أكذوبة قوات حفظ السلام ونذر إبادة كلية لمسلمي أفريقيا الوسطى!
February 16, 2014

أكذوبة قوات حفظ السلام ونذر إبادة كلية لمسلمي أفريقيا الوسطى!

جلست القرفصاء وهي ترتعش في ركنٍ من بيتٍ مهجورٍ تعرض للنهب، بدت الفتاة المسلمة ذات الأحد عشر ربيعاً هزيلة لا تقوى على الحديث أو الحراك ولا عجب فقد أمضت أربعة أيام عصيبات دون ماء أو طعام في حالة هلع وذعر بعد أن فقدت والديها في مجزرة على أيدي مناهضي بالكا.

عثر عليها فريق منظمة العفو الدولية وكانت الناجية الوحيدة من مجزرة في قريتها بينما فر آخرون بحثاً عن ملجأ، وأمضت الفتاة المسلمة أربعة أيام بعد المجزرة مختبئة وبمقربة منها بدأت الكلاب الضالة تقتات على جثث 20 مسلماً تُركت ملقاة.(منظمة العفو الدولية 2014/2/14).

سردت دوناتيلا روفيرا عضوة فريق المنظمة هذه الأهوال يوم أمس الجمعة وذكرت أنهم وجدوا جثة لرضيع في الشهر السابع تأكله السباع من بين الجثث الملقاة على قارعة الطريق.

وقعت هذه الحادثة في قرية في شمال غرب البلاد تشهد احتكاكات متواصلة بين أعضاء سيليكا سابقاً ومناهضي بالاكا النصارى وبالرغم من ذلك لم تصلها قوات حفظ السلام وترك الناس فيها عرضة لهذه المجزرة.


مثل هذه الحادثة تصف ما يتعرض له المسلمون في جمهورية أفريقيا الوسطى التي تشهد جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان وهجمات شرسة على المسلمين يشيب لذكرها الولدان، قتل عشوائي على الهوية وحقد أعمى لا يميز بين صغير أو كبير، إنها جريمة تتم بغطاء أممي وتجاهل عالمي منقطع النظير، إنها حرب إبادة طائفية بكل المقاييس.


لم تكن حادثة تلك الفتاة المسلمة فردية؛ فقد أعلنت السلطات في جمهورية أفريقيا الوسطى أمس الجمعة أيضاً اكتشاف مقبرة جماعية لمسلمين بالعاصمة بانغي ارتكبت في إطار أعمال "التصفية الجماعية" للمسلمين في أفريقيا الوسطى.

وذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن الأسابيع الأخيرة شهدت مستويات غير مسبوقة من العنف ضد الأطفال في الهجمات الطائفية الانتقامية، ويقول مدير مكتب اليونيسيف الإقليمي لوسط وغرب أفريقيا، مانويل فونتين، "إنه مع تصاعد العنف الطائفي في العاصمة بانغي وأماكن أخرى من البلاد، يتم استهداف الأطفال بشكل متزايد بسبب دينهم أو بسبب مجتمعهم.

قالت ماريكسي ميركادو المتحدثة باسم اليونيسيف "على مدى الشهرين الماضيين تحققت اليونيسف وشركاؤها من مقتل سبعة وثلاثين طفلا وتشويه سبعة وتسعين طفلا.

وقد تم ارتكاب بعض هذه الأعمال بوحشية يصعب فهمها".

إذًا المسألة أبعد ما تكون عن هجمات انتقامية من الأعضاء السابقين لمنظمة سيليكا (ذات الأغلبية المسلمة) بل هو استهداف للمسلمين صغارا وكبارا لا لشيء سوى أنهم قالوا ربنا الله.


وذكرت منظمة العفو أيضا في بيان لها أن أفريقيا الوسطى "تشهد هجرة المسلمين بأعداد لم يشهدها تاريخ البلاد" (موقع المنظمة 2014/2/12).

وتأتي هذه الهجرة الجماعية كنتيجة مباشرة للتقتيل الوحشي الذي يقوم به مناهضو بالاكا حيث يقتلون الناس وتتعالى صيحاتهم "لا نريد مسلمين بيننا".

أكد حجم هذه الهجرة أيضا تصريحات النشطاء وأعضاء الهيئات الأممية المتواجدين في بانغي، فقد ذكرت السيدة جوان مارينة من طاقم منظمة العفو الدولية في بانغي "حتى الأمس لم يبقَ سوى 742 مسلمًا من أصل 8-10 آلاف مسلم في بلدة يالوك والباقون محاصرون في بضعة حواجز وسيقتلون إذا غادروا" (عبر حسابها على تويتر).


لعل حال النازحين أفضل ممن هم محاصرون داخل المدن يحيط بهم الحاقدون ويتربص بهم الأعداء وتتسارع الأحداث أمام أعينهم بحيث تحرمهم فرصة رثاء قريب أو العزاء في عزيز، أصبحت حياة المسلمين رحلة يومية لينجوا بأنفسهم.

وكما ذكرت الجارديان البريطانية في عدد الأمس 2014/2/14 يخرج الآلاف من المسلمين في مئات العربات ويتكدسون بحيث تقل العربة عشرة أشخاص هربا من العصابات المناهضة لبالاكا كما فعلوا يوم أمس الجمعة لتستقبلهم الجماعات النصرانية وهي تصرخ "سنقتلكم عن بكرة أبيكم" فتقرر قوات حفظ السلام العودة بالمسلمين ليحتموا بالمساجد مرة أخرى.

كانت هذه المحاولة الثانية خلال أسبوع واحد وانتهت بأمر الكابتن البروندي لقوات حفظ السلام الأفريقية "المعروفة بمسكا" بأن تعود قافلة المسلمين خشية المواجهات خلال المرور على منطقة خطيرة داخل بانغوي.

وأمر جنوده بمخاطبة المسلمين عربة عربة وتوجيههم بالعودة لمنطقة "مسكين"، والجدير بالذكر أن هذه المنطقة تحديداً شهدت تجددًا للهجمات نهار الجمعة وقتل في هذه الهجمات عشرة من المسلمين.

يعيش المسلمون في حيرة يومية ولسان حالهم يقول لا نستطيع البقاء ولا نستطيع الرحيل ولكن لنا الله هو مولانا ونعم النصير.


توالت هذه الأخبار الصادمة على الأمة يوم الجمعة في الوقت الذي تنشطت المساعي الدولية وأعلنت الرئاسة الفرنسية في بيان أن فرنسا قررت إرسال 400 جندي إلى أفريقيا الوسطى ليصبح عدد جنودها هناك ألفي رجل، ورفع الاتحاد الأوروبي عدد قواته من 500 إلى ألف.

يصرحون بهذه التعزيزات وكأن هذا العدد من الجنود سيغسل عار وفشل القوات الفرنسية أو أن الجنود الأوروبيين سيلزمون 5 ملايين من أهل أفريقيا الوسطى على أن يأتمروا بأمرهم وهم يتركون الذئاب لتنهش لحوم البشر جهارا نهارا؟ هذا التدخل الهزيل متأخر وعقيم وهو للحفاظ على نفوذهم ومصالحهم وليس من أجل عيون المسلمين هناك.


أما أغرب هذه التحركات الدولية وأكثرها إثارة للريبة فهو نقل الولايات المتحدة الأمريكية جوا لقوات رواندية إلى جمهورية أفريقيا الوسطى (رويترز 2014/1/16).

لماذا القوات الرواندية بالذات بالرغم من التشابه المخيف بين ملابسات أحداث أفريقيا الوسطى وتطورها السريع واستخدام الأسلحة التقليدية في القتل وما حدث في رواندا قبل عشرين عامًا؟ لماذا تنقل جنود من قوات الدفاع الراوندية (RDF) من رواندا إلى أفريقيا الوسطى لتشارك في إرساء السلام بالرغم من أن هذه القوات عاشت تجربة فريدة من نوعها، ولا شك أن تجربة الإبادة العرقية تترك أثرا على النفس البشرية، فلماذا يجلب الاتحاد الأفريقي ومن خلفه تجربة دموية لم تتعافَ منها رواندا إلى يومنا هذا إلى وضع حساس كما أفريقيا الوسطى؟ بالرغم من المحاولات المتكررة للمصالحة الوطنية فقد تجذرت الفرقة بين الهوتو والتوتسي وأصغر فتيل بإمكانه أن يعيد الوضع كما كان.. أتراه مشروعًا لإعادة سيناريو ما حدث في رواندا!


لعل التركيز المفرط على قوات حفظ السلام التي لم تقدم شيئا يذكر يكشف هشاشة الموقف الدولي الذي استهان بحياة الناس في البوسنة والهرسك وفي الكونغو الديمقراطية وفي رواندا، وها هو يعيد الكرة ويستخف بمسلمي أفريقيا الوسطى.

تظاهر المجتمع الدولي بالقلق على الطبيعة الطائفية للعنف في جمهورية أفريقيا الوسطى في أول الأمر واتخذ قرارًا بنشر قوات دولية لحفظ السلام في البلاد في كانون الأول/ديسمبر 2013.

نشرت القوات التي تتألف من نحو 5,500 فرد من القوات التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم "ميسكا"، ونحو 1,600 فرد من القوات الفرنسية، المعروفة باسم "سنجريس" في مدينة بنغوي وفي الشمال والجنوب الغربي للعاصمة وفشلت جميعاً في حماية المسلمين، فلعلها توظف لحماية ما هو أهم من البشر!.

لم يؤد هذا التدخل الدولي لحسم العنف؛ إذ إن هذه القوات لم تقدم حتى الآن حماية حقيقية للمسلمين، وشاهد الجميع القتل والتمثيل الذي يتعرض له البشر على مرأى القوات الدولية وهي لا تحرك ساكناً.


مسلمو أفريقيا الوسطى لا يواجهون عدوا عاديا يتصرف حسب معطيات مدروسة وحسابات بشرية، إنهم يواجهون قوى شيطانية غاشمة، تدعى قوات مناهضة البالاكا (البالاكا تشير للأسلحة سواء بلغتهم أو بالفرنسية) أي أنهم يعتقدون أن قوتهم تَقهر السلاحَ وبأنها قوة لا تُقهر، ويرتدي معظم أفرادها الكثير من التمائم التي ترصع في بعض الأحيان بأجزاء بشرية لتعطيهم طاقة غير عادية.

هذه العصابات جزء من نسيج المجتمع في أواسط أفريقيا وليست دخيلة، وتركز لديها الحقد على الإسلام وأهله، وهذه المشاعر العدائية تجاه المسلمين موجودة في البلاد وهم مجرد أداة لتنفيذها.

ذكرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بتاريخ 2014/2/12 "بعد عدة أيام من رحيل الرئيس جوتوديا حضر المئات من مقاتلي مناهضي بالاكا لتسلم أعمالهم في الفرع الرئيسي لقوات أفريقيا الوسطى FACA وظهر مئات آخرون بعدها في الاجتماع الصباحي."

إذنْ فمسلمو أفريقيا الوسطى يواجهون جيش بلادهم الذي أصبح التفريق فيه بين الموالين لمناهضي بالاكا وغيرهم شبه مستحيل.


أما عن الأمم المتحدة فقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في اجتماع الأمم المتحدة بالأمس أن كلا الطرفين تعرض للاعتداء، ودافع عن قوات حفظ السلام المتواجدة في أفريقيا الوسطى، وكأنه بهذا الدفاع ينشد الحيادية التي تدعيها الأمم المتحدة ومنطقها الأعوج في المساواة بين جميع أطراف النزاع، تساوي بين المعتدي وصاحب الحق والمالك ومغتصب الأرض والضحية والمجني عليه.

قال بان كي مون هذا وكلنا نعلم سجله الأسود في هذا المجال ومساواته بين السفاح بشار ومن ثار عليه من أهل سوريا.

ادَّعى الأمين العام هذا وهو يعلم بتخاذل قوات حفظ السلام وبأن فرنسا قامت بنزع سلاح سيليكا وخلقت فراغا سياسيا وأمنيا مفاجئا أتاح الفرصة لعمليات الانتقام.

يستغرب المرء هذا الادعاء الأعمى من السكرتير إذا ما قورن بتصريحات الجنرال فرانسيسكو سوريانو قائد القوة الفرنسية سانجاريس، أن المليشيات النصرانية في أفريقيا الوسطى المتهمة بارتكاب العديد من التجاوزات ضد السكان المسلمين أصبحت أبرز أعداء السلام، وسيتم طردها على أساس أنها خارجة على القانون وتمثل عصابات.(2014/2/10 بانجي أ ف ب).

وقوات حفظ السلام هذه التي يدافع عنها أدانتها الهيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في بيان صحفي بتاريخ 2014/2/12 جاء فيه "إن قوات حفظ السلام الدولية فشلت في منع عمليات التطهير العرقي التي وقعت ضد المدنيين المسلمين في الجزء الغربي من جمهورية أفريقيا الوسطى".

هذا بعد أن انتقدت منظمة العفو الدولية برودة رد المجتمع الدولي على هذه الأزمة، وأشارت إلى أن قوات حفظ السلام الدولية امتنعت عن التصدي لمليشيات مكافحة البلاكا وكانت بطيئة في حماية الأقلية المسلمة التي تتعرض للتهديد.

قوات حفظ السلام شريك في هذه الجريمة في أفريقيا الوسطى فهي تتابع الاعتداءات في حي PK 5 وحيPK 12 المحاصر الذي يقع في قلب مجتمع بنغوي مسلم حيث يسقط الضحايا يومياً وتتكرر الاعتداءات الهمجية لمناهضي بالاكا، ينتظر المسلمون الفرج أو الموت بينما يتحرك آلاف الأشخاص الخائفين في منطقة أخرى يحزمون حقائبهم ويغادرون منازلهم.

ذكرت عضوة منظمة العفو المتواجدة حالياً في حي مسلم في بانغوي معاناة أهل المنطقة من الجوع وانعدام الرعاية الصحية وتلوث الجروح وغياب الأمن بينما يعاني أكثر من 600 طفل من سوء التغذية.


برر بان كي مون فشل قوات السانجريس الفرنسية فادَّعى أن تدخل قوات حفظ السلام لم يكن ممكناً، برر الراعي الرسمي للسلام فعل فرنسا الحاقدة على المسلمين منذ زمن الاستعمار، فهي التي خلقت الأزمة وسارت وراء مغامرة استعمارية بذيئة في الألفية الثالثة بأن دبرت لخلع الرئيس المسلم ميخائيل جوتوديا في غضون أسابيع بالرغم من أنه انصاع لإملاءاتهم ونزع سلاح ميليشيات سيليكيا وترك المسلمين في مهب الريح فريسة سهلة للأعداء.. أتدرون لماذا؟ بذريعة أنه لم يحفظ الأمن، وها هي اليوم تسير فوق ركام الموتى وتتحدث عن حفظ السلام.. حقاً من أمن العقاب أساء الأدب.


يحصر البعض قضية أفريقيا الوسطى في إطار صراع عصابات متطرفة اتخذت اسم "المناهضة لبالاكا" تحتاج لقوات تحفظ السلام وتلجمها عن بعض الأفعال المشينة ولكن الأمر يتجاوز ذلك بمراحل.

إن ما يحدث في أفريقيا الوسطى هو انكشاف للبناء الهزيل للكيانات التي أنشأها المستعمر على عُجالة وافتقرت لأسس صحيحة تقوم عليها الدول.

لم يتعد تكوين الدول في مرحلة ما بعد الاستعمار أكثر من عبث صبياني بخريطة المنطقة وبعض الألوان، فلا عجب أن تنتج كيانات فاشلة أساسها الكراهية والموازنات السياسية الهشة.

الشواهد كثيرة في فشل نموذج الدولة القُطرية في الإطار الأفريقي، وما أحداث الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى وحتى الدولة الوليدة في جنوب السودان عنا ببعيدة.


إنها مأساة أخرى تلقي بأكلالها على خير أمة أخرجت للناس، يقتل أبناؤها وتقطع أجسادهم ثم يتناوب الذئاب في أخذ اللقطات التذكارية لتلك المشاهد الوحشية.

يلتقطون الصور ويحتفلون بانتصارهم على المسلمين وانسلاخهم من الفطرة السليمة ويتسمون بأفعال جبلها الله في الحيوانات المفترسة.

ذكرت السيدة مانويل فونتين أنها أخذت صورا لثلاث سيدات قتلتهن العصابات المناهضة لبالاكا ولكنها لم تقوَ على نشرها من هول التمثيل من بتر للأيادي وتقطيع عشوائي.

ألم يئن الأوان لهؤلاء النشطاء وكل من في نفسه ذرة إنسانية أن يكفروا بالمجتمع الدولي الذي يعيد استنساخ هذه النماذج الدموية ليفاجئنا كلما قلنا كفانا وحشية بالمزيد منها في جعبته، صدمنا في حرب البوسنة والهرسك ثم رواندا ثم الكونغو الديمقراطية، وها نحن نرى ما يحدث في أفريقيا الوسطى ليقف شاهدا على كذب وزيف شعاراتهم وأن الإنسانية منهم بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب.


أيها الناس، لقد جربنا كياناتهم الهزيلة وها نحن نرى الرعب الذي تنتجه، سرنا وراء الروابط الهشة وتغزّلنا بالوطنية والقومية وها هي ذي جعلت من البشر وحوشًا كاسرة تُغلِّب الغريزة وتلغي العقل، ما لم يكن في مصلحة تنفع الأقلية وتحرم الأكثرية.. لبسنا كل لبوس غير الذي أراده الله لنا فلم تُستر العورات ولم تُحفظ الكرامة والهيبة وتغلَّب علينا الوهن، غفلنا عن مركزية الشريعة في حياتنا وجعلناها ثانوية ورضينا أن نعيش بدون الكيان الذي رضيه الله لنا ليحفظ علينا الدين والعرض والنفس والمال واستبدلنا اتحادات قومية - لا تملك حماية أحد ورثت العمالة كابر عن كابر - بدولة الخلافة التي شرعها الله لنا، واتخذنا رويبضات بدلاً من الإمام الجنّة الذي يقاتل من ورائه ويتقى به..


أيها الناس، إن إخواننا يعيشون محنة وأي محنة.. إنها محنة هانت أمامها الدنيا بما فيها ولم يبق سوى الدين والنفس، أما النفس فهي بيد خالقها، وأما الدين فلنعضَّ عليه بالنواجذ ولنحضر أفهامنا لما يقوله بارئنا.

وَلْتُدرِك أيها المسلم أنك أُكلت يوم أُكل أخوك في أفريقيا الوسطى، وليحتمِ الأعزل بالأعزل والضعيف بالضعيف إلى أن يأتي أمر كان مفعولاً ويأذن الله بنصره ويمكِّن لعباده الصالحين، ولنعمل على استنهاض أهل المنعة والقوة من المسلمين لنصرة أمتنا التي تتداعى عليها الأكلة في أصقاع الأرض.

إن أحداث أفريقيا الوسطى عبرة لمن يعتبر ﴿فَاعْتَبِرُ‌وا يَا أُولِي الْأَبْصَار﴾.


رحم الله أياما كنا أعزاء عند من يحكمنا، تأتي قافلة المسلمين فيكون أول سؤال كيف تركت المسلمين وراءك؟.. رحم الله أياما كان غضب المسلمين فيها جيشاً عرمرما يُرى أوله ولا يرى آخره، لا يعود حتى يستنصر أو يهلك دون ذلك.. رحم الله أياما تفاخر فيها أهل ذمتنا بالمنعة والأمن والأمان وأتى رحالة الغرب ليروا هذه الدولة الإسلامية التي تحفظ للناس حقوقهم.

أما اليوم فقد وصلت بنا الحال لهذا الحد، ولكننا لن نيأس فإن نصر الله آت.


ربي إن هذه الغوغاء جاوزت المدى، اللهم احصهم عددا وأهلكهم بددا ولا تغادر منهم أحدا، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك اللهم أرنا فيهم وفي بشار عجائب قدرتك، اللهم عاجلاً غير آجل اللهم عوض أهلنا في أفريقيا الوسطى خيرا واحفظهم بعينك التي لا تنام، واجعلها بردا وسلاما عليهم كما جعلتها على حبيبك الخليل عليه السلام.


﴿وَاذْكُرُ‌وا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْ‌ضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِ‌هِ وَرَ‌زَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُ‌ونَ , يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّـهَ وَالرَّ‌سُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ,
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّـهَ عِندَهُ أَجْرٌ‌عَظِيمٌ﴾

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر