اهتمام بالمرأة الريفية أم رقم في الانتخابات التشريعية؟
October 22, 2014

اهتمام بالمرأة الريفية أم رقم في الانتخابات التشريعية؟

تنظّم تونس في تواريخ متفرقة على مدار السنة ندوات وورشات أعمال وتظاهرات... تزامنا مع أيام عالمية ودولية تُعنى على حدّ قولهم بالمرأة ومشاغلها؛ فتكون بذلك فرصة يتمّ فيها تذكّر حالها وما آلت إليه أوضاعها بعد آخر عيد تم الاحتفال به.


اليوم الدولي للمرأة الريفية هو يوم كباقي الأيام العالمية التي يلتفت فيها للمرأة وأوضاعها كاليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس (آذار) وقريبا اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة في الخامس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.


في تونس، يستوقف تاريخ 15 أكتوبر (تشرين الأول) من كل سنة الهيئات الحكومية والجمعيات والإعلام لتفقّد حال المرأة في الأرياف والسؤال عن همومها وتقديم جملة من البرامج والوعود. وفي هذا الإطار، احتضنت عدة مراكز تكوينية وجمعيات ومقرات تابعة لكتابة الدولة بمناطق عدة من البلاد التونسية ندوات وفعاليات وطنية وورشات عمل نظمتها العديد من الأطراف نذكر منها الاتحاد الوطني للمرأة التونسية ورابطة النهوض بالمرأة الريفية بالتعاون مع ديوان تربية الماشية وتوفير المرعى، وكتابة الدولة للمرأة والأسرة ووزارة الفلاحة والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وجمعية تونسيات...


وللتذكير فقد تم تحديد اليوم الدولي للمرأة الريفية من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها المؤرخ في 18 ديسمبر 2007، وذلك تسليما منها "بما تضطلع به النساء الريفيات، بمن فيهن نساء الشعوب الأصلية، من دور وإسهام حاسمين في تعزيز التنمية الزراعية والريفية وتحسين مستوى الأمن الغذائي والقضاء على الفقر في الأرياف".


وقد ركّزت أهم الفعاليات في الأسبوع الفارط على تسليط الأضواء على دور المرأة الريفية في الفلاحة العائلية من خلال عرض منتجاتها المتنوعة وأنشطة لصاحبات بعض المشاريع الصغرى كما اهتمّت بالاستماع إلى شواغل المشاركات والصعوبات التي تعترضهن وخاصة تمّ التركيز على ضرورة مشاركة المرأة الريفية في الحياة السياسية بالخوض في معترك الانتخابات التشريعية القادمة. ولذلك تم تخصيص ندوات لتحفيز تشريك المرأة الريفية في المسار الانتخابي وتثمين دورها وورشات عُنيت بتدريب المرأة الريفية على عملية الاقتراع (وكالة تونس إفريقيا للأنباء).


بأي مكتسبات عدت يا يوم؟؟؟


تمثّل المرأة الريفية في تونس 35.5٪ من مجموع عدد النساء و٪60 مـن اليــد العـاملــة في القطاع الفلاحي (حسب تصريح وزير الفلاحة 16 أكتوبر 2014 لإذاعة أُوَازيس) وتعمل النساء في الأوساط الريفية في مختلف مراحل الإنتاج الفلاحي بالإضافة إلى الصناعات الحرفية والتقليدية. وبالرغم من القوانين والبرامج والخطط التنموية التي زعموا أنهم وضعوها لتحسين أوضاع المرأة الريفية: الصحية والتعليمية والاقتصادية؛ كالخطة الوطنية للنهوض بالمرأة الريفية التي تمت المصادقة عليها عام 1998؛ نصطدم بواقع يكشف زيف كل تلك التشريعات ويتبرّأ منها. فقد نشر مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات في 2014/10/14 النتائج النهائية لدراسة حديثة أعدّتها جمعية النساء الديمقراطيات حول العاملات في القطاع الفلاحي في سبع ولايات شمالية أشارت إلى أن أكثر من 75٪ من العاملات في القطاع الفلاحي عاجزات عن توفير حاجيات أسرهنّ وتأمين عيش كريم بالرغم من عملهن لأكثر من 12 ساعة يوميا. والمؤلم أنه بالرغم من تحمل مشقة العمل وساعاته الطوال تشكل نسبة العمل غير مدفوع الأجر للنساء في الوسط الريفي 97% من معدل ميزانية الوقت اليومي حسب دراسة أنجزت في "توزيع واستغلال الوقت لدى النساء والرجال 2005 - 2006" هذا بالإضافة إلى غياب التأطير وعدم قدرتهنّ على تسويق منتوجاتهنّ ممّا يضطرّهنّ في حالات كثيرة إلى إتلاف المحاصيل، وتكاد المرافق الطبية أن تكون شبه مغيّبة في الأوساط الريفية في ظروف عمل قاسية مع انعدام للتغطية الصحية؛ فالريفيّة تعمل في ظروف عمل قاسية لا يعيلها إلا جهدها إن قويت عملت وإن مرضت جاعت ولم تجد من يوفر لها حبّة دواء.


هذا هو حال المرأة في الريف، تشتكي فيه من أجر زهيد مقابل أعمال مضنية؛ تفتقر للرعاية والإحاطة؛ وتعيش وضعية أقل ما يقال عنها أنها كارثية. وإنك لتدهش من وجود دراسات تمجّد وضع المرأة في تونس كدراسة نشرتها «رويترز» في 2013/11/12 أعلنت فيها أن تونس تحتل المرتبة السادسة في تصنيف أحسن الدول العربية في معاملتها للمرأة وكأنّ لسان حال تلك الدراسات أنها لا تعترف بالمرأة الريفية ومعاناتها اليومية ولا تعنى بمسؤولية الدولة في معاناتها.


بعد هذا الجرد السّريع لبعض الإحصائيات والمعطيات الخاصّة بأوضاع المرأة الريفية كان لا بدّ أن نقف لنتبين مدى نجاعة الحلول والبرامج المقترحة في هذه الندوات: هل مجرّد سن قوانين تقر بحق المرأة الريفية في العيش الكريم وتعزز فرص حصولها على القروض الصغرى يغير وضعها؟ هل الاهتمام الموسمي بظروفها المعيشية سيحدث أيّ تغيير فيها؟ هل ستتحسن ظروفها الاقتصادية بمجرد إصدار البريد التونسي طابعا بريديا لهذه المناسبة أو بمجرد توفير تجهيزات لتربية النحل ومفاقس الدجاج أم بالبت في إشكالية الميراث في تونس - كما صرحت رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية - اعتبارا أن ملكية الأراضي ترجع للابن بعد موت الأب، هل ستُحلّ مشاكل المرأة الريفية فرضا إن ورثت هي الأرض!! أم أنّ الحل السّحري لهذه المعاناة هو تدريب النساء الريفيات على عمليات الاقتراع!!!


إنه لمن المخزي أن يكون حتى التذكر الموسمي للمرأة الريفية مقترنا باستغلال عوزها وحاجتها للمساعدة وحثها على الإدلاء بصوتها لانتخاب من يشرّع ويسن قوانين مجحفة ظلمتها سابقا وستظلمها لاحقا. لو كانت هذه حلول جذرية لما وَرّثت بالفائض كل سنة مشاكلها للسنة التي تليها.


اهتمام بالمرأة الريفية أم رقم في الانتخابات التشريعية!


قام المركز التونسي المتوسطي باستشارة ميدانية في إطار مشروع دعم مشاركة المرأة الريفية في انتخابات سنة 2014 وقد شملت الاستشارة أكثر من 5200 امرأة في خمس ولايات هي توزر وقفصة والقصرين وجندوبة وزغوان. كشفت نتائج الدراسات على أن 77% من النساء الريفيات لم يشاركن في انتخابات 2011 و83% رافضات للانتخابات المقبلة كما أن 36% منهنّ لا يمتلكن بطاقات تعريف وطنية يستظهرن بها في مراكز الاقتراع. مؤشرات خطيرة تدق نواقيس الخطر لإمكانية خسارة رقم مهمّ في الانتخابات القادمة، أسباب كافية لانطلاق الحملات التوعوية والبرامج الميدانية والندوات التي تتدارس أسباب عزوف المرأة الريفية عن المشاركة في الانتخابات وتبحث عن آليات الحث عليها. ومن أهم التوصيات التي جرى العمل عليها تسهيل تنقل المرأة الريفية إلى مراكز الولايات من أجل التسجيل في الانتخابات (في حين أنها ما زالت تقطع الكيلومترات سيرا لجلب الماء وكسب لقمة العيش...) والتمديد في آجال التسجيل ووضع آلية تمكنهنّ من استخراج أو تجديد بطاقات تعريفهنّ لتدارك التسجيل بعد الآجال المحددة (مع أنهن ظللن طويلا دون بطاقات تعريف تمكنهنّ من التمتّع بأبسط الحقوق "الخدمات الصحية" و"التغطية الاجتماعية"...).


إن الأوضاع الهشة التي تعاني منها المرأة الريفية لن تحلها المشاريع التنموية ولا المساواة في الإرث ولا المشاركة في انتخابات تكرّس عبوديتها للعباد لأنّه مهما بلغت نسبة النموّ سيبقى النصيب الأوفر من الربح حكرا على الأقلية فالذي سيحل مشكلة الاقتصاد ليس زيادة الثروة بل توزيعها توزيعا عادلا.


إن النظام الاقتصادي في الإسلام هو الذي سيخرج الناس جميعا من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الرأسمالية إلى عدل الإسلام فهو وحده الكفيل الذي سيضمن للمرأة المسلمة حقها في العيش الكريم. فلا فرق بين امرأة في الريف وامرأة في المدينة بل يجب أن تنال المرأة المسلمة حقها أينما كانت لا منة أو شفقة.


بل هو واجب على الدولة إن لم تقم به تعتبر قد قصرت في رعاية شؤون رعيتها وهضمت حقوقها.


أيضا عند الحديث عن الدولة لا بد أن لا ننسى دورها الإشرافي على تطوير القطاعات فالأصل أن تؤطر الفلاحين والفلاحات وتعينهم على النهوض بالقطاع بكل الوسائل المتاحة من إقراضهم القروض غير الربوية وتوفير المعدّات المتطورة والبذور عالية الجودة وإعانتهم على تسويق منتوجاتهم وتطويرها لتكون قادرة على المنافسة؛ كذلك الأمر بالنسبة للحرفيين والحرفيّات.


كل هذا هو الكفيل بتغيير واقع المرأة الريفية وانتشالها من عوزها وعجزها وفقرها وقلة ذات حيلتها.


ولذلك فالأيام الموسمية من مثل اليوم الدولي للمرأة الريفية لا يغير من قتامة الواقع شيئا بل هو تذكير سنوي بتقاعس الدولة وتقصيرها وظلمها لرعيتها.


واقتران الاحتفال بذلك اليوم بحث الريفية على الإدلاء بصوتها يكشف النوايا والخبايا ويفضح حقارة القائمين عليه.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
درة بكوش - تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر