارة الداخلية، بما فيها الوزير نفسه والناطقون الرسميون باسمها والنقابات الأمنية ورجال الأمن المباشرون للعمليات، وكذلك تصريحات العسكريين والحقوقيين والخبراء والإعلاميين، لا نجد رواية واحدة تستقيم مع أختها، فلكل طرف منهم رواية خاصة به، وما رأيناهم يتفقون على رأي واحد إلا فيما يتعلق باتهام الإسلاميين. فهذه النقطة الوحيدة التي أجمع عليها الكل باستثناء بعض الحقوقيين والخبراء.

وأما الأسماء التي وردت في بيانات وزارة الداخلية والإعلام فإنها لغز الألغاز، إذ ليس من بينها اسم واحد معروف بسوابقه الإرهابية، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وإنما هي أسماء جلها نكرة، لكنها أدرجت في قائمة الإرهاب دون أي دليل إدانة، ورغم ذلك يصر الإعلام على ذكرها بأنها العقول المدبرة والمخططة لهذه العمليات. فمثلا الحديث عن الوجه البارز في التيار السلفي "أبو عياض" المختفي هو حديث عن شبح ليس له أي بصمة في هذه العمليات. وأما الحديث عن غيره من الذين لهم ماض مشبوه في التعامل مع الأسرة الحاكمة والمخابرات، ولهم علاقات مع الدول الأجنبية والجمعيات السرية، كالحديث عن العراف "أحمد الرويسي" الذي انقلب بقدرة وزارة الداخلية وسحر الإعلام من عراف دجال ومنجم محتال مقرب من "ليلى الطرابلسي" زوجة المخلوع "بن علي" وعائلتها، إلى سلفي إرهابي!! فإنه حديث يكشف عن وجود شبكات دولية تديرها جهات أجنبية وتنجزها أيادٍ إجرامية محلية لا علاقة لها بالجماعات الإسلامية.


هذه إذنْ الواجهة التي تعمل الدولة على عرضها أمام الرأي العام لتشغله بالنظر فيها فيراها بعين الدولة والإعلام ولا يلمسها بيد المحقق للتأكد من صحتها.

ولكنها في المقابل تخفي عنه ما تختزنه في مستودعاتها من معلومات ووثائق وتسجيلات عن الجهات الحقيقية التي تقف وراء هذا الإرهاب. إلا أنه قد فاتها أن هذا الشعب قد تجاوز سذاجة الخمسينات والستينات، ولم يعد بالإمكان استغفاله أو تضليله بهذه العروض السخيفة. فهو يعلم ما تخفيه الدولة وتتستر عليه، وله من الأدلة الموثقة بالصوت والصورة من تصريحات بعض المسئولين، كالسيدين "فرحات الراجحي" والسيد "علي العريض" الوزيرين السابقين لوزارة الداخلية، يكشفان فيها عن المستور، بالتلميح مرة وبالتصريح أخرى، عما يسمى بالدولة العميقة وأخطبوط العصابات الإجرامية المتمكنة من مؤسسات الدولة.


ولنسلط أنوارنا الآن على ما يجري في البلاد لنراه على حقيقته. فالواقع السياسي الحالي تنعكس عليه حقيقة الحرب على الإسلام، ويزخر بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة التي تنذر المجتمع بالمصير المشئوم والنهاية المروعة إذا ما نجح المفسدون في الاستيلاء على سفينة المجتمع؛ لأننا نرى فيما يضطرم به مسرح الأحداث العالمية والمحلية، من مفاسد جمة ومظالم شائنة وإرهاب فظيع وعنف مدمر وكوارث جسيمة، هو نتيجة طبيعية لحكم الإنسان الطاغية الذي ينادي في شعبه - يا أيها الناس ما علمت لكم من إله غيري وما أريكم إلا ما أرى -. وتونس كباقي بلاد العالم الإسلامي من بعد أن سقطت الخلافة الإسلامية وحلت محلها دويلات الضرار التي تطبق أنظمة الكفر، قد توالى على حكمها طاغيتان؛ هلك الأول وسقط الثاني، ولكنهما خلفا وراءهما الأزلام من بقايا التجمع (الحزب الحاكم سابقا) وشرذمة من الفاسدين في دوائر الدولة والإعلام، وحفنة من رجال نهب الأموال، وأصحاب المصالح المنتفعين بالأنظمة الديكتاتورية، وكذلك عصابات وتنظيمات مشبوهة لها علاقات بالدول الأجنبية والمنظمات العالمية السرية، بالإضافة إلى العلمانيين واليساريين المناوئين للمشروع الإسلامي.

فكل أولئك من مخلفات الماضي باتوا بعد الثورة يتوجسون خيفة على مستقبلهم ويخشون خسران مواقعهم لما أحسوا بنقمة الشعب عليهم، وكرهه الشديد لهم لكثرة مساوئهم، ورأوه يطالب بإقصائهم من الحياة السياسية لأنه سئم رؤيتهم وسماع أصواتهم؛ وهذا يزعج الدول الغربية لأنهم أدواتها في الداخل؛ لأن هذه الدول الاستعمارية التي لا زالت لها هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية علينا لن ترضى بحكم غير هؤلاء الموالين لها، ولا تقبل بتسليم البلاد لمن لا يخضع لإرادتها خضوعا تاما ويسير على دربها وفق أوامرها وينفذ حرفيا أبجديات أجندتها السياسية، فهي بالتالي لا ترتاح إلا لحكم الخونة من العلمانيين واليساريين المناوئين للمشروع الإسلامي. وحتى وإن جاءها الإسلاميون طائعين وقدموا لها الضمانات الكافية للاستمرار على الدرب نفسه لاستكمال الدور الذي لعبه أسلافهم في الحكم، وأظهروا لها صدق النوايا والإخلاص في خدمة مصالحها فإنها لا تثق بهم ولا تطمئن إليهم؛ ولذا كان لا بد من زحزحتهم عن الحكم بعدما وصلوا إليه (ديمقراطيا) بأي طريقة من الطرق، ومن هنا جاءت هذه العمليات الإرهابية المدبرة لتربك الحكومة وتخلق في البلاد حالة من الفوضى وتفتعل الأزمات لتعطي للعلمانيين والحداثيين واليساريين الفرصة لمناهضة ما يسمى بالحكومات الإسلامية والضغط عليها بكل الوسائل لإظهارها على وجه من العجز والفشل في تسيير شئون الحكم ورعاية مصالح الناس، والتشكيك في قدراتها على توفير الأمن لهم. وها قد تحقق لها ذلك في مصر ثم في تونس. وبهذا ندرك أن اليد التي زرعت شجرة الإرهاب الخبيثة هي يد إجرامية مباغضة للإسلام، وأما الثمرة السامة والقاتلة التي تنتجها هذه الشجرة الخبيثة فإنها تنسب إلى الإسلاميين، وبتعبير آخر الإرهاب يصنعه أعداء الإسلام المناوئون للمشروع الإسلامي، وأما أصابع الاتهام فإنها توجه إلى الإسلاميين الأبرياء منه.


والمتتبع للأحداث في تونس والمتقصي بدقة للاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية يكتشف أنها عمليات نوعية مرتبطة بأجندات سياسية، ومرتبة في توقيتها مع المحاور السياسية الساخنة في البلاد، ولها علاقة بجهات أجنبية، ونفذتها أيادٍ داخلية بالتعاون مع دول الجوار. ولقد حصلت تسريبات توحي بأن سفارات الدول الغربية ليست بريئة منها، وأن المخابرات الأجنبية كانت على علم مسبق بها، حتى إن رئيسة حزب الجبهة الوطنية الفرنسية وزعيمة اليمين "ماري لوبان" قامت بتوجيه أصابع الاتهام إلى الرئيس الفرنسي "فرنسوا هولاند" في حوار خصت به إحدى القنوات الوطنية الفرنسية، لتستره على المتورطين في حادثة اغتيال "شكري بلعيد" الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين في تونس. كما دعت إلى ضرورة استقالة وزير الداخلية الفرنسية على خلفية هذه الفضيحة، منتقدة في الوقت ذاته تصريحاته بشأن الوضع الأمني في تونس، مما يفهم من كلامها أن لا علاقة للإسلاميين باغتيال هذا اليساري. وكذلك الخبر الذي أكدته التقارير الصحفية الجزائرية التي تفيد بأن القائد الكبير في جهاز المخابرات الجزائرية "حسان" قد تم إخضاعه إلى الرقابة القضائية بأمر من المحكمة العسكرية بعدما تم اتهامه بإنشاء عصابة مسلحة والقيام بأنشطة مثيرة للفتنة. ولقد فصّل في هذا الأمر السيد "محمد العربي زيتوت" الناشط السياسي والحقوقي والدبلوماسي الجزائري السابق، لقناة الزيتونة التونسية في برنامج "بالمرصاد" بتصريحات غاية في الخطورة؛ إذ قدم معلومات خطيرة مفادها أن الجزائر لها علاقة فيما حصل بتونس من إرهاب، حيث قال إن الجنرال المعزول "حسان" متورط بصفة مباشرة في ما جد بتونس من اغتيالات وعمليات تمس بأمن البلاد، وأن الولايات المتحدة الأمريكية قد تدخلت وضغطت على السلطة الجزائرية من أجل إزاحة الجنرال المذكور لتورطه المباشر في نشاط الإرهاب بتونس.


فمثل هذه المعلومات تبين أن هذه العمليات لا علاقة لها بالإسلاميين ولا تحمل في طياتها أي رائحة من روائح العطور الإسلامية حتى تقنع الرأي العام، فضلا على أن الشعب في تونس بات يعلم بحسب الوثائق التي كشفتها الدولة نفسها بعد الثورة وسقوط الطاغية، أن "بن علي" كان هو الذي يخطط لصناعة الإرهاب ثم ادّعاء مقاومته في عهد الهالك "بورقيبة" ليتقرب بذلك إلى الحاكم العجوز فيتخذه كَيَدٍ حديدية يقمع بها الإسلاميين، وقد حصل ذلك بالفعل. فالشعب إذنْ لم يعد ذاك الذي تنطلي عليه بسهولة أية رواية تقدمها له وزارة الداخلية، بل صار يرتاب في كل واقعة تحصل بالبلاد ويطالب بكشف الحقائق عنها وتعرية الجهات التي تقف وراءها والأيادي الخبيثة التي تحركها. نعم الشعب التونسي صارت لديه قناعة، بالرغم من زاده الضعيف في السياسة ومعرفته بالساسة والسياسيين، أن الذين يديرون آلة الإرهاب هم الطبقة الفاسدة الموالية للغرب وليس الإسلاميين. لكن غباء الذين يخططون لمثل هذه السيناريوهات السخيفة لا يريدون الاعتراف بأن تمثيلياتهم الفاشلة لا تقنع حتى الأطفال الذين لهم نسبة من الذكاء والفطنة، بل نراهم ما زالوا يصرون ويؤكدون على أن الإرهاب هو من أعمال الجماعات الإسلامية.


وأما الذي زاد في دفع الأحداث وتطورها، وجعلها تتصاعد وتتوالى وراء بعضها، فإنه الموضوع الخطير الذي بدأ يشغل الرأي العام ويأخذ مساحة من اهتمامات الناس، وتتداوله الألسن وتتساءل عنه، هو ملف الثروات المنهوبة الذي فتحه المخلصون الغيورون على البلاد والشعب. فهذا الملف أزعج الدولة أيما إزعاج ومن ورائها الدول التي تنهب هذه الثروات؛ حيث تفطن الشعب من بعد عقود من الفقر والبطالة أن بلده غنية بالثروات ولكنه لا يعلم عنها أي شيء ولا يستفيد منها في شيء، وهي ثروات كافية لتجعله على قدر لا بأس به من الرفاهية قد تفوق رفاهية بعض الدول الخليجية. فآبار البترول وحقول الغاز والمناجم والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية وغيرها من الثروات تكفي لتحسين عيش المواطن التونسي حسب تقارير الخبراء الاقتصاديين إلى خمسة أضعاف. ولذا كان تحريك مثل هذا الملف يُعَدّ ضربة قاصمة لمصالح الدول الاستعمارية في بلادنا، وقد يؤدي إذا ما تحرك الشعب بقوة إلى طرد الشركات العالمية التي تنهب هذه الثروات في غفلة من أهلها. وعليه فإن استمر انشغال الناس بهذا الموضوع فقد تتطور الأحداث إلى عكس ما ترغب فيه الدولة من بقاء الوضع على ما هو عليه، وهذا بدون شك لا يصب في مصلحة العملاء الخونة ومعهم الدول المستفيدة بهذا النهب. فكان لا بد من لفت الرأي العام إلى ملف وهمي يلهيهم عن الاهتمام بملف الثروات المنهوبة فكان ملف الإرهاب هذا، أي الإرهاب المزعوم.


وعليه فإننا من هنا ندق ناقوس الخطر لنحذر الشعب في تونس من الوقوع في فخ الدولة والانسياق وراء مسرحياتها الوهمية، فيعطيها من نفسه مسوغا لاستئناف القمع من جديد بحجة مقاومة الإرهاب، وذريعة للتصدي للمشروع الإسلامي باسم مقاومة التطرف، وسبيلا لمنع التظاهرات الشعبية ولجم الأفواه باسم منع الفوضى والحد من الفتن. فإن نجحت الدولة في استغفالكم بهذه المزاعم التافهة ومكّنتموها من أنفسكم فإن النتيجة ستكون أخطر بكثير من الإرهاب الذي يخوفونكم به؛ لأنه لو سلمنا جدلا بوجود هذه الجماعات الإرهابية وصدّقنا الدولة في رواياتها فإن خطرها أو ضررها لن يتعدى حدود موقعها، أما إرهاب الدولة البوليسية فإنه أشد وأنكى وضرره أوسع وأشمل، لأنه يمحق الملايين من الناس ويسوقهم بعصاه القهرية سَوْقَ العبيد. ولذا فإننا نحذر الجميع من الاستسلام لهذا المخطط الشيطاني الذي تراهن عليه الدولة، وندعوكم للوقوف في وجهها وقفة رجل واحد كي لا تواصل في استغفالكم بهذا الملف الوهمي، وأن تضغطوا عليها لتشتغل بقضية أخرى هي الأخطر والأهم، ألا وهي مسألة الثروات المنهوبة، وأن تفتح فيها تحقيقا عاجلا لا آجلا، وتتخذ الإجراءات اللازمة في حق كل من تورط في هذا النهب وحوّل وجهة الثروات إلى الأجنبي وحرم منها الشعب صاحب الحق الطبيعي، وأن تعمل بجد وحزم على استرجاعها من الذين نهبوها بالمكر والخداع والخيانة والعمالة. فهذا حقكم لا يجوز أن تتراخوا في طلبه أو في التفويت فيه أو تأجيله لوقت آخر، بل لا بد من متابعة الدولة في هذا الملف ومحاسبتها عليه والضغط عليها بكل الوسائل حتى لا تنسيكم إياه وتردمه تحت ملف الإرهاب المزعوم. هذا ما تقتضيه الحاجة الآنية لمعالجة الوضع الحالي.


وأما ما يقتضيه مستقبل البلاد والعباد فهو التخلص النهائي من الارتهان للأجنبي والتحرر من نفوذ الدول الاستعمارية المتسلطة علينا؛ وذلك لا يكون إلا بإسقاط هذه الأنظمة الوضعية التي تطبق علينا النظام الرأسمالي الجشع، واستبدال نظام الإسلام بها والذي لا يُظلم أحد تحت سلطانه ولا يجوع ولا يعرى، بل ينعم فيه المسلمون والكفار بالعدل والرفاه والأمان. هذا هو تحذيرنا ونصحنا لكم، وهذه دعوتنا إليكم لتعملوا معنا لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، فإن لم تأخذوا بتحذيرنا ونصحنا، وتستجيبوا لدعوتنا، وتضيفوا جهدكم إلى جهد العاملين المخلصين لإقامة الخلافة التي فيها عزكم وإرضاء ربكم، فإننا نذكركم بقول الله عز وجل من قائل ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِڪۡرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً۬ ضَنكً۬ا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِىٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرً۬ا﴾ [طه: 124-125]. أي من أعرض عن الإسلام كمنهج حياة له، وعميت عيناه عما جاءه في الكتاب من خير لدنياه وآخرته، ورضي بالعيش تحت أنظمة الكفر وحكم الجبابرة، فإنه سيلقى في هذه الدنيا من الذل والهوان والاضطهاد ما يحوّل حياته إلى حياة شقاء، وسيجد من ضيق العيش وسوء الرعاية ما يضطره إلى شد الحجارة على بطنه، وهو يرى نِعمَ الله وخيراته ينعم بها المفسدون في الأرض على حساب سكوته وقعوده، ثم يحشر يوم القيامة أعمى وينال من العذاب ما يستحق؛ لأنه عمي في هذه الدنيا عن الحق وقعد عن أمر الله وما فكر في تغيير المنكر والأمر بالمعروف ودحر الفساد والمفسدين، ورضي بأنظمة الكفر وسكت عنها واستسلم للظلمة والطواغيت. وأي خسران بعد هذا الخسران، ضنك في العيش وعقاب شديد في الآخرة.


نسأل الله السلامة لأمتنا من كل سوء ومكروه، وأن يفتح على بصيرتها لتهتدي لما فيه نجاتها وعزتها وعلو شأنها فتفوز برضاء ربها في هذه الدنيا وتجازى في الآخرة الجزاء الأوفى.


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
خالد العمراوي - سويسرا

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر